«جئت إلى مسيو لاسوس الفرنسي وكان سكيرا يشرب النبيذ تحت الزيتونة.. قلت يا سيد لاسوس، هناك خبر جيد أردت أن أسألك عنه. رد: ما الخبر؟ قلت: لقد نال لبنان استقلاله، هل هذه اشارة إلى التحضر.
قال لاسوس في آخر مرة اشتريت فيها زجاجة نبيذ من البائع، باعني زجاجة زيت بسعر النبيذ. غشني. هذا يعني انكم لم تنالوا التحضر مطلقا ».
فيلم توثيقي
هذه حكاية واحدة من عشرات الحكايات التي يرويها ايلي صفير، حلاق بيروت الأقدم، الباقي على قيد الحياة، والتي اختارت ابنته زينة أن تبدأ رحلتها في عالم السينما بحكاية عشقها الأول.
فصنعت فيلما توثيقيا باسم «بيروت علموس»، هو بمثابة بروفايل توثيقي لسيرة هذا الرجل المليئة بالتحدي والكبرياء والتضحية و«الحواديت»، والتي تعرّي، تماما كما يفعل «الموس» الماضي والحاضر في لبنان. ثمة حكايات عن زمن الاستقلال وما قبله، الاستعمار ورجاله.
ثم أبطال الاستقلال، ثم الحرب الأهلية حين قتل الناس واشتعلت الأمكنة ومن بينها الفنادق وما فيها.
وما فيها قد يكون صالون حلاقة لرجل حلم أن يكون مركز عمله في فندق «فينيسيا» الذي كان ذا يوم جزءا من بيروت في عصرها «الذهبي» قبل الاقتتال الأهلي بداية سبعينيات القرن الماضي:«أوصلني السائق يا بابا إلى دار الأوبرا.. كان مسلما بابا..
اشتعلت الحرب في اليوم ذاته.. نوري كان سنيا بابا.. حين وصلت إلى البيت هاتفت صديقي وسألته عن حال الجميع حسين وريمون وغيرهم..» . يروي الرجل سيرة الايام.
حينذاك كان علي يعمل مع ايلي، وحسين يطمئن على ريمون.. لم تكن الغرائز العاطفية هي الحدود التي تفصل الأسماء والكائنات والأمكنة في بيروت. تسأل زينة بجرأة لافتة عن السياسة والناس. تغرق في ذاكرة والدها من دون ان تجامله.
يظهر حبها المنطقي له، وهو الحب الذي جعلها تصنع «ع الموس»، لكنها لا تهاوده، تحاصره بالأسئلة:«لماذا ناصرت حزب الكتائب (حزب عقائدي يميني)»، تصر. يحاول التهرب من الاجابة.
يفصح:«كانوا يطرحون شعار لبنان غير العروبي» . «ماذا تعني بلبنان غير العروبي»، تحاصره مجددا بالسؤال. يتململ الرجل الثمانيني:«عرفنا بعد ذلك أن الأمر خدعة.
عزل البلد عن محيطه لا يخدم الا اليهود» . في مشهد آخر مؤثر، يتناول السيد ايلي قليلا من الخمر، يخلطه بالماء، ليعالج نفسه من تخمة داهمته بعد غداء ثقيل (هذه هي أول مرة.. بابا.. أمك تصنع غداء ثقيلا)، فيما يتكلم عن زعيم حزب الله حسن نصر الله:«عليهم ان يتحاوروا معه.. شئنا أم ابينا هذا الرجل يتمتع بشعبية هائلة».
رواية الحلاق
بهذا الوعي الذي لم تغيبه السنوات، يروي الحلاق ايلي، الانيق بمعطف اسود وقبعة في الخارج، ومعطف رمادي مخطط في داخل البيت، ماذا قال له الزعيم الذي رأس حكومة الاستقلال صائب سلام بعد ان فرغ من الحلاقة له، وماذا قال له ادمون صفرا الذي كان يحلق عنده وكان «يدعم اليهود..
لقد تبرع لهم بعشرين مليار دولار لكي يؤسسوا كيانهم الصهيوني سرا ثم اختفى.. كان قد طلب في آخر صيف التقينا فيه ان أهاجر إلى سويسرا لكي أفتتح محل حلاقة هناك.. لم أكن لأغادر بيروت أبدا» .
لم يرض ايلي صفير، الذي يتمسك ببيروت كما يتمسك بالحياة، فيحلق ذقنه كل صباح استعدادا ليوم جديد.. لم يرض أن يترك البلد، حتى بعد أن اشتعل محله أكثر من مرة وتنقل من مكان إلى آخر.
ها هوذا اليوم، على وقع أغنيته التي يحبها والتي سمعها ذات يوم من مغنيتها تدندنها في عاليه قبل عقود طويلة فيما تقود عربتها، يدخل بكامل بهائه إلى صالونه الأنيق في فندق فينيسيا في بيروت.. فيما تغني أسمهان «ليت للبراق عينا» !.
دبي ـ «البيان»
