«هذا فيلم ضد حقوق الإنسان، ولا يتوجب عرضه»، يقول الرجل بغضب شديد مفتتحا جلسة النقاش التي تلت عرض فيلم «ظلال» لماريان خوري ومصطفى حسناوي وهو الفيلم الذي يتسابق في مسابقة المهر العربي للأفلام الوثائقية. نعر ف لاحقا أن الرجل هو المخرج الشاب إبراهيم بطوطي الذي صور في فيلمه «عين الشمس» جانبا من فساد الشارع المصري.
«استغرب أن تأتي هذه الملاحظة منك يا إبراهيم، فأنت مخرج معني بقضايا الإنسان، كذلك غطيت حروبا وصورت ضحايا» ن يرد عليه مخرج آخر. الصالة تشتعل. يد من هنا تطالب بالميكروفون وصوت من هناك يصدح من دون انتظار الميكروفون«هذا فيلم صادم.
أتمنى لو تم الاستعانة بشخصيات بديلة لكي تمثل ادوار الشخصيات الحقيقية التي ظهرت في هذا الوثائقي، ربما كان وقع الصدمة أقل»، تقول سيدة بالانجليزية، فتأتي الإجابة البسيطة والمقتضبة من المخرجة:«ذاك ليكون فيلما آخر» .
يقول الرجل بانجليزية ذات لكنة أوروبية:«أشكرك على هذا الفيلم»، فيما يتعالى صوت الصحافي: «أختلف تماما مع القول انه فيلم ينتهك خصوصية من صورهم ويستغلهم. تصويرهم يسوف يحميهم ويحمي آخرين من بعدهم في هذا المكان، في مستشفى المجانين، أو في أي مكان شبيه، ربما سجن أو معتقل».
خلف الأبواب المغلقة
يستغرق النقاش أكثر من أربعين دقيقة، أي نصف مدة الفيلم، وهي من الطقوس النادرة التي تلي عرض الأفلام، اقله في عالمنا العربي.
ما حصل في الصالة رقم واحد في «مول الإمارات» يوم الثلاثاء الماضي، يستحق وقفة، ويودي بنا إلى أسئلة شائكة لطالما طرحت عن السينما والمتلقي، الأفلام والسياسة، العاطفة والعقل وصولا إلى فقدانه أي إلى الجنون، إن جاز لنا التعبير، إذ أن توصيف «جنون» يحتمل من التعقيد النفسي والطبي والعلمي والثقافي، تماما بشكل موزا لتوصيف «عاقل» .
الفيلم، الذي اقتحم أسوار مستشفى العباسية، وهي إحدى ست مصحات للمرضى النفسيين في مصر وأقدمها، حصل على أذونات الإداريين والمسؤولين عن المصحة، في فترة يبدو أن القوانين التي تحكم دخول المرضى إلى هذه الأمكنة، والتي لم تتغير منذ ستة عقود تقريبا، مقبلة على مرحلة إعادة نظر وتقييم.
من الناحية الظرفية، أي ظرف المكان والزمان، نحن إذا، مبدئيا، أمام فيلم جدلي، إذ ان السينما التوثيقية أو حتى الروائية حين تظهر في اللحظة الحرجة تكون قد حققت جزءا من نجاحها بغض النظر عن المستوى التقني أو المضموني فيها.
نتحدث عن المضمون: نحن إزاء شهادات ل«مرضى» يشترك غالبهم في حالة واحدة ومحيرة وهي أنهم يبدون.. غير «مرضى» . ماذا يفعلون إذا في هذا المكان:«أراد عمي أن يسيطر على ورثنا فزجنا أنا وأبي وأخي في المستشفى» .
كان ذلك قبل.. متى؟ أربعة أيام، شهور، سنين.. كان ذلك قبل أربعة عقود. علينا أن نتخيّل الآن كيف يمضي رجال حياتهم داخل أسوار العباسية بوصفهم مجانين مدة أربعين سنة؟
هل تريد أن تخرج من المستشفى؟ يقول الطبيب المعالج لأحد الأخوين. يصفن. تسرح عيناه:«لا ادري. أين اذهب؟» . يجهل الرجل ماذا يدور في الخارج بعد كل هذا الوقت. ربما نسي كيف هو الخارج وما شكله؟ «خارج» العقلاء هذا..
سيدة من الصعيد
على هذا المنوال تمضي الشهادات الأخرى. وكما في كل عمل توثيقي، تصنع السينما من الناس عبر رواية قصصهم، حبكات درامية وخطوط إنسانية وعلاقات وحوارات، تشبه ما يبدعه الخيال في الأفلام الروائية. هذه هي حرفة المونتاج أيضا: علمنا مدة عام كامل على مونتاج هذا الفيلم الذي صور طوال ستة شهور كاملة.
كل شخصية في الفيلم تصلح لأن تكون قماشة فيلم روائي بحد ذاتها، على ما تقول ماريان: في البداية، كنا أمام خيارين، أن نختار أحداها ونتابعها طول الفيلم، فتظهر الشخصيات الأخرى في خلفية الشخصية الرئيسية. أو أن نظهر اكبر عدد من الشخصيات بشكل متساو، حيث لك منها قوة خاصة وتأثير مختلف، وهذا ما اعتمدناه .
السيدة العجوز التي تأتي من الصعيد قضت فصولا كاملة من حياتها في هذا المكان. باتت تنادي ب«أمنا»، ولديها «بنات» متبنيات تخاف عليهن وتهتم بهن. كلامها فيه كثير من الحكمة، تحفظ آيات من القرآن، هي المسيحية ولا تجد غضاضة في هذا التآخي في الوقت الذي يقتتل فيه «ناس الخارج» باسم الدين.
تنظر إلى الكاميرا كأيقونة عتيقة من زمن مضى. نظرتها قوية رغم سنين العمر التي تهاوت واحدة تلو الأخرى خلف الأسوار، بخفة وبلا أسباب موضوعية، تماما كأنها أسنان تهاوت بسهولة من فكها الذي يحتفظ بسن واحد، ربما هو «ناب» لن تستخدمه يوماً للانتقام.
تعاضد الضحايا
«مقطع السيدتين اللتين تتحاوران هو الأكثر تفضيلا لديّ. لقد كانت روحي تبكي ونحن نعمل على مونتاج هذا المقطع.
انه الحوار الأطول في الفيلم لكنه يختزل مئات الأفكار عن المرأة والظلم والاضطهاد وتعاضد النساء في المحن والاستسلام إلى الأمر الواقع والعنف الأسري ونفاق المجتمع»، تقول ماريان توصيفا لمشهد مؤثر في الفيلم يصور حديثا «خاصا» جدا بين سيدتين.
تنضح الطيبة منهما وترتسم على وجههما آثار الظلم والطغيان الذي تعرضتا له. إحداهن، تبدو في نهاية الثلاثين، تتلخص مشكلتها في كونها امرأة. نعم، إن تكون امرأة في مجتمعات متخلفة تغلب عليها سطوة رجال جهلاء، فهذه هي مشكلة بحد ذاتها.
تم اغتصابها من قبل زوجها «ليلة الدخلة» ثم هجرها جنسيا إلى الأبد:«كنت البس وأتذوق وأنتظره فينظر إليَّ وينهرني وفي النهاية أودعني مستشفى المجانين» . الرجل الذي يعاني من «عجز» الحب والعاطفة طليق يحمل شعار «حر» بينما المرأة الضحية التي لم تطلب الا الحب والعاطفة «مجنونة» داخل العباسية.
صورة تختزل فعلا مشهد رئيسي في شارعنا العربي اليوم: مجانين من يطلبون الحب وأحرار هم القساة والطغاة. السيدة الأخرى تناولها حبة دواء، تخفف عنها، تهمس بأذنها بأمور خاصة لا تريد ان تلتقطها الكاميرا (هذا المشهد يؤكد وعي الشخصيات بكونها تخضع لتسجيل كاميرا وهذا يناقض نظرية الأشخاص الذين وجدوا في تصوير هذه النماذج استغلالا لها كونها غير واعية).
بحياء كامل، بتضامن الضحايا وهن يودعن الحياة، يمضي الحوار بين الشخصيتين، كاشفا قسوة «الخارج» وإجرامه:«ما حدش طايقنا.. محبوسين محبوسين ايه المشكلة»، تقول السيدة فيما تضبط حجابها وتمسح دموعها.
الذل
ثمة شاب عشريني دخل إلى المستشفى مراهقا في الرابعة عشرة من عمره، بسبب «خلافات عائلية» . يبدو قوية البنية، حاضر الذهن، مقنعا. يتسم بشكل كاريزمي يشبه ممثلي السينما.
لكنه لا يمثل الخوف بل يعيشه:«هل تعرف ما معني العباسية. ان تخرج إلى الدنيا فيقال ان هذا الشاب كان في العباسية. انه دمار» . يهاب الشاب العشريني أن يتعرض للإذلال والإهانة. يخاف الخروج من العباسية. لا أحد ينتظره على أي حال، لذلك سيبقى إلى أجل غير معلوم.
الأجل متى يأتي؟ متى تتغير الظروف وهل سيغير هذا الفيلم الصادم القوانين؟ أسأل مارايان التي توضح:«من مصلحة الحكومة في مصر ان تعيد فحص وتقييم القوانين التي تودي بالناس إلى المصحات. معايير الصحة العالمية تحدد صحة كل بلد قياسا بعدد سرائر المرضى في البلد.
أرقام هذه السرائر في مصر عالية جدا ويجب تقليصها لكي تحصل البلد على تصنيف صحي عال، هذا يعني إعادة النظر بمن يشغلها. هل هم فعلا مرضى أم ضحايا ظروف». ربما هي الظروف، ربما هو التواطؤ بين سلطة الأهل وسلطة الأطباء الذين يوقعون على «سجن» المرضى من دون تمحيص كاف.
ربما هو ترهل الأنظمة في بلادنا حيث تتبع قوانين عفا عليها الزمن من دون مراجعة، وحيث تصطخب المشاكل والحروب في الانتخابات من دون أن نلمح كلمة «عباسية» على البرنامج الانتخابي لأي مرشح من أي حزب. ربما هو قدر الضحايا أن يذوقوا عذاباتهم لكي يعيش آخرون سطوتهم.. لكن المؤكد أنها «الظلال» التي باتت ترمي بثقلها القاتم، والقاتل، على إنسانية الفرد العربي.
دبي ـ إبراهيم توتونجي
