ركزت ندوة «حرية الإبداع» التي تعرضت إلى السينما والأجواء المقيدة لصناعة الأفلام خصوصا في مصر ولبنان وإيران.
باعتبار المحاورين في نقاشاتها أمس ضمن فعاليات مهرجان دبي السينمائي شكلوا ركائز هذا المثلث، وتباينت الآراء حول رقابة إيرانية شديدة جدا، وتسويات وتنازل وتحايل للعبور من مقص الرقيب المصري.
بينما رفضت هانيه مروة مديرة مهرجان الأفلام في بيروت مقولة أن لبنان بلد حرية التعبير، مستغربة من أين جاءت هذه السمعة.
مؤكدة أن تسع مؤسسات ثقافية مختلفة في بيروت تجهز حاليا لمشروع قانون جديد يحد وقد يلغي قوانين الرقابة المجحفة، وفيما تعرضت الجلسة لإشكال وأساليب الجدل والصدام مع الجهات السلطوية، أتفق الجميع على أن الإحباط يجعلهم أكثر إبداعا.
تعرض «كولين ستانفلد» الذي أدار الندوة وهو متخصص في الإنتاج المشترك من الولايات المتحدة التي تتمتع بحرية مفتوحة وشاسعة للتعبير، إلى أن بعض الأفلام الأميركية تشهد مؤخرا حذرا تجاه تعرضها لأمور تمس الأمن.
متسائلا عن السر وراء اختيار المبدعين في منطقة الشرق الأوسط قول الحقيقة التي تواجه تعنتا وصداما مع الجهات المسؤولة وتسبب صداما يصل بالأفلام إلى الوقوع تحت مقص الرقيب الذي لا يرحم.
أشار شريف مندور «منتج ومخرج مصري» إلى أن إشكالية التعامل مع الجهات الرقابية هي التي تجعل الأمور تخرج على السيطرة وتدفع إلى التلاعب والتحايل لتصوير بعض الأفلام دون موافقات والحصول على تصاريح.
وأضاف قائلاً: هذا ما حدث مع فيلمي الأخير» الخروج» الذي رفضته الرقابة لتطرقه إلى قضية حساسة ترتبط بزواج مسيحية وحملها من مسلم.
مثلما حدث مع أعمال أخرى قدمتها من قبل مع المخرج إبراهيم البطوط ومنها فيلم «عين شمس» الذي تم تصويره دون علم الجهات الرسمية المصرية وعرضته بعض المهرجانات على أنه مغربي.
ثم تراجعت الرقابة بعد أن سبب إحراجا لها وتم عرضه في القاهرة لكونه فيلما مصريا شكلا ومضمونا، وبالتالي يتضح أن فكرة التعرض لمواضيع شائكة تسبب قلقا وتجعل الأفلام المستقلة تعاني منذ لحظة التفكير فيها إلى تواجدها داخل صالات العرض.
وأكدت كاتيا صالح ـ منتجة أفلام لبنانية، أن ما يحدث في مصر يتكرر في لبنان فلابد من لائحة طويلة من الإجراءات والتصريحات ووجود نص سيناريو للموافقة عليه وشركاء في العمل ومحذوفات نختلف حولها ونتعارك، وفي النهاية يتم التصوير بطريقة التلاعب وتمرير ما نريد.
وترى «سبيدي فارس» ـ مخرجة إيرانية ـ أن الأمر مختلف في طهران لوجود قرارات صارمة تمنع تماما التصوير بدون تصريح، وحتى مع وجود التصريح يتعرض الفيلم إلى الحذف كثيرا، فلا يمكن مثلا أن تظهر شعره من تحت حجاب امرأة أو يمكن أن تلمس يد الرجل المرأة.
وإذا حدث وعرض الفيلم بدون الإجراءات الرقابية أو تم تصويره في السر فإن مخرجه وممثليه يمنعون من مزاولة مهنتهم بعد أن يزج بهم في السجن، فالأمور في إيران أكثر تعقيدا وأصعب مما تتخيلونه فلا يمكن الإيحاء أو حتى التلميح بأي شيء.
وحول الدوافع للعمل على هذه النوعية من الأفلام والمواجهات التي يمكن التعرض إليها، قال إبراهيم البطوط ـ مخرج مصري: لسنا نشطاء ولا نتبع حزبا أو تيارا سياسيا، ما نحاول قوله نمط آخر من السينما يرتبط بمشاكل الناس في الشارع .
وبالتالي يمكنني أن أصور رجل أمن يضايق مواطنا وهو أمر شائع، وهذه الصورة ترفضها الرقابة وتتدخل لمنعها أو التعديل عليها، ومعنى ذلك التدخل في إبداعنا، وهذا ما أرفضه ولا يمكنني تقديم تنازل تجاهه، فالإبداع لا يمكن أن يتحقق في بلاد تعاني من حرية التعبير.
واستعرضت كاتيا صالح مشاهد ولقطات سريعة من فيلم «شنكبوت» الموجود على الإنترنت وهو عبارة عن حلقات مؤلفة من خمس دقائق، تسلط الضوء على مشاكل اجتماعية لبنانية بطريقة كوميدية وساخرة، باعتبارها تمثل رؤية لما تتعرض إليه من موضوعات.
مشيرة إلى فيلم «النبطية» للمخرجة زينه صفير الذي فتح الباب أمام الدخول إلى مناطق مغلقة وإفساح المجال للتعبير، وأعطت مثال صورة الشيعة في احتفالاتهم بأعيادهم وكيف كانت مجهولة لدي الكثيرين من الناس.
وهذا ما دفع «بي بي سي سيرفس» إلى إنتاج أعمال أخرى تتناول بحرية كاملة ما يتعرض اللبنانيون من مشاكل مثل (العنف المنزلي، المخدرات) وقضايا أخرى.
وفي إطار التحدث عن المواجهات مع الرقابة والهروب منها، يرى شريف مندور أن الأفلام غير المراقبة تشكل تهديدا للسلطات، وهذا ما يجعله يقول: إذا كان الفيلم سياسيا فإننا نضع فيه 10 مشاهد تعري والكثير من الكلمات البذيئة، وعندها تطلب الرقابة حذف كل ذلك والإبقاء على باقي الفيلم الذي فعلا نريده.
ويؤكد إبراهيم البطوط هذا المعنى قائلاً: إذا كانت حريتنا في التعبير ستصطدم في الحائط فلا مجال أمامنا سوى القفز من فوقه أو الالتفاف حوله للوصول إلى ما نريد، وبالتالي ليس أمامنا في الفترة الحالية سوى عرض أفلامنا في المهرجانات السينمائية والتي لا يحذف منها شيئا.
ومع الوقت ستتغير أمور كثيرة مثلما فعلته الكاميرا الديجيتال واستطاعت أن تسهل لنا الفرصة لصنع أفلام بالطريقة والأسلوب الذي لا يعرضنا للدخول في متاهة الإجراءات البيروقراطية.
وتتفق المخرجة الإيرانية حول ما قاله البطوط، واصفة حال الأفلام في إيران بالسيئ نظرا لمنع عرضها في طهران ومن ثم فليس أمامها سوى المهرجانات في أنحاء العالم لعرض وجهة نظر مخرجيها بعد أن يكون بعضهم قد سجن ومنع أصلا من صنع أخرى أو أضطر للهرب خارج البلاد من أجل حرية التعبير.
أما في لبنان فالأمر يختلف كما تقول هانية مروة، ورغم أنه بلد حرية التعبير ولا أدري من أين جاءت هذه السمعة؟
، فلدينا رقابة شديدة جداً تمنع حتى المقالات في الصحف من الحديث عن وجود عراقيل لها، ومن ثم فإن قوانين الرقابة تحتاج إلى تغيير، وحاليا يوجد في بيروت تسع مؤسسات ثقافية مختلفة ترصد أعمال المراقبة.
بحيث لا يتم منع أو حذف شيء كما يتم العمل على مشروع من أجل تغيير الرقابة ووضع قانون جديد لها.
وحول الرقابة الذاتية على الأفلام، يقول مندور: تأتي من التزامنا تجاه أنفسنا وأسرنا والمجتمع، منوها إلى أن للرقابة مستويات وأن ما يعتبر خطأ في إيران قد يقبل به في مصر ويكون شيئا طبيعيا في لبنان.
واتفق الجميع في نهاية الندوة على أن مسألة الرقابة على أفلام المهرجانات السينمائية في المنطقة العربية لا تحدث وغير واردة بالمرة، والأعمال المعروضة من خلالها لا تتعرض لأي نوع من الحذف أو الملاحظات وهذا ما يجعل منها منافذ هامة ل«حرية التعبير».
دبي ـ أسامة عسل
