تبقى السينما التي تعتمد على حالات شديدة الإنسانية، ملفتة وجاذبة للاهتمام ومثيرة للجدل حول ضرورة رصد مآسيها وصورها المفجعة لدفع الجميع بلا استثناء للتعاطف معها واتخاذ قرارات عاطفية قبل أن تكون ملموسة تجاهها، لتصحيح مواقفنا بعد أن كانت ردود أفعالنا لها عادية أو هامشية في حياتنا.

ومن هذه النوعية يأتي الفيلم الإيطالي «الأب والأجنبي» للمخرج ريكي توبناتزي ـ عرض ضمن برنامج «ليال عربية» في مهرجان دبي السينمائي ـ مأخوذ عن رواية للكاتب الإيطالي «تاكارنو دى كالدو» باسم «رواية الجريمة».

ويتناول مشكلة اجتماعية قد تتعرض لها أية أسرة في أي مكان في العالم، وهي وجود ابن معاق بدنيا وذهنيا وما يتطلبه ذلك من قوة ومجهود في الاعتناء به.

قيم مؤثرة

ورغم أن الفيلم قدم هذه المشكلة بأسلوب سينمائي ممتع لكنه أضاف إليها حالة أخرى أكثر امتاعاً وهي تدعيم مفهوم الصداقة بين أبوين متشاركين في نفس المشكلة، لكل منهما ابن معاق ولكل منهما حياة مناقضة لحياة الآخر، وعكس من خلال مشاهده كثيرا من المعاني والقيم المؤثرة.

فالأب الإيطالي دييجو يتسم بالعصبية مع الآخرين حتى لو كان رجل دين جاء يتلو الأدعية ويبارك أسرته، وانقطع التواصل بينه وبين زوجته منذ مولد طفلهما جاكومينو، الذي شاء له القدر أن يخرج إلى الدنيا معاقا لخطأ طبي أثناء ولادته، وهو الذي انعكس على تصرفات الأب فخشي حتى من ملامسة طفله أو مداعبته.

وفي المقابل يعرض الفيلم صورة أخرى لأب من أصل سوري يحمل اسم وليد، لا نعلم ماذا يعمل بالتحديد لكن أحداث السيناريو تعمد تضليل المتفرج في هذه الجزئية لتكثيف الإثارة والترقب لديه حتى أخر مشهد في الفيلم.

ورغم ما جاء على لسان شرطي ايطالي أن وليد يعمل على توازن علاقة ايطاليا بالوطن العربي، لكنه لم يشر بشكل صريح، هل عمله هذا داخل إطار مشروع ومعلن، أم يحمل معان أخرى لم يرد الإفصاح عنها.

ولكن لا تهمنا تلك الجزئية لأنها شكلت قصورا واضحا عرقل تسلسل الموضوع الرائع إنسانيا والذي تحول من منتصفه إلى عمل بوليسي يعتمد على المطاردات وفك الألغاز.

حالة إيجابية

يتعرف دييجو على وليد وابنه يوسف في إحدى المصحات العلاجية وتربطهم علاقة صداقة يتشاركون فيها الوجع على حال أبنائهم رغم اختلاف الاثنين في ثقافتهما وديانتهما وطباعهما.

ويتسلل إلى دييجو إحساس جديد يمتصه دون وعي من علاقة وليد بابنه الرضيع يوسف الذي يحرص على ملاطفته وتلقيبه ب«نور عيني»، ويدفع هذا الإحساس دييجو لإعادة الحياة بينه وبين زوجته ثم بينه وبين ابنه.

فتتحول سلبيته وهروبه من العجز النفسي الذي سببته له إعاقة ابنه إلى حالة إيجابية تنعكس في تصرفاتها تجاه مفردات حياته وبمساعدة وليد يتحول إلى شخصية أكثر ديناميكية وانطلاقا.

ولم يقتصر تأثير الألم المشترك بينه وبين وليد وابنه على تغيير مفهوم الحياة فقط، لكن اثّر ذلك أيضاً على علاقة الصداقة التي جمعته مع وليد.

حيث ينطلق معه في رحلة إلى سوريا ويشاركه حفلات عامة لا يعرف مناسبتها ولا يعرف فيها أحدا، وفيها يقترب كثيرا من شخصية وليد المضطرب أحيانا والشرس المندفع في قراراته، وهكذا كما ظهر فجأة في حياة دييجو يختفي وليد مثل الشبح دون تفسير.

الخط الدرامي

ويكتشف دييجو ان وليد متورط مع أشخاص يظلون إلى نهاية الفيلم مجهولين، وربما هذا هو الخط الدرامي الأضعف والذي بدأ معه تشتيت ذهن المشاهد بعدما يتعاطف مع ألم الأبوين ويعيش بتمعن تفاصيل التعامل مع تلك الحالات التي تحتاج إلى احتواء واحتضان كامل.

وكأن الكاتب والمخرج قد أضافا هذا الغموض فقط لاختبار علاقة الصداقة التي نشأت بين وليد ودييجو، ولإضافة توابل تجارية من خلال موضوع يثير المشاهد ويزيد حيرته في حل لغز هوية وليد ومهنته التي تدفع ببعض المجهولين إلى اختطاف دييجو لاستجوابه ومعرفة مكان اختباء وليد.

ومع الجزء الاخير من الفيلم، نكتشف أن وليد لم يتعرف على دييجو مصادفة ولكن عن ترتيب مسبق ضمن خطة هروبه التي شارك فيها دييجو دون أن يعرف.

فوليد أراد أن يتعرف على جثته المزيفة أحد الايطاليين الموثوق في صداقته معه، ليقنع الشرطة والجميع بموته لكنه لم يحسب مشاعر الود والصداقة التي ستجمعه بدييجو وعائلته والتي امتدت بعد نجاح خطته المزعومة.

قدم شخصية الأب الإيطالي الممثل اليساندرو غاسمان وكان أداؤه معبرا ومنسجما مع طبيعة الشخصية التي تبدأ عصبية ومتوترة ثم تغدوا مع الوقت هادئة وأكثر قدرة على قراءة المواقف، وجاء أداء النجم المصري عمرو وأكد في دور الأب السوري وليد مقنعا.

حيث تبدو شخصيته مركبة وتجمع بين الألم والمعاناة والقوة والضعف في الوقت نفسه، لكنه ظهر في بعض المشاهد منفعلا وفي بعضها الآخر هادئا وباردا ومترددا دون حاجه واضحة لذلك.

كما تبدو مشكلة اللغة مؤثرة ومضعفة لتعبيرات عمرو رغم اجتهاده فيها إلى أقصى درجة من خلال تعلمه الإيطالية في أسبوع واحد كما قال في الندوة التي أعقبت عرض الفيلم.

لكن هذا لا يسهم أبدا في التقليل من إعجاب المشاهدين والنقاد بقدرات وطموحات هذا الممثل العربي الذي رسخ وجوده العالمي في أكثر من عمل مثل «سريانا» و«صيد السالمون في اليمن».

دبي ـ أسامة عسل