ألقت الأفلام المصرية بهموم (التمويل والقرصنة والتوزيع وصالات العرض والتطرق لقضايا شائكة ومقص الرقيب وجمهور الشارع الذي تتحكم في توجهاته جماعات أصولية متطرفة وبعض المحامين الذين يتفننون في رفع قضايا على أعمال تطرح من وجهة نظرهم مواضيع لا تتماشى مع عرف وتقاليد المجتمع)، في ندوة «عين على السينما المصرية» التي أقيمت صباح أمس ضمن فعاليات مهرجان دبي السينمائي.
ناقش المحاورون التغيرات التي طرأت على صناعة السينما في مصر، وأدت إلى إنتاج أعمال وموجة جديدة تروج حاليا للإنتاج المستقل الذي حققت أفلامه نجاحات في بعض المهرجانات العربية والدولية.
وشارك معبرا عنها محمد دياب مخرج فيلم «678» ووائل عمر مخرج ومنتج أفلام وثائقية وصاحب فيلم «بحثا عن النفط والرمال» المشارك في مسابقة المهر العربي الوثائقي، في مواجهة علي أبو شادي رئيس مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة والرقيب السابق للسينما المصرية.
أدارت الندوة ليز شكلتون المحررة في سكرين انترناشيونال، والتي أكدت تخصصها في السينما الصينية والهندية فقط وأنها في هذا اللقاء ستتعرف مع جمهور الحضور على الوضع الحالي لهذه الصناعة الرائدة في المنطقة العربية.
استعرض علي أبو شادي تاريخ السينما المصرية، وقوفا على أهم محطاتها منذ عام 1935 وحتى الآن، مشيراً إلى أن عدد الأفلام زاد في وجود تدفق للتمويل العربي خارج مصر وارتبط هبوطها وصعودها بضخه، ومع الأزمة المالية العالمية ظهرت حاجة المخرجين لصناعة أفلام بتكلفة أقل فجاءت الموجة الجديدة من الأعمال التي يطلق عليها بعض المتخصصين «سينما مستقلة».
بينما يراها نوعا مختلفا من الأفلام يطرح قضايا شائكة أحجم المخرجون السابقون عن التطرق إليها وتناولها، موضحا أن عدد الأفلام المنتجة في مصر الآن وصل 20 فيلما ويتمنى أن يزيد في الأعوام المقبلة.
وأضاف أبو شادي قائلاً: ان الدعم الخارجي يشكل 40% من إنتاج الأفلام المصرية، بخلاف دعم الحكومة من 3 سنوات لعدد 6 أفلام أنجز منها 5 وبقي فيلم في طور الانتهاء منه، والعام الجديد سيشهد تقديم وزارة الثقافة 20 مليون جنيه مصري لتنفيذ سيناريوهات جديدة تحت الدراسة بواقع 2 أو 3 ملايين جنيه كمنحة لا تسترد لكل عمل.
وأكد أبو شادي أن القنوات الفضائية المتخصصة في عرض الأفلام ساهمت في تواصل إنتاجها ولولاها لتوقفت السينما المصرية كما حدث لها منذ سنوات، مشيراً إلى أن الشارع المصري أصبح من خلال الجماعات الأصولية المتطرفة أكثر خشونة وحدة في التعامل مع الأفلام ويفوق مقص الرقيب في حكمه عليها.
بخلاف قضايا بعض المحامين التي يرفعونها من فترة لأخرى حبا للشهرة على حساب أفلام تتطرق لموضوعات شائكة تمس المجتمع ويشاهدونها من وجهة نظر العادات والتقاليد والعرف وأشياء أخرى بعيدة عن الإبداع الفني.
وأشار وائل عمر إلى أهمية البحث عن مصادر لتمويل الأفلام الوثائقية التي تعاني من مشكلة العرض في صالات السينما وترتبط فقط بالمهرجانات، وقال: إن قناة الجزيرة والعربية تلعبان دورا حيويا حاليا في دعم هذه النوعية بخلاف التمويل الخارجي من فرنسا وألمانيا وبعض الدول الأوروبية، مطالبا الدولة المصرية بتسهيل الحصول على تلك الأموال.
ولفت المخرج محمد دياب إلى مشكلة القرصنة التي تحدث للأفلام على الإنترنت، في غياب كامل لقوانين الملكية الفكرية ودور الشرطة وثقافة ووعي الجمهور بحجم الخطأ الذي يرتكب بحق صناعة أصبحت مهددة ولا تجد من يحافظ عليها.
وأوضح حجم ما تبذله الشركة العربية التي ترأسها إسعاد يونس في هذا المجال، لكن الأمر لا يزال كما يقول «متروكا للسرقة لكل من هب ودب» دون أي إحساس بفداحة ما يحدث.
وقال دياب: الآن تبدو السينما المصرية مصابةً بالعطب الشديد والابتعاد عن مسرح المنافسة، وأشار إلى بروز الفيلم الإيراني والهندي في السوق الخارجية كتجارب، موضحا أن السينما الإيرانية استطاعت توظيف الفيلم لصالحها.
خاصةً في ضوء تركيزها على سينما الإنسان وطرح قضايا تتطرق من الخاص الشديد المحلية إلى الإنسان العالمي وعلى المشكلات الإنسانية التي تجمع البشر جميعًا، وذلك في الوقت الذي تشبعت فيه صناعة السينما العالمية وأسواقها بالنمط الهوليوودي المعتمد على العنف والغرائز.
وفيما يتعلق بمقومات رفع القدرة التنافسية لصناعة السينما المعاصرة في مصر قال علي أبو شادي: ان الأسواق الحالية للفيلم المصري تتمثل في بعض بلاد الشرق الأوسط في ضوء المشتركات الحضارية والقيمية التي يمكن أن تقرب أذواق مشاهديها من الفيلم المصري، والمطلوب فتح أسواق جديدة بعيدا عن بعض الأفلام التي تخرج من هذه الدائرة وتحقق نجاحات في المهرجانات، ولكنها تبقى تهمة تقلل من إيراداتها في شباك التذاكر لإحجام الجمهور عنها.
وأضاف أن السينما المصرية قديماً كانت تتمتع بالتدرج في مستويات الإنتاج الفني الذي نفتقده نحن اليوم فقد شهدت الخمسينيات ذروة الصناعة، حيث ارتفع متوسط عدد الأفلام كل سنة إلى 60 فيلمًا، وبلغ عدد الأفلام 588 فيلمًا حتى عام 1962.
أي نحو ضعف الأفلام المصرية منذ عام 1927، كما وصل عدد دور العرض إلى 354 عام 1954، وهي الفترة التي ظهرت فيها كلاسيكيات السينما المصرية، ولكننا في هذه الآونة الخطيرة من حياة السينما المصرية لم يعد لدينا سوى 80 موقعاً بها 450 صالة عرض فقط وهناك مدن لا توجد بها صالة عرض واحدة.
ويرى وائل عمر أن الحياة الثقافية المصرية كلها تعاني من انهيار وليست السينما فقط، ونادى بضرورة تفعيل القوانين والأنظمة ومشاركة المؤسسات والشركات الاقتصادية المحترمة والمثقفة في الإنتاج الفني عامةً والسينما خاصةً، حتى يعود الانضباط والاستقرار في عالم الإنتاج الفني والسينمائي.
دبي ـ «البيان»
