يخصّص البرنامج العام لندوة السوق السينمائيّ، من ضمن فعاليات مهرجان دبي السينمائيّ، قسطاً مهمّا للسينما المكسيكيّة.
فمن الندوات التي تمّ عقدها باليوم الأوّل، كانت ندوة صناعة السينما في المكسيك، التي تطرّقت إلى موضوعات عدّة شأن عمليّات الإنتاج والمواهب المتوفّرة في جنوب أميركا.
في بداية الندوة، شكرت منسّقة مونيكا ديلغادو، منسّقة الندوة، الحضور، وعرّفتهم إلى المشاركين في الحوار، وهم كريستينا برادو، مديرة معهد الفيلم المكسيكي منذ أربع سنوات، وتوتانزين اسبارزا.
خريجة جامعة كاريفورنيا والمسؤولة عن ترويج الأفلام المكسيكيّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة، وفيليبي كالزاس، الحائز على جائزة الدبّ الفضّي بمهرجان برلين السينمائي، والسيدة خمينا هيريارت، المنتجة السينمائيّة الشابّة وخرّيجة المعهد السينمائي في لوس أنجلس.
العمليّة الكاملةً
لدعم عمليّة الإنتاج السينمائيّ في المكسيك، اعتمد معه السينما استراتيجيّات معيّنة شأنها زيادة عدد مشاهدي الأفلام، كتخفيض أسعار التذاكر، واستثمار 74 مليون دولار لإنتاج 52 فيلماً.
ونتيجة لذلك حقّقت سنة 2010 أكبر الإيرادات مقارنةً بالسنوات السابقة مع وصول عدد روّاد السينما إلى 6,9 مليون مشاهد توزّعوا على 5 آلاف دار عرض في المكسيك.
سوزان برادو، قدّمت لصناعة الأفلام في المكسيك، وتحدّثت عن الخطوات العديدة التي تسبق اللحظة التي تُطفأ فيها أنوار دار العرض، وينتقل المشاهد فيها إلى عالمٍ مختلف، يصنعه الأبطال بأنفسهم بمشاعرهم المختلفة من حبّ وكره وغير ذلك، يتمكّن المشاهد فيها من الهروب من الواقع.
ولم تنس برادو أن تعطي الجنود المجهولين خلف صناعة الأفلام، شأن الكتّاب والمخرجين، الذين استخدموا السينما كوسيطٍ نقلوا عبره تفاصيل المجتمع المكسيكيّ للعديد من دول العالم.
من المعروف أن العصر الذهبيّ للسينما في المكسيك، والذي تحدّثت عنه برادو، امتدّ للفترة ما بين العقدين الرابع والسادس من القرن الفائت، إلا أنّه في الفترة التي تلت تلك العقود.
عانت السينما المكسيكيّة من الركود، وفي تلك الفترة برزت عدّة أسماء من مشاهير السينما في المكسيك، الذين لم تُحدّد شهرتهم بالمكسيك، بل تجاوزته لتصل إلى كل أنحاء أميركا اللاتينيّة.
ما أدخل روحاً جديداً لصناعة الأفلام، كان روّادها مخرجين شأن «فيليبي كازلاس»، المرافق للوفد المكسيكي بالمهرجان، وأرتورو ريبستاين، الذي أخرج أفلاماً كتبها الروائيّ العالمي غابرييل غارسيا ماركيز.
مع بداية الألفيّة الجديدة، ظهرت إلى السطح سينما مكسيكيّة جديدة مختلفة عن كلّ ما تمّ تقديمه سابقاً، وانتشرت عالميّاً ضمن حضارات بعيدةٍ تماماً عن أميركا اللاتينيّة، ولا بدّ في هذا النجاح من إرجاع الفضل إلى الروّاد الذين انتشلوا صناعة الأفلام من حالة الركود.
حسب رأي برادو، إن هذا الانفتاح الذي لاقته السينما المكسيكيّة هو الذي رصف الطريق لممثّلين شأن سلمى حايك وغايل غارسيا برنال وداميان آلكازار، كي يحقّقوا الشهرة التي وصلوا إليها دوليّاً.
وختمت برادو حديثها بذكر مجموعةٍ من ممثّلي ومخرجي الجيل الشاب في المكسيك، الذين تبلورت مواهبهم خلال عصر انفتاح السينما المكسيكيّة، والنهضة العالميّة للسينما بشكلٍ عام.
وأكّدت أن هؤلاء هم من تعوّل عليهم المكسيك في نقل الفنّ السابع لبلادهم إلى أبعادٍ جديدة، خصوصاً أن كثيراً منهم كان له تجربةً، ولو كانت صغيرة، في السينما الأمريكيّة المعروفة بكونها الأكثر شهرةً على الصعيد العالميّ.
سيطرة أميركيّة
كان لفيليبي كازالس، المخرج والكاتب والمنتج المشهور بهدوئه، والذي انتقل مع والديه إلى المكسيك هرباً من الحرب الأهليّة الإسبانيّة، ودرس الانتاج السينمائيّ في العاصمة الفرنسيّة باريس، دور مميّز في إعادة إحياء السينما المكسيكيّة.
وخلال الندوة تحدّث كازالس عن أهميّة مشاركة وفد بلده بمهرجان دبيّ السينمائيّ، وإعجابه بشعار المهرجان «ملتقى الثقافات والإبداعات». لم يتطرّق كازالس إلى الإحصاءات والأرقام التي حقّقتها السينما المكسيكيّة، وفضّل التحدّث عن النواقص التي غفل عنها صنّاع السينما.
فعدد سكّان المكسيك يتجاوز 110 ملايين، وهنالك 25 مليون أميركيّ يتحدّثون الإسبانيّة، وعليه فالإحصاءات التي قد تُظهر تقدّماً، ليست بالمستوى المناسب، حسب رأي كازالس.
فهو يرى بأن السينما لا تقلّ عن الفنون والاهتمامات الأخرى أهميّة، ولذا على الإنتاج السينمائيّ أن يُضاهي عدد الكتب المنشورة في المكسيك، وعدد خطط الضمان الاجتماعيّ التي تُصدرها الدولة.
واستعرض فيليبي نقاط الضعف في خطوط الإنتاج، انطلاقاً من التركيز على نجوم الصفّ الأوّل، الذين هم ليسوا سوى وجوه مزيّنةً كُتبت سيناريوهات الأفلام لتتوافق مع أهوائها.
وعن قطّاع الإنتاج المشترك، بين المكسيك والدول اللاتينيّة الأخرى، قال كازالس إنّ هنالك مقدارا لا بأس به من التعاون، لا سيّما في التقنيات الرقميّة مع كلٍّ من كولومبيا والإكوادور، فضلاً عن القواعد النافذة التي تحكم هذا الإنتاج المشترك، وكون ما نسبته 80 في المئة من العرض، لا تتجاوز حدوده الولايات المتّحدة الأميركيّة.
ولهذه الأسباب، يفكّر المنتجون في البيرو والمكسيك على سبيل المثال، كثيراً قبل يطلقوا مشروعاً جمهوره موجودٌ في الولايات المتّحدة الأميركيّة فقط.
أرقام
الأفلام المكسيكيّة تحظى بإعجاب الأميركيين
لا ينحصر جمهور الأفلام المكسيكيّة في الولايات المتّحدة بمتحدّثي اللغة الاسبانيّة، فكثيرٌ من الأميركيين، حسب رأي توتانزين اسبارازا، انجذبوا لمشاهدة هذه الأفلام بعد النجاح الذي حقّقته سنة 2001، فأولها حقق 6 ملايين دولار في شبّاك التذاكر، والثاني زادت أرباحه عن 13 مليون دولار.
ولكن منذ ذلك الوقت، تقول اسبارزا، ليس هنالك تدفّق كافٍ ومنتظم من الأفلام المكسيكيّة إلى السوق الأميركيّ، والسبب هو الأفكار التي يطرحها الإنتاجان المختلفان، والتي لم ترق للموزّعين الأميركيين. والموزّعين الكبار، شأن سوين وفوكس بالأخص، لن يوفّرا جهداً في الحصول على حقوق توزيع أفلامٍ مشابهةٍ لما تمّ إنتاجه سنة 2001.
أما الجاليات التي تتحدّث اللغة الاسبانيّة، فهي لم تتوقّف عن مشاهدة الأفلام، وخصوصا تلك الموجّهة إلى العائلة، في عصر العهد الذهبي في السينما المكسيكيّة، حيث كان هنالك أكثر من 700 دار سينما متخصّصة في عرض الأفلام العائليّة المكسيكيّة، سيّما أن حضور السينما أضحى تقليداً عائليّاً بالنسبة لتلك الجاليات.
وفي الفترة الركود، تدهور الإنتاج وبات التركيز أكبر بكثير على إنتاجات هوليوود، حتّى سنة 2006، لدى عرض فيلم «لاميسما لونا»، الموجّه للعائلات المكسيكيّة والذي حقّق 12،8 مليون دولار، وبعده مجموعة من أفلام المغامرات والأفلام الكوميدية.
نجاح
«زقاق المدقّ» يفتح قنوات التقارب بين المكسيكيين والعرب
في ردٍّ على سؤال «البيان» حول تأخّر توجّه السينما المكسيكيّة إلى جمهور الشرق الأوسط، على الرغم من انتشار الدراما المكسيكيّة منذ التسعينات، ووجود قنواتٍ يُمكن اعتمادها لإيصال الأفلام المكسيكيّة شأن مهرجانات السينما.
ردّت برادو بأن الاهتمام العربيّ بالأخصّ بالسينما المكسيكيّة لطالما كان موجوداً من قبل الجمهور. ففيلم «آلي أوف ميراكلز»، المأخوذ عن قصّة «زقاق المدقّ» للكاتب المصريّ الحائز جائزة نوبل نجيب محفوظ، والذي لعبت دور البطولة فيه سلمى حايك سنة 1994، كان ناجحاً في المنطقة.
ونجاحه في المكسيك والمنطقة العربيّة دليلٌ على تقارب الأفكار بين شعوب المنطقتين. وخيمينا هيريارت، عقّبت بدورها على سؤال «البيان».
مؤكّدة رغبة شركات الإنتاج والتوزيع بأن يكون لها سوقٌ في هذه المنطقة من العالم، إلا أنّها أرجعت التأخّر إلى عدم وجود صلات الوصل، حيث إن صنّاع السينما المكسيكيين، يحاولون من خلال منصّة مهرجان دبي السينمائيّ التعويض عن تأخير انتشار الأفلام المكسيكيّة في المنطقة.
وأضافت خيمينا على ذلك بأن تركيز السينما المكسيكيّ، للأسف كان منصبّاً فقط على الأسواق الأميركيّة، وهذا، حسب رأيها، السبب الرئيسيّ في تأخير انتشارها في العديد من أسواق العالم الأخرى.
دبي ـ علي محيي الدين
