يرغب كثر بالقول أن ماريان خوري هي امرأة من «الزمن الماضي». يشبهونها بسيدات عتيقات عشقن السينما والمسرح في بدايات القرن الماضي، فضيغت أجمل الأعمال الفنية تكريما لهذا العشق، وتمكن من إدارة أعتى الممثلين وأصعب العمليات الإنتاجية وجيوش من الرجال.
نتحدث هنا عن آسيا داغر وماري كويني وبهيجة حافظ وغيرهن، ممن لا شك، شكلن حالات ملهمة، وعلى مدى أجيال لاحقة، ليس فقط للمشتغلات في السينما ولكن للمشتغلين فيها ايضا، من الذكور.
المخرجة والمنتجة المصرية ماريان خوري تكن، مؤكدا، لتلك النسوة الكثير من مشاعر التقدير والاحترام، فهي (لديّ شك) امرأة «نسوية» بمعنى أنها تحتفي وتحرض على أن يكون للنساء دور فعال في العملية الإنتاجية والإبداعية.
لكنني أعتقد أنها امرأة العصر الحديث، بل امرأة المستقبل، تناقض في فكرها وآلية عملها الكثير من صور الابيض والاسود المتحمسة والبريئة حد الرومانسية. فهي، حين فكرت قبل عشر سنوات بتظاهرة للفيلم الأوروبي تفك قيد الهيمنة الأميركية الهوليودية التجارية على العقول والقلوب.
كانت تستشرف ذلك الضجر والتململ الذي يبدو اليوم على أوضح صوره من سينما هوليوود، والدليل أن الدورة الأخيرة من «بانوراما الفيلم الأوروبي»، تظاهرة الأفلام التي أسستها بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي.
حصدت عشرة آلاف تذكرة مشاهدة في القاهرة، وهو رقم غير مسبوق في ظل اهتمام تاريخي للشارع المصري بالأفلام المصرية والأميركية وربما الهندية.
كذلك فإنك لو حدقت في عناوين الشكر التي يضعها المخرجون في ختام أعمالهم السينمائية، ستجد اسما مشتركا بين مجموعة متنوعة من الأعمال لا يكاد يغيب عن مستحقي الشكر: ماريان خوري.
تقوم منتجة وداعا بونابرت، الآتية من دنيا الاقتصاد والعلوم السياسية، بدعم الكثير من المواهب المصرية الشابة عبر فتح قنوات عالمية لها، لكي تحصل على دعم تمويلي أو فرصة عرض أو مساعدة تقنية من الخارج. علاقتها بالمؤسسات الفرنسية التي تعنى بالسينما والميديا وطيدة.
هي علاقة شخصية وربما أيضا عائلية، فقد سبقها في ذلك خالها و«معلمها»، على ما تقول، يوسف شاهين، والاثنان، جو وماريان تم تكريمهما من قبل أهم الجهات السينمائية في فرنسا، أعني مهرجان كان. من هذا المنطلق.
يبدو عمل ماريان مؤسساتيا واستراتيجيا تبنيه الخطط وتدعمه الشراكات، فهو ليس وليد الانفعال ولا الخطط قصيرة المدى، من دون أن يغيّب ذلك العشق والحماسة اللتين تحيطان بولادة الأفلام ومن دونهما تبدو السينما رتيبة ولا معنى لها.
تقول سيدة الأرقام التي تشارك مع المغربي مصطفى الحسناوي بفيلم «ظلال» في الدورة الحالية لمهرجان دبي السينمائي: «حين أنتج أفلاما أو أخرجها لا أنظر إلى المدى القصير للربحية.
الفيلم منتج يصلح لأن يتم الاستثمار فيه على المدى الطويل. قد لا يحقق الفيلم أرباحا طائلة، وقد يكتفي ربما بتغطية تكاليفه، لكنه حقوق العرض والاستغلال على المدى الطويل لا بد أنها ستؤمن الأرباح».
الأرباح ليس هم خوري الدائم. ففيلم «ظلال»، على سبيل المثال، هو فيلم توثيقي يغوص في عوالم لم يسبق لكاميرا السينما أن تطرقت إليها، وهو، بالتأكيد، ليس من نوعية الأفلام التي سوف تنافس أمير البحار أو عسل أسود.
انه فيلم عن المجانين، عن مستشفى العباسية في القاهرة التي تحتضن منذ ما يزيد عن قرن ونيف المرضى النفسيين المصريين.
تلك المستشفى التي لم نشاهد في مرة أروقتها وحدائقها ولم نتعرف على شخوصها الحقيقيين وحكاياتهم بعيدا عن «الكليشيهات» التي صاغتها بعض أفلام السينما المصرية عن هذا المكان وعمن فيه.
تغوص كاميرا ماريان في هذا العالم وتصدمنا بالحكايات من دون أن يكون لديها رغبة في استدرار عطفنا. نحن إزاء شخصيات قوية رغم ضعفها، كاملة الوعي رغم جنونها، لديها حججها وأدلتها على ما تروي رغم سوريالية تلك الروايات.
هذه هي نوعية الأفلام التي تهوى ماريان تقديمها، وهي نوعية تؤكد أننا إزاء سيدة متفردة، لم تكونها فقط جينات فنية تبدت أيضا في إنتاج خالها وأبيها وأختها.
بل هي خلاصة تجارب فكرية ومعرفية وعلاقات مؤسساتية واسعة واحترام على الساحة السينمائية العالمية، وهذا يؤكد مرة جديدة أنها امرأة العصر وليس الماضي!
دبي ـ ابراهيم توتونجي
