ارتبط زواج الأقارب في المجتمعات العربية منذ القدم بمعتقدات اجتماعية وتاريخية وجغرافية ومادية ، ومن تلك المعتقدات التي ما زالت سائدة لغاية اليوم عدم التفريط بثروة العائلة ، لا بل أن بعض القبائل العربية ما زالت تنظر للشاب المتعلم كمكسب لا يجب التفريط به .




بعض الدول العربية ومنها السودان مثلا ضرب رقما قياسيا في زواج الأقارب إذ تصل النسبة وفقا لإحصائيات المركز العربي للدراسات الجينية الى أكثر من 65 % ، ومثل هذه العادات والتقاليد أفرزت نتائج سلبية على النشء وبات السودان يحتل المرتبة الاولى عالميا في الأمراض الوراثية التي تصل وفقا لمنظمة الصحة العالمية إلى 82 حالة لكل 1000 نسمة من السكان ، يليه في ذلك موريتانيا .

مغالاة

الأطباء أكدوا على ضرورة عدم «المغالاة في الربط بين العديد من الظواهر الوراثية وعادة الزواج من الأقارب»، حسب ما يذهب إليه الدكتور غازي تدمري المدير المساعد بالمركز العربي للدراسات الجينية مشيرا إلى أن هذا النوع من الزيجات لا يؤدي إلى ارتفاع معدلات جميع الأمراض بقدر ما يزيد من فرص التزاوج بين أفراد يحملون سمات لأمراض وراثية .

هذه المغالاة يسميها الدكتور محمود طالب آل علي مدير المركز العربي للدراسات الجينية خطأ في الربط ما بين حدوث الأمراض الوراثية والزواج من الأقارب قبل الأخذ بالعوامل المرتبطة بالمرض. ألا ومن أهمها تاريخ العائلة وما إذا كانت هناك حالات مرضية متكررة الحدوث فيها. ويشير كذلك قبل توجيه أصابع الاتهام إلى ضرورة البتّ في نمط انتقال المرض من الآباء إلى الأبناء عن طريق دراسة صفات المرض، وهذا ما يقوم به المختصون في الوراثة الإكلينيكية.

وهذا حذر لا يبعد التهمة عن زواج الأقارب إذ إن هناك آلاف الدراسات المنشورة عالمياً تؤكد ذلك، كما يشير الدكتور طالب، ومنها ما تناول انتقال الأمراض الوراثية في عائلات من أصول عربية مختلفة، إلا أن الدليل القاطع غالباً ما يأتي حين تطبيق التقنيات الوراثية المعتمدة على دراسة الجينات لتحديد كيفية انتقال المرض، بل الإشارة إلى الشريك الذي انتقل من خلاله المرض أي الأب أو الأم وصولاً إلى الأجداد من كلا الطرفين.

الاضطرابات الوراثية

كما أن الدكتور تدمري يعود ليؤكد أن العديد من الدراسات تشير إلى ارتباط عادة زواج الأقارب بازدياد معدل الإصابة بالاضطرابات الوراثية كأمراض الدم الوراثية والاستسقاء الدماغي وأمراض الكلى والتشوهات الخلقية في القلب وفقدان السمع وأمراض الحساسية الصدرية والأكزيما والإعاقات الذهنية والصرع وأمراض السكري وغيرها.

الدكتورة صديقة العوضي من مركز الطب الوراثي في وزارة الصحّة العامّة في الكويت أشارت بدورها إلى أن ما لوحظ من وجود للأمراض الوراثية في الوطن العربي بنسب عالية تفوق النسب العالمية، سببه ارتفاع نسبة زواج الأقارب وبعض العادات والتقاليد الاجتماعية التي قد تسيطر على شريحة معينة من المجتمع من خلال عدم الإفصاح بصورة ملحوظة عما قد حدث من حالات مشابهة في الأسرة والتي قد تعضد وتقوي الجانب الوراثي والنزعة القوية لكثرة الإنجاب.

انماط الوراثة

في حين تفضل الدكتورة حنان حمامي من المركز الوطني لأمراض السكري والغدد الصماء والوراثة، في الأردن الشرح المفصل لأدلتها قائلة : هناك عدة أنماط للوراثة في الإنسان والعديد من أنواع الأمراض الوراثية تسببها عوامل مختلفة، فهناك الأمراض الناتجة عن شذوذ الكروموزومات مثل متلازمة داون والتي لا تتأثر بزواج الأقارب، وهناك الأمراض الناتجة عن خلل في أحد الجينات ذات التأثير الكبير وتسمى بالأمراض أحادية العامل وتتبع نمطاً وراثياً سائداً أو متنحياً.

مشيرة إلى أن الأمراض الوراثية السائدة تحدث بسبب وجود جينة غير طبيعية عند أحد الأبوين، مما يشكل خطورة لانتقالها للأبناء بغض النظر عن وجود أو عدم وجود صلة قرابة بين الأبوين.

وتسارع الدكتورة حمامي لتؤكد أن الدراسات أظهرت وجود علاقة موجبة بين زواج الأقارب وحدوث الأمراض الوراثية الجسمية المتنحية، مثل مرض الثلاسيميا، حيث تزداد خطورة إصابة الأطفال بهذه الأمراض عندما يكون كلا الأبوين من الأقارب وبالتالي ترتفع احتمالية كونهما حاملين لجين المرض.

وتضيف الدكتورة حنان حمامي نمطا آخر وهو نمط الوراثة المتعددة العوامل حيث تتداخل في مسببات المرض العوامل البيئية والوراثية، وتشمل معظم الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والسكري والربو وانفصام الشخصية إلى جانب العديد من العيوب الخلقية كفلح الشفة والفك، وتشوهات القلب الولادية.

النمط المتنحي متهم إذن بالأدلة الدامغة .. وهو النمط الذي تؤكد الدكتورة لحاظ الغزالي على أن معظم الأمراض الوراثية في الإمارات، على سبيل التمثيل، تتبعه من حيث انتقال المرض بين الأجيال، ويُعزى ذلك بدوره في أغلب الأحيان، كما تشدد الغزالي، إلى انتشار عادة زواج الأقارب في المجتمع.

ادلة واثباتات

والدراسات هي الأخرى أدلة دامغة على ذلك، فقد اكتشفت الدكتورة لحاط الغزالي من خلال دراسة قامت بها عام 1998 وشملت أطفالا من دبي والشارقة وخورفكان والعين أن 92% من الأطفال الذين يعانون من الطرش كانوا نتيجة زيجات بين الأقارب، وتؤيدها في ذلك أيضا دراسة عالمية كشفت عن أن 75% من الأطفال الذين فقدوا السمع آباؤهم أقارب من الدرجة الأولى.

كما اكتشفت الدكتورة لحاظ من خلال دراستها أن بعض العائلات لديها أكثر من طفل يعاني من الطرش ولكن الآباء لم يكن لديهم أدنى فكرة تربط بين زواج الأقارب والأمراض الوراثية . دراسة أخرى قام بها احد أطباء جامعة العين وشملت 1100 تلميذ من المواطنين والعرب المقيمين في الإمارات لمعرفة مدى ارتباط الأمراض النفسية بزواج الأقارب .

وقد توقع الباحثون عند البدء بإجراء الدراسة أن تكون نسبة الأمراض النفسية لدى المقيمين العرب أكثر منها بين المواطنين لأسباب منها الانفصال عن بيئتهم ومجتمعاتهم وتقوقعهم على أنفسهم ولكن على العكس تبين من خلال الدراسة أن نسبة الأمراض النفسية لدى المواطنين أعلى بكثير منها لدى الوافدين كما كشفت لهم الدراسة عن زواج الأقارب هو السبب.

أمراض الجهاز العصبي

وأثبتت دراسة لفريق عمل الدكتورة لحاظ الغزالي كذلك عام 1999 شملت 9600 ولادة في ثلاثة مستشفيات كبيرة في مدينة العين خلال عامي 95 و97، أن هناك علاقة وطيدة بين أمراض الجهاز العصبي لدى هؤلاء المواليد وزواج الأقارب خصوصا الا إذا كانت صلة القرابة بين الزوجين من الدرجة الأولى.

كما كشفت هذه الدراسة إضافة إلى ذلك عن أن بعض الأمراض الوراثية المعروفة عالميا بأنها نادرة الحدوث، ولكنها كثيرا ما تحدث في منطقة العين بسبب زواج الأقارب ومنها على سبيل المثال مرض شار كوت ـ ماري ـ توث وهو عبارة عن مرض تباطؤ التوجيهات العصبية للأطراف «اليدين والقدمين» ويتحول الطفل المصاب فيها بعد ذلك إلى طفل مقعد.

الأستاذ الدكتور يوسف عبد الرزاق أيضا من كلية الطب في جامعة الإمارات أجرى دراسة عام 1997 شملت 2200 سيدة مواطنة من مدينتي دبي والعين تبين من خلالها أن 37 % من حالات الإجهاض المتكرر أو الوفيات المتكررة بعد الولادة هي لزيجات من الأقارب مقارنة بنحو 29% لزيجات من غير الأقارب واستطاع بذلك أن يستنتج أن زواج الأقارب يؤدي إلى زيادة نسبة المخاطر بحدوث أمراض سرطانية وتشوهات خلقية وأمراض سلوكية أو عيوب جسدية في أطفال تلك الزيجات.

أما بالنسبة للسرطان.

فقد أجرى الدكتور عبد الباري بنر من كلية الطب في جامعة الإمارات دراسة على المواليد الإماراتيين الذين ولدوا خلال الفترة من عام 1983 إلى 1997 والموجودة قيودهم في مركز السجل الوطني لأمراض السرطان ألا وقد تم التوصل إلى ثلاثة أنواع من الأمراض السرطانية تنتشر لدى هؤلاء الأطفال. وأشارت الدراسة والتي شملت 69 عائلة إلى أن 80% من الأطفال الذين يعانون من سرطان الدم هم لآباء أقارب من الدرجة الأولى وهي نسبة مرتفعة مقارنة مع المعدلات العالمية.

نموذج

جميع الدراسات توكد مساهمة زواج الأقارب في تزايد الأمراض الوراثية والآثار الناجمة عنها، ودولة الإمارات التي أجريت فيها هذه الدراسات هي نموذج قابل للقياس عليه عربيا، ولكن غياب الدراسات والإحصاءات في بعض الدول العربية قد يجعل المشكلة أكبر من ذلك.وإذا عرف السبب بطل العجب، وفي الكشف عن أبرز العوامل يمكن اقتراح الحلول.

فتوى

مطالبة بضرورة إصدار قوانين خاصة

طالبت الدكتورة شيخة العريض من مجمع السليمانية الطبي في مملكة البحرين بضرورة إيجاد قوانين في كافة الدول العربية توفر حماية للأجيال القادمة من الأمراض التي تنهش في جسد الأمة ومن ضمنها قانون لتطبيق الفتوى التي صدرت من المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثانية عشرة المنعقدة في مكة المكرمة في فبراير عام 1990 بخصوص الجنين المشوه جاء فيها: «قبل مرور مئة وعشرين يوما على الحمل إذا ثبت وتأكد بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين الثقات، وبناء على الفحوص الفنية بالأجهزة والوسائل المختبرية أن الجنين مشوه تشويهاً خطيراً غير قابل للعلاج، وانه إذا بقى وولد في موعده ستكون حياته سيئة وآلاما عليه وعلى أهله فعندئذ يجوز إسقاطه، والمجلس إذ يقرر ذلك يوصى الأطباء والوالدين بتقوى الله والتثبت في هذا الأمر والله ولي التوفيق».

وأوضحت أن الأطباء في مستشفى الملك فيصل التخصصي يطبقون هذه الفتوى على الحالات الشديدة من الأمراض المزمنة. كما أن هناك اثنتين من الفتاوى في إيران تقرر الإجهاض لحالات الإصابة بالثلاسيميا. وهذا مطبق على مستوى الدولة منذ عام 1995. كما أن دولة قبرص اعتمدت على الفحص أثناء الحمل والتخلص من الأجنة المصابة بالثلاسيميا لمكافحة مرض الثلاسيميا في قبرص، حيث أقرت لهم الكنيسة ذلك بسبب العدد الكبير للأطفال المصابين.

وقالت ننصح بدراسة هذا الموضوع بتعمق وإصدار قرار أو قانون يحمى أجيالنا القادمة من الأطفال من هذه الأمراض، ويكون به حماية اجتماعية للحاملين للمرض، والعائلات المعرضة لإنجاب أطفال مرضى من التفكك والانفصال.

دعوة

أهمية كبيرة للتشريعات

قالت الدكتورة حبيبة شعبوني من قسم الأمراض الخُلُقية والوراثية، في مستشفى شارل نيكول، تونس من الضرورة بمكان إصدار تشريعات خاصة بالأمراض الوراثية في الدول العربية خاصة وأن المسألة يمكن النظر إليها كقضية تمسّ الصحة العامة في كافة الدول، ويكاد لا يخلو أي من مجتمعاتنا من أي شكل من أشكال الأمراض الوراثية. بل أنه وبعد السيطرة على الأمراض المُعدية في المنطقة تتربع الأمراض الوراثية على رأس القائمة الصحية السوداء في الدول العربية حاصدة الآلاف من الأرواح سنوياً .

تحقيق ـ عماد عبد الحميد