الموت لا يمكن أن يسبق الولادة، ولكن إذا عرفنا أن الأجنة في أرحام أمهاتهم تنتظرهم مئات الأمراض الوراثية عندما يخرجون إلى الحياة، وربما قبل ذلك، يصبح ذلك ممكنا.

940 مرضا وراثيا وصفها الأطباء بين الأطفال العرب ممن هم دون العشرين لغاية الأول من ديسمبر من العام 2010، وعلى الرغم من ان خسائر هذه الأمراض الاقتصادية باهظة جدا، حيث قدر المركز العربي للدراسات الجينية في دبي تكلفة علاج 25 مرضا منها فقط بنحو 45 مليار درهم سنويا، إلا أن هذه المشكلة ليست هي الأعظم، وإنما تفوق المسألة ذلك بما تتركه هذه الأمراض من آثار مدمرة على الأطفال الذين يولدون باعتلالات قد تصل إلى الاعاقات الدائمة والتشوهات الخلقية أو حتى الموت، إضافة إلى آثارها الاجتماعية والنفسية على هذه الولادات والأسرة والمجتمع بصورة عامة.

الإحصاءات الدولية تشير الى ان هناك 9 ملايين طفل يولدون سنويا في بلداننا العربية، ونسبة الاصابات الوراثية بين حديثى الولادة هي الاعلى عالميا ، لا بل ان بعض دولنا العربية كالسودان والسعودية وفلسطين والامارات والعراق تحتل المراكز الاولى من بين 193 دولة.

الدكتورة لحاظ الغزالي من قسم طب الأطفال في كلية الطب والعلوم الصحية في جامعة الإمارات تستطيع أن تعتمد بثقة على هذه الاحصاءات لتشدد قائلة: «لا شك، هناك أدلّة دامغة تؤكد أن الأمراض الوراثية هي السبب وراء عدد كبير من الوفيات والإعاقات والتشوهات الخلقية في العالم العربي».

ويزيد عليها الدكتور غازي تدمري المدير المساعد للمركز العربي للدراسات الجينية معتبرا تلك الاضطرابات السبب الرئيسي لوفيات الأطفال في العالم العربي، لافتا إلى أن هذه الأمراض تنتشر على نحو متزايد في دولنا إذا ما قورنت بتلك الاضطرابات المرتبطة بالتغذية أو بالعوامل البيئية.

ويتعاظم حجم المشكلة إلى الحد الذي يؤكد معه البروفيسور نجيب الخاجة أمين عام جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية رئيس المركز العربي للدراسات الجينية أن «الأمراض الوراثية الشائعة كأمراض الدم الوراثية، والسكري، وفرط ارتفاع ضغط الدم، ومتلازمة داون، أصبحت تشكل عبئاً ثقيلاً على نظم الرعاية الصحية في العالم العربي».

وهو العبء الذي ندرك ثقله إذا ما عرفنا أن «الأمراض الوراثية تعتبر أمراضا مزمنة، وغالبيتها ليس لها علاج لغاية الآن»، حسب ما أشارت الدكتورة صديقة العوضي من مركز الطب الوراثي في وزارة الصحّة العامّة في الكويت خلال توضيحها لحجم الدور الملقى على كاهل الجهات الصحية العربية في الحد من هذه الأمراض.

وتمتد التأثيرات السلبية لهذه المشكلة لتتفاقم معها نتائج تدميرية على المستوى الاجتماعي، وما تسميه الدكتورة العوضي «عقدة الذنب» يكون سببه غالبا شعور الأبوين بأنهما أساس المشكلة، الأمر الذي يؤدي إلى كثير من حالات الطلاق كما تؤكد، وتضيف: «قد تتسبب هذه الأمراض بالعديد من المشكلات الاجتماعية والنفسية التي قد تنعكس على باقي أفراد الأسرة، وخاصة الأطفال، وتجعلهم غير قادرين على المضي قدما في مشوار الحياة بكل مشاكله وصعابه».

والأمراض الوراثية بأنواعها وأنماطها المختلفة الناتجة عن خطأ في مستوى الصبغ «الكروموسوم» أو على مستوى الموروث «الجين»، كما يستخلص ذلك المختصون وعلى رأسهم الدكتورة العوضي، قد تسبب العديد من الإعاقات الذهنية والحركية والسمعية والبصرية والتي قد تختلف شدتها ونسبة العجز الذي تسببه للمريض. وهو ما كانت أيدته الدكتورة لحاظ الغزالي بأن «الأمراض الوراثية تسبب أضرارا بالغة الخطورة، تصل إلى الاضطرابات النفسية والإعاقات الجسدية، أو حتى الموت».

الدكتور محمود طالب آل علي أستاذ الأمراض الوراثية في كلية الطب في جامعة الإمارات فضّل أن يترك الدراسات تتحدث بنفسها عن حجم هذه التأثيرات، فالأرقام هي الأصدق، والدراسة التي أجريت في مستشفى الكورنيش في أبوظبي هي دراسة علمية موثوقة بدرجة عالية.

فقد شملت 24 ألف ولادة، وهذا الرقم يمثل جميع الولادات في المستشفى من عام 1992 إلى العام 1995، وتبين من خلالها أن 400 ولادة كانت تحمل أمراضا وراثية أو تشوهات خلقية، وتكفي عملية حسابية بسيطة لنستنتج أن 17 ولادة من كل ألف تمت في أبوظبي كانت تحمل تشوهات خلقية أو أمراضا وراثية، خاصة الأمراض التي تحمل الصفات المتنحية.

وليست التشوهات والأمراض هي فقط ما أثبتته الدراسات، فهذه دراسة أخرى أجرتها الدكتورة فلساما ألا ايبن من جامعة العين، فحصت من خلالها المستوى التعليمي لنحو 1250 تلميذا في مدارس مدينة العين الحكومية، لتكتشف أن 24% من التلاميذ المشمولين في الدراسة يعانون من اضطرابات سلوكية ترتبط بحالات أخرى في العائلة نفسها، وهذا يؤكد أن العنصر الوراثي كان عنصرا مهما في تلك الاضطرابات السلوكية.

الوراثة كذلك واحدة من أسباب كثيرة تقف وراء الأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، فالانسان حسب وصف الدكتور رياض بيومي من قسم الكيمياء الحيوية في كلية طب جامعة السلطان قابوس، يرث جينات معينة تجعله عرضة لهذه الأمراض، لكنه «لا يصاب بها إلا عندما يغير من نمط حياته، فعامل الوراثة لضغط الدم والسكري وحده لا يتسبب في المرض، بل يكون حافزاً قوياً للمرض إذا صاحبه عامل التغيير في نمط الحياة كالتوقف عن العمل اليدوي أو ممارسة الرياضة، والإكثار من تناول الوجبات الدسمة، مما ينتج عنه زيادة في الوزن».

ويعتمد الدكتور البيومي في رأيه على دراسات وأبحاث عدة أثبتت أن عامل الوراثة يلعب دوراً مؤثرا في رفع نسبة تعرض الإنسان لهذه الأمراض، من ضمن هذه الدراسات دراسة أجريت في سلطنة عُمان أثبتت أن عامل الوراثة يسهم بنسبة 20 ـ40% في انتشار مرض السكري وارتفاع ضغط الدم بين العمانيين، وفي المقابل هناك دراسات أوضحت أن التغيير في نمط الحياة لا يصاحبه ظهور لهذه الأمراض إذا لم يكن هناك خلل جيني.

أما في ما يتعلق بالسرطان، وتحديدا سرطان الدم، فالأمر ربما يختلف بعض الشيء، إذ إن الدراسات تشير إلى ما نسبته 1 ، 2% فقط من أمراض السرطان تنتج عن خلل جيني، بينما النسبة الأكبر تحدث نتيجة لعوامل سببها تعرض الإنسان لمواد كيميائية أو إشعاعية، ويحتل العراق في ذلك المرتبة الأولى عالميا، اذ تبلغ نسبة الإصابة بهذا المرض 6, 12%، يليه الأردن 4, 8% المرتبة الرابعة عالميا وفقا لإحصائيات منظمة الصحة العالمية .

وعلى الرغم من طبيعة الأمراض الوراثية وما تتطلبه من رعاية خاصة، فإن الجانب الاقتصادي المرتبط بها لا يزال مجهولا، لندرة البحوث في هذا المجال، ويعطي الدكتور غازي تدمري أمثلة على التكاليف الباهظة جدا لعلاج بعض الحالات المرضية التي درسها الاقتصاديون باستفاضة خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها متلازمة داون، التي يتكلف علاجها للفرد الواحد سنويا (36000 دولار أميركي).

والتليف الكيسي (9400 دولار)، والبيتا ـ ثلاسيميا (7000 دولار)، ومرض السكري (6900 دولار)، وفقر الدم المنجلي (6300 دولار)، وسيلان الدم (1000 دولار)، والتهاب الجلد التحسسي (1000 دولار).

وعندما يتحدث الدكتور تدمري عن 897 مرضاً وراثياً عربيا تكلفة علاج 25 مرضا منها فقط 13 مليار دولار أميركي، فإن بإمكان الجميع أن يقدر حجم الخسارة الاقتصادية العربية جراء هذه الأمراض.

والدكتور تدمري يستند في ذلك كله إلى قاعدة البيانات الخاصة بالأمراض الوراثية في العالم العربي التي انطلقت في العام 1999، وتم حينها إحصاء 374 مرضاً وراثياً في المنطقة، وتطوّر هذا الرقم ليصل إلى 752 مرضاً عام 2004، وفي عام 2010 شملت البيانات تفاصيل حول 940 مرضاً وراثياً تم وصفها في مرضى عرب، وعلى الرغم من أن المعلومات الخاصة بالإمارات والبحرين وعُمان شكلت حيزاً كبيراً من حجم قاعدة البيانات، إلا أن هناك معلومات وافرة من دول المغرب العربي، وفلسطين، والسعودية، ولبنان، ومصر.

وموثوقية هذه المعلومات كبيرة، فمصادر جمع المعلومات شملت الأبحاث الطبية المنشورة في الدوريات المحلية والإقليمية والدولية المحكّمة والمعلومات التي يوفّرها أعضاء المجلس العربي في المركز العربي للدراسات الجينية وتلك التي ترد من العلماء المختصين في هذا المجال.

وعلى سبيل المثال لجمع البيانات المتعلّقة بالأمراض الوراثية في الإمارات والبحرين وعُمان تمّت مراجعة 4200 مصدر علمي، منها 2100 تعرضت بشكل مباشر للأوجه المتعددة لتلك الأمراض من حيث صفاتها السريرية ومدى انتشارها وكيفية دراستها على المستوى الوراثي، وغير ذلك من التفاصيل الممكنة.

ومن حيث الانتشار، يمكن ملاحظة نوعين من الأمراض، منها ما هو وبائي الانتشار كأمراض الدم الوراثية ومتلازمة داون وسرطان الثدي وأمراض السكري وغيبة الدماغ ومرض غرايفس ومرض كافاي والالتهاب الشرياني نمط تاكاياسو وتعدد الكلى الكيسية وفرط كوليستيرول الدم والفلج الوجهي وتضيُّق البوّاب المعوي، ومنها ما هو منتشر في المنطقة بمعدلات أكثر من انتشارها عالمياً كرباعية فالوت ومرض الحمى المتوسطية وفقدان السمع ومتلازمة نونان ومتلازمة ميكيل واعتلال المفاصل الفقاري وغيرها.

حجم المشكلة عربيا كبير جدا، وربما أن هذه البيانات التي توافرت للمركز العربي للدراسات الجينية لا تمثل الواقع كاملا، فنقص الإحصاءات في هذا الجانب ما زالت تمثل هي الأخرى مشكلة كبيرة الحجم. وهذا الحجم الذي يشهد تزايدا في دول عربية عدة كما حذر الأطباء يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات ضرورية حول الأسباب والعوامل، وكذلك الحلول الممكنة للسيطرة على هذا الكابوس.

أنواع الأمراض الوراثية

قسم الدكتور محمود طالب الأمراض الوراثية إلى ثلاثة أنواع، هي: الأمراض الجينية، وفيها يتكون الكروموسوم من عدة جينات متلاصقة يتحكم كل منها في صفة من صفات الإنسان، وتنتج الأمراض الجينية من خلل في الجينات دون حدوث تغيرات في الكروموسوم ككل، ولها نوعان؛ أمراض جينية سائدة .

وهي التي تنتقل من جيل إلى جيل (من الأب أو الأم إلى الأطفال)، ويوجد نحو 600 مرض يورث بهذه الطريقة، ولهذه الأمراض عدة صفات، غالبا المرضى يحملون جينًا واحدًا للمرض، وحامل المرض هو أحد الأبوين، ولا يعاني أعراضًا ظاهرة للمرض. يصيب الذكور والإناث بالتساوي، وتتفاوت تلك الأمراض في درجة إظهار الجين المريض، من مريض لآخر.

وهناك أيضا أمراض جينية متنحية، ويوجد نحو 500 مرض يورث بالطريق الجينية المتنحية، وتتميز هذه الأمراض بخصائص: يحمل المرضى الجينات المرضية، يكون الأبوان طبيعيين لكنهما حاملان للجين المرضي، ويصيب الذكور والإناث بالتساوي، ويكثر في المناطق التي ينتشر فيها زواج الأقارب، توجد في كل حمل احتمالات ولادة (25% طبيعيون - 25% مرضى - 50% حاملون للمرض دون ظهور الأعراض عليهم).

الأمراض الكروموسومية وهي التي يحدث فيها تغيير في الكروموسومات، وهذه التغييرات التي تحدث في الكروموسومات نوعان؛ تغييرات عددية وهي أمراض وراثية تنتج عن التغيير الذي يحدث في عدد الكروموسومات مثل نقص أو زيادة زوج من الكروموسومات كما في حالة متلازمة داون ( لٌَُّ َّ؟َلٍُْم) وهي نوع من حالات الضعف العقلي، والتغييرات الهيكيلة ، وهي أمراض وراثية ناتجة عن تغيير في هيكل وشكل الكروموسومات، وتصل نسبة هذه الأمراض إلى 6, 5 لكل ألف مولود من الأحياء.

الأمراض المركبة وهي التي تكون نتيجة لأكثر من عامل وراثي وبيئي، وتسمى باسم الأمراض الوراثية ذات الأسباب المتعددة، أي التي تورث طبقًا لطريقة (مندل) المعروفة، ويندرج تحت هذا النوع كثير من الأمراض التي لم يعرف السبب الرئيس لظهورها، أو الأمراض التي تتداخل فيها العوامل الجينية والعوامل البيئية مثل أمراض ثقوب القلب الوراثية.

وفي ضوء ما سبق فإن مرض أنيميا البحر المتوسط ينتمي للنوع الأول من الأمراض الوراثية وهو (الأمراض الجينية ذات الصفة المتنحية) الذي يوجد بكثرة في المجتمعات التي ينتشر فيها زواج الأقارب.

وتظهر الأمراض الوراثية وفقا للدكتور محمود طالب نتيجة حدوث تغير في عدد الكروموسومات بالزيادة أو النقصان وحدوث تغيرات هيكلية في الكروموسومات مثل تكسير الكروموسومات وإذا كان عدد الكروموسومات طبيعيا ولكن توجد جينات تحمل الصفات المرضية وتنتقل من الآباء إلى الأبناء. وإصابة الأم ببعض الأمراض المعدية مثل الزهري والحصبة الألمانية. مما يؤثر في الجينات. وتناول الأم العقاقير وتعرضها للكيماويات والإشعاعات يؤثر في الجينات. فتحدث تشوهات للجنين.

3 أطفال مصابين ثمرة زواج سيدة من ابن عمها

لا تملك أم احمد هذه الأيام سوى الابتهال والتضرع إلى الله أن يخفف عنها مصابها الجلل، فأطفالها الثلاثة التي عانت الأمرين في حملهم وتربيتهم لتراهم شبابا كبقية اقرأنهم يعانون اليوم أمراضا وراثية، لا لذنب اقترفوه، وإنما نتيجة زواجها من ابن عمها، كما اخبرها الأطباء.

احمد وخالد، كما أخبرتنا عندما زرناها في بيتها في رأس الخيمة، يعانيان من مرض التوحد، وراشد يعاني من لوكيميا الدم، و«الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه»، قالتها أم احمد وعيناها تفيضان من الدمع، وراحت تتمتم بينها وبين نفسها: «نصيبنا وقدرنا.. ولا يوجد إنسان يمكن أن يهرب من قدره».

أم احمد التي عرفها الجيران بقوتها وعنفوانها وكبريائها لم تعد كذلك.. ضعف نظرها رغم أنها مازالت في عقدها الرابع، ونحل جسمها، ولم تعد تملك سوى الدعاء والابتهال إلى الله للتخفيف من مصابها الجلل. ويظهر حزنها الكبير وهي تقول: «علاج الطفل الواحد يكلف مبلغا وقدره، وزوجي ميسور الحال، ولولا أصحاب الأيادي البيضاء لما استطعنا توفير لقمة العيش لهم» .

حالة أم راشد قد تكون أخف وطأة من حالة أم احمد، فلديها طفلان مصابان بضمور في الأطراف السفلى، والسبب كما اخبرها الأطباء أيضا الوراثة. زوجوا وتزاوجوا من غرباء، ولكن المشكلة بقيت قائمة، ولديهم في العائلة الآن نحو 60 شخصا يعانون من الأعراض نفسها.

حالتا أم احمد وأم راشد ليستا هما الحالتين الوحيدتين في وطننا العربي الكبير، وإنما هناك ألاف الأطفال ممن ولدوا وما زالوا يولدون بإعاقات جسدية وعقلية، لا يمكننا بالطبع أن نعلقها على شماعة القدر، خاصة مع تقدم الطب وسهولة اكتشاف مثل هذا النوع من الأمراض حتى قبل الزواج.

تحقيق ـ عماد عبدالحميد