كان في سنته التخصصية الثالثة في كلية الطب، عندما غزت رأسه المزدحم بالقوانين والنظريات فكرة قد تطير به نحو عالم بعيد يضعه تحت الأضواء، سينجح حتماً.. فبشهادة الجميع كان طفلاً معجزة بحنجرة مطرب، ولا يزال يأمل بفرصة الغناء.

وجد نفسه ينهض باكراً ويهم بزيارة موقع التسجيل على طلبات برنامج الهواة.. يتقدم بطلب مقابلة اللجنة، وينتظر حتى وقت متأخر.. ويجتاز الاختبارات الأولية. ويودّع كلية الطب حتى أجل غير مسمّى. فالعالم الجديد مليء بالفرص التي تستحق المغامرة..

حكاية المطرب المعجزة الذي أصبح فيما بعد سوبر ستار العرب، تشبه في فصولها حكايات العديد من شباب الجيل، الذين ما زالوا يبحثون عن الفرصة، المختبئة في برامج هواة تتبناها الشاشات العربية، أهدافها ترويجية وتجارية، يحسبها الشباب فرصاً تستحق التضحية بالمعرفة والمؤهلات العلمية، بينما يكتشف أبطال تلك الحكايات أنهم ليسوا سوى أدوات حققت بها الشركات القائمة على تلك البرامج أهدافها الربحية، وعملت على تشويه صورة المبدع.

الأسف في تلك الحكايات، على طاقات شابة مهدورة، في برامج تستخف بعقول أبناء الجيل، فيصبح المهرج موهوباً، وينحصر الإبداع في المطرب والاستعراضي، وكأن تلك المهن تواجه خطر الانقراض. يتحمل الإعلام مناصفة مع الجهات التربوية مسؤولية تشويه مفاهيم النجاح والإنجاز، حتى اختلطت تلك القيم، وأصبح من يجتهد علمياً لا يحظى بنصف الاهتمام الذي يُمنح للبطل المتوج في برنامج هواة عربي أو خليجي.

«يعني الجيل ناقص إحباط مثلاً»! رمموا ما تبقى من مفاهيم تربوية.. فالجيل أصبح محصوراً بين قصة فستان مغنية، وأغنية مطرب صاعد.

معظم الملتحقين بتلك البرامج هم من فئة الشباب، جزء كبير منهم لا يزال على مقاعد الدراسة، وبصرف النظر عن نجاحهم أو إخفاقهم الدراسي، وبغمزة إعلانية واحدة، أدار العديد منهم ظهره للكتاب، وصعد المنصة مستعرضاً مواهبه أمام جمهور عربي شاب، يتلقى تلك المشاهد بإعجاب متكرر، ويصفق بالحماس ذاته كل أسبوع.

عاد المطرب الشاب بعد مواسم الشهرة إلى وطنه، وقرر استئناف دراسة الطب، ونفض غبار الحلم الذي بدا أعقد مما توقع، وعاد وحيداً خلف الكواليس مجدداً.

مضى عقد وأكثر.. والشاشات العربية تعلك تلك البرامج موسميا، وتلفظها في صور مختلفة الشكل متشابهة المضمون، وتدّعي منح الفرص وتحقيق الأحلام، دون مقابل، ومضت عقود ولم يتّعظ الشباب العربي من تلك اللعبة، وفي تفسيرهم، في أسوأ الأحوال، سيعود إلى وطنه، وترجع الحياة إلى سابق عهدها.

على فكرة.. معظم تلك البرامج مستوردة من الغرب، ومعربة من نسخ أجنبية، الغريب أن الشاشات العربية لا تستنسخ سوى الغث من تلك البرامج، وما يخدم أهدافاً تجارية، تدفع بالجيل نحو المزيد من الكسل والتهاون، والجري وراء الكسب السريع، أما الدول المتقدمة فتبحث عن وجوه أخرى للإبداع، من علماء وباحثين ومخترعين.

بينما العالم العربي لا يزال ينقب عن أشباه المطربين، ويبدو لن يحقق اكتفاءه منهم.

أمل الفلاسي