توصل العلماء في جامعة «كوليج لندن» إلى تطوير مادة شفافة، لكنها أقوى من الفولاذ، وربما توازي في قوتها مادة «كيفلر» المستخدمة في البدلات الواقية من الرصاص، وتتميز في الوقت نفسه بأنها خفيفة كالبلاستيك، وصلبة مثل الألياف الكربونية.

الأكثر غرابة من هذا كله أن هذه المادة الجديدة مصنوعة من الطين، أي من المادة نفسها التي تتكون منها التربة، والتي نصنع منها الطوب والأواني الفخارية، غير أنها يجب أن تخضع لمعالجة خاصة، حتى تصبح بهذه المواصفات.

ومن سمات هذه المادة أنها «برخص التراب» كما يقولون، كما أنها متوافرة في كل مكان، وكل ما سبق من سمات يعتبر أخباراً سعيدة بالنسبة لصانعي الطائرات والسيارات، الذين يبحثون بتوق شديد عن أي بديل يغنيهم عن الفولاذ والألمنيوم، وحالياً فإن البديل الوحيد المتوافر هو مادة الألياف الكربونية.

وهي المادة الرائعة التي لجأت إليها شركات، مثل «فولكس فاغن»، لتحقيق مستويات كبيرة من التوفير في الطاقة لسياراتها، غير أن إنتاج الألياف الكربونية يحتاج لحرارة تبلغ 1500 درجة مئوية، وهذا يعني تكاليف باهظة.

أما صناعة مواد مركبة من الطين فلا تحتاج لدرجات حرارة عالية، وربما استمد العلماء الإلهام في هذا من مادة أخرى موجودة في الطبيعة، هي «عرق اللؤلؤ» التي تتكون منها حبات اللؤلؤ، وهذه المادة معروفة بصلابتها وقوتها غير الاعتيادية منذ السبعينات من القرن الماضي.

وتتكون مادة عرق اللؤلؤ، بشكل أساسي من مادة «أراغونايت»، التي تكون طرية وهشة في حالتها النقية، لكنها عند التقائها بطبقات البروتينات ومركبات البوليمر الكيميائية الحيوية بسماكة 10 إلى 50 نانو متر، فإنها تشكل تركيباً يشبه في ظاهره تركيب الطوب والملاط المستخدم في بناء المنازل، لكنه خارق القوة.

لهذا فإن العلماء يرون أن دمج البوليمر بالطين سيؤدي إلى إنتاج مركب صلب وقوي، مثل عرق اللؤلؤ، وهناك العديد من أنواع الطين، إلا أنها كلها تحمل التركيب الأساسي نفسه، فكل أنواع الطين تتكون من صفائح معدنية بسماكة نانو متر واحد، وتتسم بالقوة الشديدة، غير أن وجود الماء بين مسامات تلك الصفائح هو الذي يجعل الطين طرياً وهشاً.

أول من التفت لأهمية مركب الطين في مجال صناعة السيارات كان فريق باحثي شركة «تويوتا» اليابانية، وذلك عام 1985، حيث خلطوا الطين بالنايلون لتشكيل مركب استخدمته «تويوتا» في السنين التي تلت في صناعة أغطية محركات سياراتها، بالإضافة إلى مجموعة من الاستخدامات الأخرى.

غير أن ذلك المركب الطيني لم يكن صلباً بما فيه الكفاية، مقارنة بعرق اللؤلؤ، الذي تزيد صلابته عنه بعشرات الأضعاف، حيث إن عرق اللؤلؤ يتكون من عنصر أراغونيت بنسبة 99؟، و1؟

فقط من البروتين الذي يربط الأجزاء ببعضها البعض ، أما الطين في شركة «تويوتا» فلم يكن يشكل سوى 5 من المواد التي تصنعها الشركة، وإضافة المزيد من الطين لم تسهم في حل المشكلة بل زادت الأمور سوءاً. ما كان ينقص تلك المادة هو الترتيب الهندسي لمادة عرق اللؤلؤ، التي تشبه الترتيب الهندسي للطوب والملاط المستخدم في تشييد المباني.

ويقوم الحلزون ببناء قوقعته ببطء، على مدار عدة أشهر، لهذا فإن خلط المواد بعضها بالبعض الآخر لا يكفي، بل يجب أن تكون منظمة، وأن يتم «طبخها على نار هادئة»، فقد جرب العديد من الباحثين محاولة تطوير الطين، ليصبح شبيهاً بعرق اللؤلؤ، غير أن النتائج على مدار السنين الماضية جاءت مخيبة للآمال.

في عام 2007، اكتشف «نيكولاس كوتوف» و«آن أربور» من جامعة ميتشيغان الأميركية طريقة يمكن من خلالها إنتاج تركيبة طينية قوية شبيهة بتركيب عرق اللؤلؤ، عن طريق غمس الألواح الزجاجية في محلول مكون من «بولي فينيل» ووضع الطبقات المتكونة فوق بعضها البعض ودمجها بالطين للحصول على منتج شديد القوة والخفة، وصفه كوتوف ب:

«الفولاذ البلاستيكي»، وفي حال تم تعميم هذه الطريقة والاستفادة منها على نطاق واسع، فإن ذلك سيكون بديلاً رخيصاً وصديقاً للبيئة عن ألياف الكربون. لكن الحصول على هذا المنتج على نطاق واسع يعتبر تحدياً كبيراً، فقد استغرق الأمر يومين من كوتوف وفريقه لإنتاج قطعة أصغر من ورق اللعب، وأدق بكثير من شعرة الإنسان.

صحيح أن الفريق بعدها نجح في تسريع العملية مئة ضعف، إلا أنها لم تصل لمرحلة الإنتاج الشامل، لهذا يعكف العلماء على إيجاد طرق لإنتاج مركبات الطين بشكل عملي وواسع النطاق.

font color="#FF0000">إعداد: يوسف جباعتة