مع اسدال الستار على أحد المشاهد المفصلية لإدارة إمارة دبي لمشكلة مديونياتها بالتوصل إلى اتفاق بين شركة دبي العالمية والجهات الدائنة، والذي يدخل في عداد الاتفاقات التاريخية، اتجهت الأنظار لتحدق بعين من التقدير والاحترام إلى حذق وحنكة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في العبور بالإمارة من دوامة تبعات أزمة مالية عالمية إلى بر الأمان خلال فترة وجيزة من الزمن لا تتجاوز بضعة أشهر.




وكما أثار سموه تساؤلات لاتزال تبحث عن إجابة عن الكيفية التي استطاع بها أن يبني نموذج نهضة دبي الاقتصادية الذي غير الكثير من مناحي التفكير على الصعيدين الإقليمي والعالمي، فإن النجاح الذي سجله سموه في التغلب على مشكلة مديونية كسرت عظام حكومات واقتصادات قوية في أوروبا أثار بدوره تساؤلات تدور في مخيلة وعقول الكثيرين حول الكيفية التي استطاع بها سموه الخروج بالإمارة من «عنق الزجاجة» بهذه السلاسة والسرعة.

ولعل جزءاً من الإجابة عن هذا السؤال المحوري يكمن في وقوع الاختيار على شخصيات قيادية تمكنت باقتدار وكفاءة من تحويل رؤية سموه إلى واقع على الأرض يمكن للداني والقاصي تلمسه والتعايش معه، وشكلت هذه القيادات ما يمكن توصيفه مجازا بـ «مطبخ صنع سياسات» أو «الكتيبة المقاتلة في الخطوط الأمامية»، وذلك إذا ما جري النظر إلى التفاوض على أنه «فن من فنون الحرب» ولكن بشكل آخر وبلغة أخرى.

الفريق الواحد

وقد أمسك سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم رئيس اللجنة العليا للسياسة المالية في دبي بدفة توجيه زمام أمور هذا الفريق القيادي الذي يحلو للبعض توصيفه برجال الأزمة، ويحلو للبعض الآخر تسميته بفريق الإنقاذ، وبغض النظر عن المضامين والمعاني التي تنطوي عليها هذه المسميات والأوصاف، فإن الحقيقة المستقرة في العقول هي أن هذه الرموز القيادية ينطبق عليها مصطلح «رجال الدولة» بكل ما يحمله هذا المصطلح من دلالات، فهم من تلك النوعية من الرجال الذين يعدون رصيداً نفيساً لمجتمعاتهم، ويتركون في الوقت ذاته بصماتهم على السياسات والإستراتيجيات.

وذلك بغض النظر عن المواقع التي يتبوؤنها والمناصب التي يشغلونها، ومدى قربهم أو بعدهم من بؤرة صنع القرارات والسياسات. وضم فريق القيادات رجال دولة من العيار الثقيل، وهم معالي محمد الشيباني مدير عام ديوان صاحب السمو حاكم دبي ونائب رئيس اللجنة العليا للسياسة المالية في دبي ومعالي أحمد حميد الطاير محافظ مركز دبي المالي العالمي.

وأغلب الظن أن تجميع مثل هذه الرموز تحت مظلة واحدة وصهرها في بوتقة الفريق الواحد لم يكن مسألة خاضعة للصدف والظروف، بل جاء ضمن رؤية دقيقة وفاحصة للكيفية التي يمكن بها لإمارة دبي الخروج الآمن والسلس من مشكلة المديونية، ورغم تدافع المحللين والمراقبين لإعطاء تفسيرات لشغل هذه الرموز المواقع الأمامية في معركة إدارة التحديات المالية المرتبطة بالديون والأزمة.

ما بين القول بأن هذه الرموز تؤشر على تحلي الإمارة بالحذر في تنفيذ تطلعاتها وطموحاتها، والقول بأن هذه الرموز تؤشر على النهج المحافظ الذي ينطلق من الثوابت، وبمعزل عن هذه الأقوال، تبقى الحقيقة الماثلة أمام الأعين أن هذه الرموز تعد مرآة تعكس دقة المرحلة التي تجتازها الإمارة، من ناحية أنه لم يعد هناك حيز لارتكاب أيه أخطاء مهما صغر.

التوازن والاعتدال

وفي السياق ذاته، تناوبت بعض هذه القيادات مقاعد الدائن والمدين في وقت واحد، فعلى سبيل المثال، يشغل معالي أحمد حميد الطاير منصب رئيس مجلس إدارة بنك الإمارات دبي الوطني الذي يعد إحدى الجهات الدائنة لشركة دبي العالمية، وهو كذلك عضو اللجنة العليا للسياسة المالية، كما يشغل معالي محمد إبراهيم الشيباني منصب رئيس مجلس إدارة بنك دبي الإسلامي، في الوقت الذي يشغل نائب رئيس اللجنة العليا للسياسة المالية، وقد مكنت مثل هذه المزاوجة بين الدور تلك الرموز القيادية من بلورة خيارات تحقق مصالح جميع الأطراف، وانتهجوا في هذا المجال نهجاً تميز بالاعتدال والتوازن.

ومن المؤكد أنه قد تبين اليوم أكثر من أي وقت مضى أن اختيار هذه القيادات لشغل مواقع في الخطوط الأمامية لم يكن مسألة خاضعة للصدفة، بل هو نتاج الرؤية الثاقبة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في الخروج من معترك تداعيات الأزمة المالية العالمية ومشكلة المديونية بسلام وأمان.

حيث وقع اختيار سموه على قيادات تمتلك ثوابت ومقومات ومؤهلات تجعلها بمثابة التجسيد الحي للماضي القريب بصعوباته وتحدياته والحاضر بإنجازاته وطموحاته والمستقبل بآفاقه الواعدة والمبشرة، فهي بحق تمثل حلقة وصل مهمة بين جيل الآباء المؤسسين والقيادات الشابة الجديدة، وربما بفضل هذه التوليفة من المقومات والمواصفات، تمكنت هذه الرموز القيادات من تنفيذ مهامها ومسؤولياتها باقتدار وكفاءة.

ويمكن ببساطة استخلاص هذه النتيجة، إذا أمعن المرء النظر في المقومات والمؤهلات التي تمتلكها تلك الرموز القيادية، حيث تتقاسم خصائص وصفات مهنية وذاتية تجعل من السهل أن تتآزر فيما بينها لما يخدم الصالح العام، وفي الوقت ذاته، تجعلها قادرة على التعامل بكفاءة مع المعادلات والخيارات الصعبة.

أحمد بن سعيد.. إنجازات متواصلة

بدأ سمو الشيخ أحمد بن سعيد حياته العملية في قطاع الطيران في عام 1985 عندما تم تعيينه رئيساً لدائرة الطيران المدني في دبي وهي الهيئة التي تنظم وتشرف على مطار دبي الدولي والسوق الحرة في المطار وغيرها من الهيئات والمؤسسات التابعة.

وفي نفس العام تم إطلاق طيران الامارات وتم تعيين سموه رئيساً للشركة. وهو اليوم الرئيس الأعلى والرئيس التنفيذي لطيران الامارات والمجموعة والتي تشمل دناتا الشركة العالمية المتخصصة في خدمات المناولة الأرضية وغيرها من الشركات التابعة للمجموعة والتي تعمل في قطاع الطيران.

وتحت قيادة سموه خضعت دائرة الطيران المدني في دبي لعملية إعادة هيكلة في عام 2007 حيث تم تغيير مسمى الدائرة لتصبح هيئة الطيران المدني وهي الجهة التي تنظم عمل القطاع في دبي. كما تم إطلاق مؤسسة مطارات دبي لتكون الجهة التي تشغل وتمتلك مطار دبي الدولي ومطار آل مكتوم الدولي. وبعد إعادة الهيكلة أصبح سموه رئيساً لهيئة الطيران المدني ورئيساً لمؤسسة مطارات دبي.

وتعد عمليات النمو التي شهدها مطار دبي الدولي بمثابة شهادة على كفاءة ورؤية سموه في قطاع الطيران المدني، حيث ارتفع عدد شركات الطيران التي تعمل في دبي من 45 شركة تشغل رحلات إلى 80 محطة إلى 130 شركة طيران و220 محطة. وارتفع عدد المسافرين من 8,3 ملايين مسافر إلى 40 مليوناً.

وفي 27 يونيو الماضي تم افتتاح مطار آل مكتوم الدولي وهو المرحلة الأولى من مشروع دبي وورلد سنترال (المدينة المطار) ويعد المطار المستقبلي لدبي. وكانت هذه الخطوة التاريخية المرحلة الأولى تجاه تحويل دبي كوجهة عالمية مفضلة في صناعة الطيران المدني. وسبق ذلك افتتاح المبنى الثالث من مطار دبي الدولي في أكتوبر من عام 2008 والذي يعد تحفة معمارية وهندسية عالمية.

وتحت قيادة سموه نمت طيران الامارات من ناقلة إقليمية بطائرتين مستأجرتين تطير إلى 3 وجهات لتصبح ناقلة عالمية تخدم اليوم أكثر من 100 محطة في قارات العالم الخمس. وتمتلك أسطولاً حديثاً يتألف من أكثر من 150 طائرة. وباتت أسرع ناقلة جوية نمواً في العالم. وفي عام 2009 تم إطلاق شركة فلاي دبي كناقلة اقتصادية في إمارة دبي.

وتعد دبي اليوم وجهة عالمية مفضلة بفضل جهود سموه والذي يتبوأ أيضاً مناصب عدة في حكومة دبي ومنها نائب رئيس المجلس التنفيذي في إمارة دبي وهي الجهة المسؤولة عن رسم السياسات ووضع الخطط والاستراتيجيات الخاصة بالامارة. كما يرأس سموه لجنة التنمية الاقتصادية في دبي.

ويرأس أيضاً اللجنة العليا للإشراف على ديون شركة نخيل وشركاتها التابعة وهو عضو في مؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية. وهو أيضاً رئيس اللجنة العليا للسياسة المالية وعضو مجلس دبي الاقتصادي. وهو نائب رئيس مركز دبي التجاري العالمي ورئيس اللجنة العليا لمهرجان دبي للتسوق ومفاجآت صيف دبي.

وتم تعيين سموه في سبتمبر من عام 2009 رئيساً لمجلس النفط في دبي ورئيساً لمجلس الطاقة الأعلى. ويرأس سموه أيضاً المنطقة الحرة في مطار دبي وشركة اليانس للتأمين والجامعة البريطانية في دبي ولجنة دبي للطاقة والكهرباء. ويشغل سموه أيضاً رئيساً فخرياً لعدد من المؤسسات الخيرية ومنها مركز راشد للتوحد ونادي روتاري في دبي ومؤسسة طيران الامارات.

ويحمل سموه شهادة البكالوريوس من جامعة دينفر في ولاية كولورادو الأميركية وهو شخصية معروفة بإسهاماته في قطاع الطيران المدني، وقد نال سموه العديد من الجوائز اعترافاً بدوره في هذا المجال ومنها المعهد الملكي للطيران في عام 1994 خلال معرض فارنبوره في المملكة المتحدة.

كما نال سموه وسام الشرف وهو أعلى وسام فرنسي مدني خلال معرض دبي للطيران في عام 2003 إضافة إلى جائزة «فيرا سونج سبورتجاليزر» وهي أعلى جائزة للخدمات الخارجية ومنحتها مدينة هامبورج لسموه في عام 2008.

محمد إبراهيم الشيباني .. يقود هيئة حكومية محورية

يتولى معالي محمد إبراهيم الشيباني منصب مدير عام ديوان صاحب السمو حاكم دبي والرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية. ويعتبر ديوان صاحب السمو حاكم دبي الهيئة الحكومية المحورية في إمارة دبي التي تنضوي تحت مظلتها إدارات وهيئات حكومية أخرى عديدة، من بينها إدارة المالية ومحاكم دبي والمجلس التنفيذي.

وتدمج مؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية الأصول التجارية لحكومة دبي التي توجد في قطاعات متعددة، وتشمل شركات قيادية تعمل في قطاعات الخدمات المالية والنقل والعقارات والمرافق والترفيه. ويشغل معاليه منصب رئيس مجلس إدارة بنك دبي الإسلامي، كما يتولى معاليه عضوية مجالس إدارة صندوق المعرفة والمدينة الدولية للخدمات الإنسانية وشركة دبي لصناعات الطيران، ويتولى معاليه منذ عام 1988 منصب رئيس مكتب دبي الخاص بالأسرة الحاكمة في إمارة دبي ومقره لندن، وأدار معاليه هذا المكتب من لندن على مدار ثماني سنوات، وهو يدير أعماله في الوقت الراهن من دبي.

وبدأ معاليه سيرته المهنية في سلطة موانئ دبي والمنطقة الحرة بجبل علي، وذلك على مدى سبع سنوات، ثم انتقل إلى سنغافورة التي قضى فيها 4 سنوات كمدير عام لشركة الخليج للاستثمارات. وتخرج معاليه من إحدى الجامعات الأميركية عام 1988 حيث حصل على درجة البكالوريوس في علوم الكمبيوتر.

أحمد حميد الطاير.. قيادة إدارية ومصرفية

يعد معالي أحمد حميد الطاير أحد الشخصيات الإدارية والمصرفية الكبيرة في الإمارات والمنطقة. ويشغل في الوقت الحالي عدداً من المناصب منها محافظ مركز دبي المالي العالمي ورئيس مجلس إدارة بنك الإمارات دبي الوطني ورئيس مجلس إدارة بنك دبي التجاري، ونائب رئيس مجلس إدارة شركة دبي للألمنيوم (دوبال) ورئيس جمعية مصارف الإمارات وعضو مجلس إدارة شركة دبي للاستثمارات الحكومية إلى جانب نائب رئيس مجلس إدارة شركة (إينوك) ورئيس مجلس أمناء برنامج الإمارات لتطوير الكوادر الوطنية، ورئيس مجلس إدارة معهد الإمارات للدراسات المصرفية والمالية وعدد آخر من الهيئات الحكومية والخاصة.

دبي - مجدي عبيد