بناء على دعوة رسمية لزيارة الإمارات وجهها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة خلال الصيف الماضي تأتي زيارة ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية وزوجها الأمير فيليب دوق أدنبرة الرسمية الثانية إلى البلاد، في ظل تأكيد المراقبين على الطابع الوثيق للعلاقات الثنائية بين الإمارات والمملكة المتحدة وتنامي الروابط التجارية بصفة خاصة ومواصلة ازدهارها.




علاقات تاريخية

وتتسم العلاقات التجارية والثقافية التي تربط الإمارات وبريطانيا، بأنها علاقات تاريخية قائمة على الثقة والاحترام المتبادل. وكانت الزيارة الأولى للملكة اليزابيث الثانية وزوجها الأمير فيليب دوق أدنبرة والوفد البريطاني رفيع المستوى الذي رافقهما إلى الإمارات بدأت في الرابع والعشرين من فبراير 1979 واستمر ثلاثة أيام.

حيث وصل اليخت الملكي إلى ميناء زايد في أبوظبي وكان في استقبالها المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وأعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات والوزراء والسفراء وكبار رجال الدولة وجاءت الزيارة للإمارات ضمن الجولة الخليجية التي قامت بها الملكة وشملت الوصول إلى دولة الكويت والمملكة العربية السعودية ودولة البحرين وسلطنة عمان.

وخلال اليوم الأول من الزيارة قامت الملكة بتفقد بعض منشآت النفط في جبل الظنة ومدينة العين ومقار جامعة الإمارات العربية المتحدة وتلا ذلك في الأيام اللاحقة زيارتها إلى دبي، حيث قامت بافتتاح عدد من المشاريع الكبرى في الإمارة.

وشمل ذلك الحوض الجاف وميناء جبل علي والمنطقة الصناعية الحرة المجاورة للميناء ومصهر ألمنيوم دبي ومركز دبي التجاري الدولي ومبنى بلدية دبي الواقع على خور دبي، حيث سلمها سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي ورئيس البلدية المفتاح الذهبي للمدينة، كما شملت جولات الملكة زيارات إلى كنيسة الثالوث المقدس وجولة بحرية في خور دبي وزيارة مقر السفارة البريطانية في دبي.

ويرجع المؤرخون تاريخ العلاقات بين البلدين إلى 8 يناير 1820 عندما وقع شيوخ المنطقة معاهدة السلام البحرية العامة مع الحكومة البريطانية، كما تعززت الروابط الوطيدة بين الجانبين عندما أُبرمت معاهدة عام 1892 بين المملكة المتحدة وإمارات الساحل المتصالح.

عهد النفط

ولكن مع حلول عهد النفط في ستينات القرن الماضي، ارتقت العلاقات التجارية بين البلدين إلى مستوى جديد، ففي عام 1968 قامت بريطانيا بإلغاء العلاقات المبنية على المعاهدة مع إمارات الساحل السبع، وتأسست الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر 1971.

وكانت الشركات البريطانية إحدى الأدوات في ترسيخ دبي منذ البداية، فقبل سنوات من إقامة دولة الإمارات قامت شركة هالكرو بتعميق خور دبي ومضاعفة امتداده في العام 1958، كما بنت ميناء راشد في العام 1967، الذي يعتبر أول ميناء حديث في الإمارة، وهذان التطوران ساهما في ارتقاء تجارة البلدين إلى المستوى العالمي.

ولا يمكن للمرء أن يقلل من قيمة الرؤية الثاقبة للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ومواجهته المخاطر الكبيرة عبر الاستفادة من هذه المشاريع التجارية واستثمارها لأقصى حد، ومن خلال القيام بهذه الخطوات الجريئة والشجاعة خطت دبي بسرعة لتتحول إلى أكبر مركز تجاري نشط في المنطقة.

ومع تدفق النفط أتيحت للإمارات فرص تجارية كبيرة وتنامى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10% سنوياً خلال السبعينات في القرن الماضي، واجتذب تركيز دبي على الخدمات المالية وبناء العقارات الفاخرة والسياحة الجماعية مصممي ناطحات السحاب البريطانيين ومخططي شبكات الطرق العامة، مثل «دبليو إس أتكنز»، وبعض شركات مقاولات البناء أمثال «كارليون»، وقامت شركة «بلفور بيتي» بالاشتراك مع شركة «داتكو» المحلية، ببناء ميناء جبل علي، ومع افتتاح المنطقة الحرة بجبل علي في عام 1985 ترسخت مكانة دبي على خريطة العالم.

وأتاحت المنطقة الحرة التملك للأجانب بنسبة 100% وكذلك توظيف الأفراد دون قيود بحسب الحاجات المحلية للشركات هناك. وهكذا سعت دبي مجدداً لتغطية الحاجات المحلية للشركات واتخذت خطوة جوهرية ووضعت نفسها في مكانة لا تطالها المنافسة، بحيث انها ضمنت الاحتفاظ بموقعها باعتبارها المركز الأول للنشاط التجاري على امتداد سنوات مقبلة.

وأدى الانفتاح اللاحق لسوق دبي العقاري أمام المشترين الساعين لامتلاك العقارات إلى تحقيق ازدهار غير مسبوق. إلى إيجاد مستثمرين للعقارات يحدوهم الأمل الازدهار التجاري غير المسبوق، وقامت مدينة دبي للإعلام ومدينة الإنترنت بدور اجتذاب لشركات الاتصالات والتكنولوجيا الرائدة، كما صمم مركز دبي المالي الدولي لاجتذاب رؤوس الأموال وفرص العمل لدبي، في الوقت الذي وفر ملاذاً آمناً للشركات للاستثمار في المنطقة وما وراءها، واستطاع تحقيق نجاح فوري، نظراً لإدراك الشركات أن لمركز دبي المالي قوانينه ولوائحه التنظيمية ومنظمه ومحاكمه الخاصة.

تبني سياسة البناء

وواصلت قيادة دبي في التسعينات تبني سياسة البناء لاجتذاب المستثمرين، وهي فلسفة رائدة لم تفكر أي مدينة على وجه الأرض بتبنيها قبل ذلك، باستثناء شنغهاي، وتنامت بسرعة فائقة، وواصلت شركة هالكرو نشاطها الكبير، كما كانت حالتها في أواخر الستينات من القرن الماضي، ومهدت دبي مارينا لاستيعاب منطقة سكنية جديدة بمبان شاهقة الارتفاع، ومدت خور دبي لإنشاء الخليج التجاري وهو منطقة خاصة بالمكاتب التجارية، وخططت بصورة رئيسية لمدينة الإنترنت ودبي لاند، التي تعتبر منتجعاً سياحياً ضخماً تبلغ مساحته 3 مليارات قدم مربع، وقامت ببنائه شركة «تطوير».

كما نفذت بعض مشاريع البنية التحتية الرئيسية بسرعة مذهلة، كمترو دبي، محطة مطار دبي الثالثة، برج خليفة، الذي يعتبر أعلى مبنى في العالم. وتعتبر دولة الإمارات أكبر أسواق الخليج بالنسبة لبريطانيا، وتنشط الشركات البريطانية في عدد كبير من القطاعات بها، ويتوقع ارتفاع عدد الشركات البريطانية التي تحصل على استشارات رسمية في غمار إنجاز الأنشطة والأعمال في الإمارات العام الحالي على الرغم من تأثير الكساد العالمي، كما يتوقع أن ترتفع الصادرات البريطانية إلى الدولة هذا العام بنسبة 10%.

ويشير المسؤولون البريطانيون وأقطاب البنوك إلى أن الشركات التي تقوم على أساس تقديم الخدمات كالهيئات الاستشارية والشركات العاملة في القطاعات التعليمية، الصحية والتصنيع من بين الشركات التي أظهرت اهتماماً قوياً بالقيام بمشاريع تجارية في الإمارات. ويتوقع أن تقوم الهيئة البريطانية للتجارة والاستثمار، وهي المنظمة الحكومية البريطانية لتنمية الأعمال الدولية بمساعدة أكثر من 1500 شركة قدمت لها المشورة العام الماضي للقيام بعمليات تجارية لها في الإمارات.

كما تواصل القطاعات التي يوجد للشركات البريطانية وجود كبير فيها، كالشركات المتخصصة بمقاولات البناء، البنية التحتية، الأمن، والمواصلات، اهتمامها بالوجود في الإمارات، كما تشير هيئة التجارة والاستثمار الحكومية البريطانية «بي بي جي» التي أقامت، أخيراً، حملات ترويجية في مختلف أنحاء بريطانيا لمساعدة الشركات المهتمة بالإمارات.

ولا تزال الإمارات تشكل مركز جذب قوياً للشركات البريطانية التي تفكر في القيام بمشاريع تجارية في الخارج، نظراً لكونها أكبر مركز تصدير للمنتجات البريطانية في الخليج. وارتفعت الصادرات البريطانية العام الماضي بنسبة 30% عن العام 2007 إلى ما قيمته 6. 22 مليار درهم، ومن المتوقع أن ترتفع هذا العام بنسبة 10%. ويتوقع بنك «لويدز تي.اس.بي الشرق الأوسط» أن يرتفع عدد الشركات الغربية التي ستفتتح حسابات عابره في الإمارات في الربع الرابع من هذا العام، بصورة جوهرية مقارنة بالربع الثالث.

دبي ـ فريد وجدي