للمسنين قيمة بالغة في حياتنا، فمنهم نسترشد أفكارنا وبهم تنير دروبنا، وكثير منا ممن لديه مسن في بيته لا يخرج منه إلا أن يكون قد نال الرضا، والأمر لا يتوقف عند الأب والأم وإنما يشمل الجد والجدة، فكل واحد منهم له قيمته في النفس، وله قدره الذي يرتفع كلما زاد عمر المسن، وبلا شك فإن كل شيء يدعونا إلى المحافظة على هذه الشريحة التي لامست خريف العمر.

فمن جهة ديننا الإسلامي الذي حرص على توصية الأبناء بضرورة معاملتهم معاملة حسنة، واحترامهم حتى وإن كانوا على خطأ، ومن جهة أخرى يطل علينا المجتمع بكل عاداته وتقاليده ليحذرنا من إهمال كبار السن، ويذكرنا بكل القصص والحكايات التاريخية التي تثبت مقولة «التاريخ يعيد نفسه»، وبالتأكيد فإنه لا يوجد أحد منا لم يسمع عن قصة الابن الذي صنع صحنا من الخشب ليقدمه لوالديه عند كبرهم كردة فعل على تصرفات والديه مع جده.وعلى الرغم من ذلك ظهر لدينا خلال السنوات الخيرة عدد من دور الرعاية الخاصة بالمسنين، والتي استغلها البعض ليودع أحد والديه فيها تاركاً إياه في عزلة تامة ينتظر خبر السماء بالموت، الأمر الذي أثر سلباً على نفسية المسن نفسه وأصابه بأمراض عدة أبرزها الاكتئاب والخوف من المجهول.

محور الدراسة

واقع كبار السن في الدولة كان محور دراسة قام بها عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الشارقة، الدكتور أحمد العموش، والتي خلص فيها إلى نتائج أثارت اهتمام الجميع بمن فيهم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي يتبنى فكرة «الرعاية المنزلية للمسنين»، ووجه بضرورة تنفيذها في الشارقة، وهي الفكرة ذاتها التي بدأت العديد من دول العالم بتنفيذها، أملاً بتحقيق واقع أفضل لهذه الشريحة.

وحول هدف الدراسة قال د. العموش: «هدفنا الرئيسي من هذه الدراسة هو التعرف على واقع المسنين داخل الإمارات، ولذلك قمنا بتوزيع استبانة شملت أجزاء مختلفة تتعلق بتفاعل المسنين مع المجتمع المحيط بهم، والنواحي الصحية وطبيعة الأنشطة التي يمارسونها في المجتمع إلى جانب القيم الدينية لديهم ومدى خوفهم من الموت، كما سعينا من خلال الاستبانة إلى التعرف على طبيعة المشكلات التي يعانون منها»، وأضاف:

«أهمية الدراسة تكمن في أنها تطرقت إلى جانب مهم في عالم المسنين ولم يسبق دراسته، ألا وهو الرعاية المنزلية، وقد أثبتت بأن وضع المسن في دور العجزة قد يقود إلى إصابة المسن بمشكلات وأمراض عديدة أبرزها الخوف والشعور بالوحدة والاكتئاب وغيرها.

كما أثبتت الدراسة مدى صحة نموذج الرعاية المنزلية وآثارها الايجابية على المسن من حيث مساهمتها في إعادة دمجه في المجتمع، وأبعاد المسن عن الكآبة والأمراض النفسية الأخرى التي قد تصيبه نتيجة تواجده في دور المسنين، فضلاً عن أن الرعاية المنزلية قادرة على إعطاء الأهمية للمسن من خلال تعميق تفاعله مع المجتمع».

عينة عشوائية

وأشار العموش إلى إنه اعتمد في دراسته على عينه عشوائية بلغ حجمها 488 مسن من مختلف مناطق الدولة، وشكل الذكور منها 90, 30% والإناث 1, 69% وتراوحت أعمار أغلب أفراد العينية ما بين 60 ؟ 69 عاما حيث وصلت نسبتهم إلى 9, 45%، في حين أن نسبة العزاب منهم شكلت 3, 3% والمتزوجين 8, 42% والأرامل 8, 48%، أما النسبة الباقية والبالغة 1, 5% فهي شريحة المطلقين، لقد أفضت دراسة العموش إلى عدد من النتائج المهمة.

والتي تبين حقيقة واقع المسنين في الدولة، حيث كشف العموش ل«البيان» بأن 8, 25% من المسنين ليس لهم دخول شهرية خاصة بهم وأن 3, 19% من المبحوثين تقل دخولهم الشهرية عن 4000 درهم، كما كشفت الدراسة عن أن 9, 37% من المبحوثين يتقاضون رواتب تقاعدية من الدولة، وأن 3, 63% يتقاضون معونة من الضمان الاجتماعي.

مساحات صغيرة

أما فيما يتعلق ببند خصائص المسكن فقد وجدت الدراسة أن أكثر من نصف المبحوثين (أي 57%) لا يوجد مساحات محددة مخصصة في المنزل لهم، أما الذين يوجد لهم مساحات من المنزل محددة خاصة بهم فإنها بالمجمل صغيرة، وبينت الدراسة أن 2, 16% فقط لا تزيد المساحة المخصصة لهم في المنزل على 70 مترا مربعاً.

وكما هو معروف فإن الإنسان يكون أكثر تعرضاً للإصابة بالأمراض كلما تقدم في العمر، ولذلك فإن هذه الشريحة تعتبر الأكثر حاجه إلى الخدمات الصحية مقارنة مع غيرها من شرائح المجتمع، وفي هذا الجانب قال د. العموش:

«لقد كانت الناحية الصحية أحد أبرز البنود التي تطرقت إليها الدراسة والتي توصلنا فيها إلى أن 5, 30% من العينة يعانون من ضعف في النظر، و27% يعانون من النوم المتقطع، وأن 20% يعانون من صعوبة في التنفس، في حين أن 27% منهم يعاني من مرض السكري، وتوصلت الدراسة إلى أن 2% فقط يمارسون الرياضة بشكل دائم، مقارنة مع 47% لا يمارسونها أبداً، وبالاعتماد على هذه النتائج فإن الدراسة أثبتت أن معظم المسنين يعانون من الأمراض كلما تقدم بهم العمر.

حيث بينت بأن ارتفاع ضغط الدم يحتل المرتبة الأولى، تلاه المعاناة عند صعود الدرج، والنوم المتقطع والمضطرب، ثم صعوبة التنقل والحركة، وضعف النظر والسكري، وأن الذكور يعانون أكثر من الإناث في النواحي الصحية».

الخوف من الموت

من ناحية أخرى، تطرقت دراسة العموش إلى بند الخوف من الموت، حيث هدفت الدراسة إلى قياس مدى سيطرة فكرة الموت على المسن، وحول ذلك قال العموش: «حرصنا أثناء العمل في الدراسة على معرفة مدى سيطرة فكرة الخوف من الموت على المسن، وقد وجدنا بأن 23% يترقبون الموت من وقت لآخر، في حين أن 18% لا يحبون الأحاديث التي تتعلق بالموت.

بالإضافة إلى ذلك وجدنا أن الموت يسيطر على تفكير 5, 14% من المبحوثين، وأن 15% منهم يقومون بزيارة القبور من وقت لآخر، وبعد البحث والدراسة وجدنا بأن هذه النتائج تتفق مع نتائج الدراسات العالمية السابقة والتي خلصت جميعها إلى خوف المسنين من الموت».

الرعاية المنزلية

ترك المسن في دور رعاية المسنين كان له تأثير سلبي عليهم، إلى جانب أنه ساهم في سلخهم عن المجتمع وإيقاعهم في أمراض عدة، وحول هذا الجانب قال العموش: «لقد كشفت الدراسة عن عدة مشكلات يعاني منها المسنون داخل الدولة.

وفي ذلك وجدنا بأن 6, 16% يشعرون دائماً بالخوف والقلق من المستقبل، وأن 1, 4% ليسوا على وفاق مع أفراد أسرهم، وأن 5, 11% منهم يعانون من الملل والفراغ، في حين يعاني 8, 8% من الحزن والكآبة، وتوصلت الدراسة إلى أن 9, 10% يشعرون بالعزلة والوحدة، وأن 8, 27% لا يشعرون بأنهم عالة على الآخرين».

وأضاف: فيلابناءً على النتائج المسبقة فإن الإناث يعانين من هذه المشكلات أكثر من الذكور، وتزداد حدتها كلما تقدم العمر وتنخفض مع ارتفاع مستوى الدخل الشهري».

ومن جهة أخرى، كشفت الدراسة عن أن نسبة الأمية ترتفع بين المسنين داخل الدولة بشكل ملحوظ، وتصل إلى 8, 81%، في حين شكلت نسبة الذين يعرفون القراءة والكتابة إلى 3, 11% علماً بأن نسبة حملة الشهادة الثانوية لم تتعد الـ 2%.

تفاعل اجتماعي

وكانت دراسة العموش قد ركزت على التفاعل الاجتماعي للمسنين، حيث كشفت عن أن تفاعلهم جاء قوياً مع كل من الأبناء المتزوجين والبنات المتزوجات والأحفاد والحفيدات، وجاءت زيارة أقارب المسنين لهم في منازلهم في المرتبة الثانية، ومن ثم زيارة الأصدقاء.

حيث بينت الدراسة بأن 7, 21% منهم يحرصون على المشاركة في المناسبات الاجتماعية، وقال 4, 26% بأن الأصدقاء يزورونهم في بيوتهم، وذلك مقابل 9, 12% قالوا بأنهم هم الذين يبادرون بزيارة الأصدقاء في بيوتهم. وخلصت الدراسة إلى أن الذكور أكثر تفاعلا من الإناث من الناحية الاجتماعية، ويقل تفاعلهم بتقدم أعمارهم، في حين أن هذا التفاعل يزداد بارتفاع دخولهم الشهرية.

كما كشفت الدراسة عن أن تأدية الشعائر الدينية تحتل المرتبة الأولى من بين الأنشطة التي يمارسها المسنون، ولم تظهر الدراسة أية فروق معنوية من حيث المعتقدات الدينية للمسنين وتأديتهم للشعائر الدينية تعود لأي من متغير الجنس أو العمر أو الدخل الشهري.

اهتمام بالمسنين

جدير بالذكر ان دولة الإمارات اهتمت بفئة المسنين والتزمت في توفير الرعاية التي يحتاجونها، حيث أصدرت عددا من التشريعات لتوفير الضمانات القانونية لحقوق هذه الفئة، وتشترك معظم التشريعات الوطنية الاجتماعية في إدماج الشيخوخة أو كبار السن مع الفئات الأخرى، وانطلق قانون الرعاية الاجتماعية الإنسانية في الإمارات من نفس الأهداف والمبادئ التي تعتمدها الشريعة الإسلامية ومن الواقع الاجتماعي والحضاري للمنطقة.

دعوة لإبراز دور المسنين في تنشئة الجيل الحديث

كشفت جامعة الشارقة بمناسبة اليوم العالمي للمسنين والذي يصادف الأول أكتوبر من كل عام، عن دراسة ميدانية بعنوان واقع المسنين داخل الإمارات، قام بإعدادها البروفيسور أحمد العموش، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، وأثارت اهتمام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي يتبنى فكرة «الرعاية المنزلية للمسنين»، ووجه بضرورة تنفيذها في الشارقة، وهي ذات الفكرة التي بدأ العديد من دول العالم بتنفيذها، أملاً بتحقيق واقع أفضل لهذه الشريحة.

وكانت الدراسة التي أجريت على عينة قوامها 488 مسناً، قد كشفت عن نتائج مهمة أبرزها تفشي نسبة الأمية بين المسنين الذين يعانون من الانفعال السريع وشعورهم بالقلق والخوف من المستقبل. كما بينت الدراسة أن 5, 30% من العينة يعانون من ضعف في البصر، و20% يعانون من صعوبة في التنفس.

ودعا د. العموش إلى ضرورة التركيز على مسألة التوعية والتثقيف في المجتمع لإبراز الأدوار التي لعبها المسنين والأعباء التي تحملوها في سبيل تنشئة الجيل الحديث.

غسان خروب