هناك مقولة تطغى عليها الفلسفة المبالغ فيها تقول إن فترة الخطوبة تشهد الاسترسال في الحديث من جانب الخاطب والاستماع من جانب المخطوبة ثم في مرحلة شهر العسل تتحدث الزوجة كثيراً وينصت الزوج أما في نهاية السنة الأولى من الزواج فيتحدث الاثنان وينصت الجيران!!
وعلى الرغم من المبالغة الفلسفية الموجودة في المقولة السابقة فإن الواقع يشهد على وجود حالة من الترقب والتفاهم المؤقت بين الزوجين خلال المراحل الأولى من حياتهما ثم تتغير هذه الأوضاع ليحل محلها إما نوع من الاستقرار ووجود سمات محددة للحياة بين الزوجين وإما عدم راحة من الطرفين نتيجة ظهور عدد من المنغصات وقد تنتهي هذه المنغصات بأحد سبيلين.
إما أن يتغير الطرفان أو كلاهما إلى ما يرضي الطرف الآخر ولو مرحلياً وإما الانفصال بوجهيه: انفصال هادئ يتمنى فيه كل طرف التوفيق للآخر أو انفصال صاخب يدوي في أرجاء الأسرتين وربما يؤذي الأبناء نفسياً واجتماعياً. وهنا يثور سؤال مهم أليس من الأولى الاتفاق على الانفصال دون ضجة وانفلات أعصاب وتجريح؟ أليس من الأفضل التسريح بإحسان كما أمرنا الدين الإسلامي؟
فهم العلاقة
في البداية قال محمد المنصوري - موظف - إن العلاقة الزوجية لا بد أن يفهمها الزوجان قبل الإقدام عليها لمعرفة أبعادها الاجتماعية وكيفية التعامل الصحيح معها فهناك تقارب مفاجئ يحدث بين عشية وضحاها بين شخصين ربما لا يعرف كل منهما عن الآخر سوى القشور وربما لا يعرف عنه شيئاً على الإطلاق وهذا التقارب يقتضي التفاهم على كل التفاصيل حتى لا تفشل العلاقة من بدايتها لأسباب تافهة لا ترقى إلى تسميتها مشكلات أسرية ولا بد لكل طرف من تقديم النوايا الحسنة على سوء الظن حتى تستقيم الحياة ويستطيع كلاهما التعرف الى الآخر بشكل صحيح.
ويضيف المنصوري أن الفشل في بعض الأحيان قد يكون نصيب أسرة لسبب أو لآخر ولا يعني ذلك أن تتحول العلاقة بينهما إلى مشاجرات يومية وربما يبادر أحد الطرفين إلى اقتراح الانفصال دون أن يعني ذلك حرفياً فتكون النتيجة أن يعزز الطرف الآخر هذا الاختيار حفاظاً على كرامته ولكن كيف تنتهي الحياة الزوجية بينهما؟
لا بد من الاتفاق على صيغة واحدة فيما بينهما لتقديمها إلى المجتمع إذا أراد أحد أن يعرف سبب الانفصال ذلك إذا كان الانفصال فعلاً هو الحل الوحيد ثم الخروج بالمعروف كما تم الدخول إلى الموضوع بالمعروف.
ويشير المنصوري إلى الأسباب التي تدفع بالطرفين إلى افتعال المشكلات لدى الانفصال وأغلبها أسباب مادية إذ ربما يسعى كل طرف إلى كسب أقصى ما يمكنه من المكاسب المادية لتساعده على بداية المشوار من جديد مع طرف آخر وخاصة الزوج الذي ينفق مبالغ طائلة على مشروع الزواج.
ثم يجد نفسه مطالباً بتكرار الكرة مرة أخرى مع تجربة جديدة إلا أن ذلك السبب لا يجدر به أن يكون مبرراً للإساءة وخاصة عندما يكون كل منهما من عائلة محترمة ولديه أبناء من هذه الزيجة ولا يجدر بهم الاطلاع على الخلافات بين الوالدين عند الانفصال.
دلالات الانفصال
وقال عبد الله الخليفي - مدير خدمة العملاء بإحدى المؤسسات - إن انفصال الزوجين بحد ذاته مشكلة اجتماعية يعاني منها المجتمع العربي بشكل عام، والمجتمع الخليجي بصفة خاصة وعلى الرغم من اختلاف الأسباب التي يسوقها العلماء والمثقفونٍ لهذه الظاهرة إلا أن الشكل الذي يأخذه الانفصال أيضاً له دلالات كثيرة ففي المجتمع الغربي الذي لا تناسبنا على الأغلب عاداته الاجتماعية وثقافته المنفتحة نرى أن انفصال الزوجين يتم في تناغم تام يراعي حقوق كل الأطراف.
وخاصة الأطفال الصغار لو كان للزوجين أبناء ويحرص هؤلاء ضمن تقاليد مجتمعهم على عدم الإضرار بمصالح الأطفال عند الانفصال فنجد الاستشارات فيما يتعلق بهم بين الزوجين المنفصلين مستمرة ويتبادل كلاهما رعاية الأطفال ومتابعة الأداء الدراسي والحالة النفسية لهم بل ويظل الطرفان على علاقة صداقة حتى بعد ارتباط كل منهما بشريك جديد.
ويضيف الخليفي أن التواصل بين الزوجين المنفصلين لمصلحة الأبناء قد يستمر إلى أن يبلغوا مرحلة عمرية معينة، يمكنهم معها فهم طبيعة العلاقة الفاشلة التي لم تؤثر سلباً في مستقبلهم أما في مجتمعنا الذي يتحلى بالطابع الشرقي فنجد حالات تخرج على التقاليد المجتمعية وعلى الوصاية التي وصانا إياها الدين بأن نمسكهن بمعروف أو نسرحهن بإحسان.
ونجد بعض حالات الانفصال تتم في ساحات النزاع وكأنهم أعداء ونجد الخلاف قد يصل بهم إلى مراكز الشرطة أو ساحات القضاء مع أن الأصل في الموضوع هو العلاقة الإنسانية التي تربط كلا الطرفين وتجمع بينهما في ود وإذا فشل الحفاظ على هذا الود فلا يجب التحول إلى إدارة صراع على أحقية أحدهما في الخروج فائزاً من الصراع فليس ذلك من شيم المجتمعات الشرقية ولا الأزواج المتمسكين بالدين.
ويشير الخليفي إلى أن انفلات الأعصاب والتوتر الذي يعيشه كل من الزوجين المتفقين على الانفصال يؤدي إلى شعور كليهما بالتحدي في تصرفات الآخر مما يترتب عليه فشل جهود الوساطة بينهما والوقوع في براثن العناد.
طرق مسدودة
وتنفي سميرة بكر - معدة برامج بإحدى القنوات الفضائية - أن يكون الضجيج أحد مستلزمات الانفصال بين الزوجين فهناك حالات كثيرة من الانفصال تمت بمنتهى العقلانية على حد قولها وتضيف أن الزوجة عندما تصل إلى طريق مسدود مع زوج غير متفاهم وحاد الطباع ودائم الإهانة وشديد العصبية يحول كل ذلك حياتها إلى جحيم لا يطاق وتصل إلى المرحلة التي تضع عندها حياتها الصاخبة مع زوجها في كفة وحياتها كمطلقة ووحيدة في كفة أخرى وتكون النتيجة أن ترجح الكفة الأخيرة فتقوم الزوجة بالتنازل عن كل حقوقها للزوج مقابل «إخلاء سبيلها» من الحياة القاسية التي تعيشها.
وتضيف سميرة أنها تعرف زوجة طلبت الانفصال من زوجها الذي كان يسيء معاملتها ويتعمد إهانتها أمام أفراد أسرتها وكان هذا الزوج في وضع مادي سيئ اضطره إلى الاستدانة منها مبالغ كبيرة يسدد من خلالها التزاماته المالية لدى شركاء العمل والبنوك وعندما طلبت الطلاق كانت تعرف أنها لن تستطيع الحصول على أموالها التي تمثل بالنسبة لها «تحويشة العمر».
ومع ذلك رفضت تصعيد الموقف من الناحية القانونية ورفضت مطالبة زوجها بحقوقها المادية الخاصة والتي فرضتها الحياة الزوجية وقالت إن أية خصومات أمام جهات رسمية في هذا الشأن سوف يتذكرها الأطفال عندما يكبرون وربما يعانون من معايرة زملاء الدراسة أو الأصدقاء بأن والديهما كانوا على خلاف كبير عند الانفصال.
وتشير سميرة إلى أن بعض الأزواج يفكرون بمبدأ الحصول على أكبر ما يمكن من المكاسب المادية عند الانفصال غير أن بعضهم لا يعي أن الزوجة ربما تراعي مصالح الأبناء أو تراعي اسم عائلتها فلا تطالب بحقوقها ولكن لا يعني ذلك سقوط هذه الحقوق وإذا تنازلت عنها في دار الدنيا فلها الحق في المطالبة بها في دار البقاء.
ثقافة الزوجين
وقالت المهندسة المعمارية سامية القليوبي إن هناك عدة عوامل تتدخل في تحديد شكل الانفصال بين الزوجين وهل يأخذ الصورة الحادة أم يكون تسريحا بإحسان وأول وأهم هذه العوامل هي ثقافة الزوجين العامة، وإلى أي مدى تتفق هذه الثقافة مع تعليمات الدين ومع عادات المجتمع الذي يعيشون فيه فعلى سبيل المثال نجد زوجين على خلاف فيما بينهما.
ولكن كلا منهما يعتبر الدين هو مرجعيته الأساسية وهنا يفرض عليهما هذا المعتقد أن ينفصلا بإحسان حتى ولو كان أحد الطرفين خاسرا مادياً أما إذا كان الزوجان يعيشان في مجتمع يتسم بالمبالغة في الخصومة والرغبة في الانتقام، فنجد أن الانفصال يشوبه السلوك العنيف وتبادل الاتهامات، وظهور العوامل المادية على السطح كوسائل ضغط ولا سبيل إلى توفير حل في معظم هذه الحالات إلا بالاحتكام إلى السلطات.
وتضيف سامية القليوبي بقولها: من المؤسف أن مشاعر الود والتراحم التي بدأت بها الحياة الزوجية تتحول إلى رغبة محمومة في الانتقام والأحاسيس الطيبة التي تبادلها الطرفان يوماً ما تتحول في هذه الحالة إلى مشاعر غضب عمياء وربما يتطور الأمر إلى كشف أحد الأطراف لأسرار الطرف الآخر على الملأ، رغبة منه في الإذلال أو الضغط عليه للتنازل عن حقوقه.
معدلات الطلاق
قال الدكتور أحمد أنور أستاذ ورئيس قسم الثقافة المجتمعية بجامعة دبي، إن نسب الطلاق مرتفعة جدا على مستوى العالم فهناك ما يشكل 43% من الزيجات الأولى تنتهي بالطلاق قبل أن ينقضي عليها 15عاماً كما أن نسبة الطلاق في الإمارات وصلت إلى 46%، وفي قطر 38%، وفي الكويت 35%.
وهذه الأرقام طبقاً لدراسة تمت في عام 2003 وشملت عدداً من الدول العربية وكل الأقطار الخليجية وتتحدث الأرقام مؤخراً عن ارتفاع معدلات الطلاق وانخفاض معدلات الزواج، ويرجع الخبراء هذا إلى الأزمة الاقتصادية العالمية وإلى أسباب تقليدية أخرى مثل الخيانة الزوجية. وهناك نماذج نظرية متعددة لتفسير العلاقات الإنسانية الثنائية مثل الزواج والصداقة وما إلى ذلك.
حرص
إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان
يحرص الدين على العلاقة ما بين طرفي المعادلة الزوجية على اعتبار أن الحياة الزوجية تبدأ وتنتهي بكلمة من الله عز وجل وهذا واضح من الدلائل التي وردت في الكتاب والسنة، حيث جاء النص في سورة البقرة يحث الزوج على الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان كما أوصانا القرآن ألا نمسك النساء ضراراً لنعتدي عليهن والمنهج الديني واضح في الدعوة إلى عدم الانتقام لدى انقضاء الزواج بالفشل.
كما يدعونا الدين إلى عدم استغلال أحد الطرفين مواضع الضعف لدى الطرف الآخر، وعدم التعدي عليه ظلماً سواء من الناحية المادية أو المعنوية أيضاً تدعونا الشريعة السمحة إلى التعامل بالفضل لا بالعدل بمعنى ألا يتمسك كلا الطرفين بحذافير حقوقه لدى الطرف الآخر حتى لا يتسبب في إحراجه أو إيذائه معنوياً إذ ربما لا يستطيع الوفاء بما عليه من التزامات مادية تجاه الطرف الآخر.
أيضاً يدعونا الدين إلى التفاهم فيما يخص مستقبل الأطفال من حيث حضانتهم ومصالحهم واحتياجاتهم التي تترتب على كل طرف من الطرفين بعد الانفصال كما يحثنا على عدم إفشاء الأسرار الزوجية والامتناع عن الإساءة للطرف الآخر أمام الأطفال.
عوامل
أسباب انفصال الزوجين ومظاهره
قال الدكتور أحمد أنور أستاذ الثقافة المجتمعية في جامعة دبي إن انفصال الزوجين يرجع إلى عدة عوامل منها الدرجة العلمية التي وصل إليها كلاهما أو أحدهما ومدى ارتباط كل منهما بموروثاته الاجتماعية التي اكتسبها من الجماعة التي ينتمي إليها وهي أسرته وكذلك تتأثر الصورة التي يتخذها شكل الانفصال بين الزوجين بوجود أطفال من عدمه.
حيث يميل كلاهما إلى عدم الإساءة إلى الآخر حرصاً على مصلحة الأطفال وأيضاً للعامل النفسي دور في وجود مظاهر عنف خلال الانفصال ولكنها قد تفسر على أنها رغبة خفية من كل طرف في الاحتفاظ بالطرف الآخر.
ويضيف الدكتور أنور أن ثقافة الزوجين تسهم في وضع إطار لموضوع الانفصال بينهما فهناك في الثقافات الشرقية اعتقاد لدى بعض النساء أن خسارتها للزوج لا تعادلها أية خسارة أخرى من أي نوع.
وبالتالي لا تهتم بالحصول على حقوقها المادية بينما تتخذ المرأة في الثقافة الغربية موقفاً إيجابياً من الزوج، للتواصل بعد الانفصال لمتابعة التطور الدراسي للأبناء حتى لا يضيع مستقبلهم نتيجة الانفصال بينما ترى بعض الثقافات أن الانفصال يستوجب التوقف التام عن التواصل بين الطرفين وتغالي بعض الحالات في الإساءة والانتقام.
دبي - أيمن حجازي

