عندما تزور الفجيرة لأول مرة تستوقفك الطبيعة الخلابة لتزرع في داخلك رغبة عارمة في استكشاف ملامح الجمال في كل شبر من أراضيها الغنية بالمرتفعات الجبلية، وإذا تصادف أن جاءت هذه الزيارة في فصل الشتاء فتأكد أنه التوقيت الملائم للتعرف على أجمل مرتفعات ووديان تنافس في روعتها جبال القارة الأوروبية مجتمعة، وربما تتفوق عليها.

وعلى الرغم من تنوع المقاصد السياحية في الفجيرة، وعلى الرغم من ثراء المشهد بالعديد من المزارات والأماكن التي ترضي كل الهوايات والأذواق، إلا أن الطبيعة الجبلية للفجيرة والعناق الودي الأزلي الأبدي بين البحر والجبل أعطى لهذه البقعة من العالم مذاقاً خاصاً جعل الحركة السياحية تتدفق إليها طوال العام، بعض هؤلاء يحضرون إليها لأول مرة، والآخرون يعاودون الكرة بعدما تركت أول زيارة للفجيرة أثراً طيباً في نفوسهم.

يقول السائح مايكل إدفوريرور من بريطانيا إن زيارته لمنطقة العقة منذ عامين كانت ثرية بالجولات الحرة وتسلق الجبال والسير في الوديان على الأقدام وكذلك بالسيارات، وهذه الزيارة الأولى لم تستغرق سوى أربعة أيام فقط لأنها كانت زيارة عمل، أما هذه المرة فقد قرر أن يعود مرة أخرى لقضاء أسبوعين في أجمل بقاع الأرض، على حد تعبيره، حيث تتوافر كل مقومات المغامرة والنزهة في أحضان الطبيعة الجبلية التي تميز الفجيرة.

ويضيف إدفوريرور أنه زار العديد من المناطق السياحية في الفجيرة إلا أنه توقف كثيراً أمام السلاسل الجبلية التي تحيط بالإمارة وتعطيها شخصيتها الساحرة حيث يمكن أن نسميها مدينة الجبال الشاهقة، ويؤكد أنه قام بارتياد هذه الجبال من خلال برنامج أقامته له ولزملائه من السائحين إحدى الشركات. حيث جاب الجبال والوديان المنتشرة في منطقة العقة بصحبة دليل يقود سيارة رباعية الدفع، وخلال هذه الرحلة استطاع أن يرى الوجه الجميل من الجبال، فهي ليست كما نظنها خالية من الحياة، بل على العكس تماماً أرى أنها مفعمة بالحياة البرية والمناخ المتوازن والأشجار التي تحيا حياتها الطبيعية في أحضان الجبال والمشاهد التي تستحق أن نقطع من أجلها آلاف الكيلومترات لكي نستمتع بها، ويضيف أن وعورة الطريق وصعوبة المرتفعات والتواء الطرق بين الوديان والجبال أضفى على هذه الرحلة المزيد من طابع المغامرة والتشويق.

أمطار الخير

يشير مايكل إدفوريرور إلى أن مياه الأمطار هطلت صدفة عند عبورهم أحد الوديان فتمكن من مشاهدة المياه العذبة وهي تجري في الوادي، وتنمو نتيجة ذلك بعض النباتات الصغيرة على جانبي الطريق لتضفي على المكان رونقاً طبيعياً جذاباً، ويضيف أن أهم وادٍ شاهده ويتذكر اسمه هو وادي (هم) المعروف لدى المواطنين والسياح العرب بوادي (حام) والذي يعتقد أنه أكبر الوديان طولاً وأقربها إلى المدينة وأهمها بالنسبة للسائحين.

يؤكد إدفوريرور على توافر عنصر الأمان الذي شجعه على تكرار الزيارة، كما يؤكد على خصوصية سياحة الجبال في الفجيرة كونها تتمتع بالمناخ المعتدل والمناطق السياحية والخدمات الكفيلة بإرضاء السائح.

ويضيف أن المواسم التي تفيض خلالها مياه الأمطار في الوديان تمثل أهم المواسم التي يريد السائح حضورها لأنها تتميز بلحظ نادرة يجدر تسجيلها ربما لنقص الأمطار في المنطقة، أو لاعتبارها أمطار الخير التي يطول انتظارها.

مناطق مختلفة

وتقول ماجي لوفير وهي سائحة فرنسية حضرت من بلادها لمشاهدة المناطق الجبلية في الفجيرة أن هناك عوامل محددة تضع المنطقة إما على رأس قائمة الأماكن السياحية أو تجعلها في ذيل هذه القائمة، أحد أهم هذه العوامل هو وجود مشاهد مختلفة عما يشاهده كل منا في بلاده، فمثلاً في الريف الفرنسي لا تشاهد الجبال بل ترى الأراضي الخضراء المنبسطة إلى ما لا نهاية، أما المناطق الجبلية فتقع على الحدود مع الدول المجاورة وهي شديدة الارتفاع والبرودة بحيث لا تتميز إلا في سياحة التزلق على الجليد.. أما الجبال التي تراها هنا فتتمتع باعتدال المناخ وحداثة المشهد.

تضيف لوفير أن الشعور بالأمان يعتبر أحد أهم متطلبات العمل السياحي الناجح، فلا ينتقل الإنسان من بلاده ليعرض نفسه لخطر حيوان مفترس أو غيره من مصادر الخطر، وقد شعرت بغاية الأمان خلال تجولها بصحبة الفوج في وديان الفجيرة وجبالها الشاهقة، مما ضاعف الشعور بالمتعة، أما آخر العوامل المهمة الضرورية لنجاح المنطقة في الجذب السياحي على حد قولها فهو معاملة أهل البلاد للسائحين وطريقة استقبالهم للضيوف، وهنا في الفجيرة وجدت الكرم العربي الأصيل من خلال التعامل معنا في المناطق السياحية وفي الفندق.

الجبل والبحر

تشير لوفير إلى أن الجبال تمثل حقباً مختلفة من الأزمنة وأجمل ما شاهدت من المناظر الجبلية في الفجيرة هو مشهد إطلالة القمم الجبلية على البحر، وهو مشهد نادر أن نرى الصخور جنباً إلى جنب مع الرمال مع مياه البحر، كما تؤكد أن انسياب المياه العذبة في الأودية الطبيعية بين الجبال مشهد رائع يجب على الجميع الحضور من كل بلاد العالم لمشاهدته.

وتشير لوفير إلى أنها استمتعت بالرحلة البرية التي شاركت فيها حيث طافت السيارة بالعديد من الأودية واستطاعت مشاهدة بعض الأودية التي تحركت فيها المياه بعد الأمطار التي هطلت على المدينة بالأمس، وتعتبر هذه المغامرة من أهم الرحلات التي قامت بها في حياتها.

تضيف لوفير إلى أن زيارتها إلى جبال الفجيرة هي الأولى بعد أن قامت بزيارة العديد من دول العالم بعد تقاعدها، إلا أنها وجدت في الفجيرة ما لم تجده في أي مكان آخر في العالم.

الاستكشاف

أما كريستين بتساناتو من إيطاليا فتؤكد على أن المناطق الجبلية في الفجيرة لا تزال بحاجة إلى الاستكشاف من جانب هواة الجبال، ولعل أهم ما يميز هذه المناطق هو وجود الوديان التي تقع بين ثنايا الجبال وتتعانق مع الشواطئ المنتشرة على طول الساحل.

وتضيف أنها فتحت موقع جوجل للخرائط على الكمبيوتر قبل أن تزور الفجيرة لتتعرف على طبيعة المكان وجغرافيته، ولم تصدق ما شاهدته حيث رأت على الصور التي التقطتها الأقمار الاصطناعية تعانق رائع بين البحر والجبل، وهو مشهد من النادر أن نجده في الطبيعة، واتخذت قرارها فوراً بالقدوم إلى هذه المدينة الجبلية لمشاهدة ما تحويه هذه المناطق من كنوز طبيعية.

تشير كريستين إلى أن هذه المناطق تختلف في تكوينها الجيولوجي عن باقي مناطق الإمارات نتيجة وجود هذه المرتفعات التي تنفرد بها الفجيرة وقد شاهدت هذه المرتفعات على أحد المواقع المتخصصة في التنشيط السياحي وكانت مكسوة بالكامل بالخضرة في موسم الشتاء، وهو مشهد رائع تتمنى أن يحالفها الحظ لمشاهدته مرة أخرى على الطبيعة خلال هذه الرحلة وقد اختارت لها ذلك التوقيت لتحصل على هدفها.

مناخ دافئ

تضيف بتساناتو أن المناخ في المناطق الجبلية في الغالب يكون شديد البرودة مما يضطر السائحين من مرتادي الوديان والمناطق المرتفعة إلى اصطحاب أدوات التدفئة، أما مناخ جبال الفجيرة فهي تتميز بالدفء الطبيعي والشمس المشرقة والليل المعتدل.

تصف بتساناتو رحلتها الماضية إلى جبال الهيمالايا بأنها كانت مغامرة غير محسوبة، كان الثلج يغير كثيراً من خطط وبرامج الرحلة، بينما لم ينتابها ذلك الشعور هنا في الجبال والوديان التي تنتشر في الفجيرة لأن الطقس والحالة العامة وتعامل الناس معها أدى إلى استمتاعها برحلتها وتعتزم دعوة صديقاتها في إيطاليا إلى زيارة الفجيرة.

عنصر جذب

يؤكد باتريك أنطاكي مدير عام فندق العقة بالفجيرة وفندق المها في دبي أن سياحة المناطق الجبلية والوديان منتشرة في الفجيرة حيث أن أعداداً كبيرة من نزلاء الفندق يعشقون الطبيعة الجبلية التي تتميز بها المنطقة، خاصة الأوروبيين، حيث يقبل الألمان والبريطانيون والسويديون والفرنسيون على الفجيرة في مثل هذا الوقت من العام للاستمتاع بجمال الطبيعة والمناخ الرائع خلال فصل الشتاء.

ويضيف أنطاكي أن الفجيرة تتمتع بالعديد من المزارات السياحية ذات السمعة الطيبة في العالم مثل الشواطئ التي تمتد على مساحة كبيرة بمحاذاة الجبال، ويقع قسم منها على جزء مستو تم تجهيز كورنيش رائع فيه للاستمتاع بأجواء البحر، كما تضم الفجيرة قلعتين أثريتين ومتحفاً وحديقة وحصناً وقرية للتراث ومحميات للحياة البحرية الطبيعية.

وعن سياحة مرتادي الجبال يقول أنطاكي أن السلاسل الجبلية التي تطل عليها الفجيرة تشجع هؤلاء السياح على ارتيادها لعدة أسباب أهمها الشعور بالأمان خلال التجول بين هذه الجبال فلا يوجد أي مصدر للإزعاج أو القلق، فلا يوجد أي نوع من الحيوانات الخطرة كما لا تشكل القمم الجبلية أية خطورة لوجود العلامات الإرشادية اللازمة للتجول الآمن، كما يمكن للهواة الاستمتاع بصيد السمك خلال رحلات الجبال في الشواطئ التي تمتد بطول 70 كيلومتراً وتشرف عليها القمم الجبلية.

يؤكد أنطاكي أن هذه المناطق تشكل الطبيعة البكر التي يبحث عنها هواة الهدوء والاستمتاع بأجواء الجبال الشاهقة وعلماء الطبقات الأرضية والأزواج حديثي الزواج ممن يبحثن عن مكان خاص لقضاء شهر العسل.

شلالات وادي الوريعة العذبة

تعتبر شلالات وادي الوريعة أحد أهم الشلالات التي تجري في الفجيرة عند جريان المياه العذبة خلالها، وقد تحولت منذ فترة إلى محمية أطلق عليها محمية الوريعة الجبلية، وتتميز هذه الشلالات بوجود مساقط للمياه العذبة تندفع منها المياه إذا فاضت على اتساع المنطقة الصخرية لتسقط في الوادي من ارتفاع كبير محدثة صوتاً هادراً ومكونة شكلاً طبيعياً غاية في الجمال.

ومن المناطق التي تتميز بوجود شلالات أيضاً في الفجيرة شلالات وادي الفاي وتقع في منطقة الطويين وهي منطقة جبلية يقصدها السائحون لمشاهدة طبيعتها الساحرة، ويمكن للسائحين إقامة الخيام أو ترتيب رحلات سفاري في منطقة وادي الوريعة التي تبعد 55 كيلو متراً إلى الشمال من مدينة الفجيرة، وهذه المنطقة تضم عدداً من الأودية السحيقة التي تتفرع منها الفروع الصغيرة عقب هطول الأمطار وتستمر في مساراتها حتى تصل إلى شواطئ دبا الفجيرة.

ومن أهم المزارات السياحية فيها القلعة الأثرية التي تبعد كيلومترين فقط عن المدينة ومسجد البدية الذي يعود تاريخ إنشائه إلى ما يزيد على400 عام، وحصن الحيل ويقع في قرية الحيل على بعد 8 كيلو مترات جنوب غرب مدينة الفجيرة أحد أهم الحصون في الإمارة.

5611

تتميز الفجيرة بالموقع الجغرافي المهم حيث تقع أقصى شرق شبه الجزيرة العربية، ويقع ساحل عمان على حدودها الشرقية وتقع إمارة رأس الخيمة على حدودها الغربية، ومن الجنوب تحدها مدينة كلباء التابعة لإمارة الشارقة، وتطل على ساحل عمان. تبلغ المساحة الإجمالية للإمارة 1165 كيلومتراً مربعاً وبهذه المساحة تعادل 5,1% من مجموع مساحة الدولة، وهي إمارة جبلية، تمتد على خليج عمان بمسافة 70 كيلومتراً من قرية أوحلة حتى دبا الفجيرة شمالاً.

وتعرف تضاريس الفجيرة بأنها متغايرة، حيث تبرز أراض جبلية مرتفعة وأخرى أقل ارتفاعاً ومناطق سهلية مستوية وشواطئ بحرية ومناطق صحراوية وواحات زراعية خضراء.

ويسود الإمارة مناخ شبه صحراوي حيث تتباين درجات الحرارة وتقل الأمطار وترتفع نسبة التبخر كما تتفاوت درجة الرطوبة ونسبتها من شهر إلى آخر خلال العام، وتشتهر الفجيرة بكثرة وديانها وأفلاجها ومياهها العذبة، إضافة إلى توفر المياه الكبريتية الساخنة التي تستخدم للاستشفاء والعلاج من الأمراض وخاصة الروماتيزم، وقد تميزت الإمارة بثرواتها المائية خاصة خلال فصل الشتاء حيث تفيض المياه وتملأ الأودية ومن أشهرها وادي السيجي ووادي حام.

أيمن حجازي