عندما اشتعلت الحرب في أكتوبر عام 1973 بين العرب وإسرائيل كان الشيخ زايد في زيارة للعاصمة البريطانية، وكان طبيعياً أن تتحرك الدول العربية وتقف إلى جانب شقيقاتها المشتبكة مع العدو الصهيوني.

ولم يتردد الشيخ زايد لحظة واحدة باتخاذ قراره التاريخي بدعم المعركة القومية حتى آخر فلس في خزينته، وعندما عجزت خزينته لم يتردد بنخوة العربي وشهامته أن يقترض ملايين الجنيهات الاسترلينية من البنوك الأجنبية في لندن وإرسالها على الفور إلى مصر وسوريا.

كما قام بقطع زيارته للعاصمة البريطانية وعاد ليشارك الأشقاء معركتهم المصيرية، والوقوف مع دول المواجهة بكل إمكانياته المادية وثقله السياسي. وفي مؤتمره الصحافي الذي عقده في لندن في أكتوبر 1973 قبل عودته إلى البلاد أكد الشيخ زايد موقف بلاده في دعم دول المواجهة، ووقوفه إلى جانبهم بكل وضوح وحسم.

ويومها قال كلمته المشهورة التي تكررها الجماهير في العالم العربي في كل مناسبة سنقف مع المقاتلين في مصر وسوريا بكل ما نملك، ليس المال أغلى من الدم العربي وليس النفط أغلى من الدماء العربية التي اختلطت على ارض جبهة القتال في مصر وسوريا.

ووضعت دولة الإمارات العربية المتحدة بتوجيه من الشيخ زايد الرئيس والقائد كل ثقلها في المعركة فأجهزة الإعلام أعلنت الطوارئ القصوى في أجهزتها المختلفة، ووجهت كل طاقاتها الإعلامية لدعم المعركة، وتهيأ جيش الإمارات للتحرك في أي وقت يطلب منه المشاركة الفعلية في القتال، وفتحت الدولة رسمياً مكاتب للتطوع في المعركة.

وفرضت ضريبة جهاد على التجار، والشركات العاملة فيها ونظمت مكاتب للتبرع الشعبي، بالإضافة إلى تبرع العاملين فيها بمرتب شهر كامل بمبادرة ذاتية بالإضافة إلى الرصيد الضخم الذي حدده الشيخ زايد للمعركة وقدره مئة مليون جنية استرليني لمساندة مصر وسوريا.

ناهيك عن الأرقام التي لا تزال في محيط الكتمان، فضلاً عن المساعدات العينية التي تمثلت في مستشفيات الميدان الجاهزة، وعربات الإسعاف، والمواد الطبية التي قدمت لمصر وسوريا هدية من شعب دولة الإمارات، وكل ذلك ترجمة لما قاله الشيخ زايد قبل المعركة «عندما تفتح أفواه المدافع، سوف نغلق على الفور صنابير البترول، ولن نكون بعيدين عن المعركة».

وهذا ما حدث حيث اتخذ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قرارا بمنع البترول عن الدول المساندة لإسرائيل في 1973 وبقيت الإمارات على قرارها وحدها ثلاثة أيام عندما اتخذت الدول العربية المنتجة للنفط نفس القرار.

اجل لقد كان الشيخ زايد عند عهده، وكان حقاً أول حاكم عربي يجسد القدوة، ويعلن تبرعه للمعركة، ويحدد موقفه بوضوح، لقد كان عملاقاً على مستوى معركة العمالقة. عندما سئل زايد وقتها من أحد الصحافيين الأجانب ألست خائفاً من الدول الكبرى؟ كان رد الشيخ زايد التاريخي: إن أكثر شيء يخاف عليه الإنسان هو روحه، وأنا لا أخاف على حياتي، وسأضحي بكل شيء في سبيل القضية العربية، إنني رجل مؤمن والمؤمن لا يخاف الا الله، وطوال أيام الحرب كان الشيخ زايد يتابع تطوراتها ساعة بساعة.

واتصل ثاني أيام الحرب بالرئيس أنور السادات وقال له: نحن معكم وربما وجودي هنا يمكنني من اقدم شيئاً للمعركة، فماذا يمكنني أن اقدم؟ ثم اتصل بالرئيس الأسد وقال له: أرجو أن تحدد سوريا ما الذي تريده دعماً لموقفها، إن إمكانيات دولة الإمارات كلها في سبيل خدمة المعركة. واتصل الشيخ زايد بسفير دولة الإمارات في لندن وطلب منه حجز جميع غرف إجراء العمليات الجراحية المتنقلة، وان يشتري هذا النوع من الغرف من كل أنحاء أوروبا ويرسلها فوراً إلى دمشق والقاهرة.

وطلب الشيخ زايد أن تقدم كافة التسهيلات لرجال الإعلام الذين يريدون زيارة جبهات القتال العربية، وان تكون جميع نفقاتهم على حسابه الشخصي، وسافر بالفعل 40 صحافياً إلى دمشق والقاهرة لتغطية أخبار المعارك، ممثلين لأكبر الدور الصحافية في بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا.

دبي ـ فريد وجدي