لكل يوم في حياته أحداث جديدة وتفاصيل مثيرة تحمل كماً من الشكاوى والتذمر، يتلقاها بصدر رحب، يمتص غضب أصحابها ويلبي طلباتهم، فينسى الزبون سبب غضبه وينصرف وهو راض عن الخدمات، وحين يعود للمكان مرة أخرى يسأل عنه وليلقي عليه التحية وغالباً ينتهي اللقاء بتبادل أرقام الهواتف. اليوم يأخذنا محمد عباس، مساعد مدير فرع جمعية الاتحاد التعاونية، ومشرف قسم الخضراوات والفواكه، إلى يوم في حياته.
كسر الخجل
يتفاجأ الناس بوجود العنصر المواطن في أماكن عرفت بعزوف المواطنين عن العمل فيها. مجال عملي في نظر الكثيرين صعب أو أنه لا يتناسب مع شريحة من الشباب المواطن، كما انه يقع في معمعة الخدمات والمنتجات التي يصعب حصد قبول الناس منها إلا بالجيد، ولكني وبكل ثقة استطعت تغيير تلك النظرة بمجرد وجودي في قسم الخضراوات والفواكه بجمعية الاتحاد التعاونية منذ 6 سنوات.
وكسرت حاجز الخجل الذي يتملك الشاب المواطن للعمل في مجال البيع بالتجزئة، فطالما هناك عمل شريف ولقمة عيش كريمة، فلا عيب في العمل في مجال يؤمن لي هذين الأمرين، بل أتمسك به مهما كلف الأمر طالما أني على أرض وطني واخدم فيه.
مهامي كثيرة تتطلب التواجد الدائم والتواصل المباشر مع الزبائن ومن مختلف الجنسيات والفئات، تنطلق ساعات عملي اليومي مع الثامنة صباحاً وتستمر حتى الخامسة مساء، وهذا الوقت المفترض لتأدية مهام وظيفتي، لكني لا اكترث بساعات العمل المحددة، فأنسى نفسي بين الخضراوات والفواكه، متنقلاً في القسم موجهاً هذا ومستمعاً لشكوى آخر.
ومرشداً الموظفين نحو العمل ومحفزاً إياهم على بذل المزيد من العطاء في سبيل إرضاء الزبون، هذا في الأيام العادية، أما عند وصول البضاعة الجديدة وفي أوقات الذروة مثل بداية وأواخر الشهر ومواسم الأعياد وفي رمضان، فإن وقت عملي مفتوح ولا ألتفت ولا أحصي ساعاته، فطبيعة عملي كما أفهمها تتطلب التواجد للإشراف على سير العمل، لأن عملي حركي ومفتوح ومباشر مع الناس ولا يتوقف عند ساعة معينة.
تحديات ذليلة
أغلب التحديات التي تواجهني هي شكاوى الناس من الازدحام داخل الجمعية وصعوبة الحصول على موقف للسيارة، وبدوري أتفهم معاناتهم وأتدخل في حل بعض الإشكاليات، وذلك من منطلق إيماني بأن الزبون إذا تلقى معاملة جيدة فإنه سيحرص على التردد إلينا مرات ومرات عديدة، ومن مهامي امتصاص غضب الزبائن.
من ذلك لمست ايجابيات كثيرة عند استماعي لشكاواهم وأسباب غضبهم، وتعلمت من هذا المجال أن أبحث عن نقطة ضعف الزبون لأصل لإرضائه، فإن كانت المشكلة تعذر الحصول على موقف فإني أعده بتوفير موقف خاص له في المرات المقبلة وأعطيه رقم هاتفي ليطمئن، إلى جانب أساليب أخرى اتبعها وتؤدي الغرض المطلوب في النهاية.
أقوم بتلك الأمور لإحساسي بالمسؤولية تجاه الزبائن الذين يكون جزء منهم أهلي وأقاربي وأصدقائي وأفراد مجتمعي، وعلى الرغم من أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، إلا أنني أضع تلك الأمور بمثابة التحديات التي أسعى جاهداً للتغلب عليها، وبطبيعة الحال يعد العمل في مجال الخضراوات والفواكه صعباً ومليئاً بالأحداث والمواقف.
ولا أنكر دعم الإدارة المتواصل وتشجيعها للكوادر المواطنة التي استطاعت اقتحام المجالات التي كانت مقتصرة على فئة معينة من الناس، وفي حال ورود شكاوى من قبل الناس فإن المدير العام يتواصل معنا مباشرة ويأتي إلينا لفهم الموضوع عن كثب.
عادة أتدخل لحل بعض الإشكاليات التي تنتج بسبب نقص الخضراوات، حيث خضعت لدورات عديدة سواء في السيطرة على الأوضاع والتعامل مع ضغوطات العمل ودورات في اللغات وأساليب التعامل مع التجار وتسعير المنتجات وغيرها، حيث نواجه استغلال أصحاب بعض البقالات في شراء كميات كبيرة من المنتجات بأسعار رمزية.
حيث تنتهج الجمعية سياسة توفير الكميات لجميع الزبائن من خلال إعطاء كل زبون كمية محددة على اعتبار أن نفاد الكميات مرده إلى شراء كميات كبيرة لغرض معين غالباً ما يكون للمطاعم، وهنا أود الإشارة إلى أن بعض الناس يلجؤون لتكديس المنتجات التي تشهد نقصاً في الدولة مثل الطماطم، ولا تتم الاستفادة منها حيث تتلف في النهاية، وهنا ينبغي التفكير بالآخرين والابتعاد عن الأنانية في الشراء، وهذا يرجع لثقافة الشراء عند الناس، إضافة إلى حدوث أمور طارئة مثل تعطل الماكينات، ولكن في النهاية نقوم بتدارك الأمور ووضعها تحت السيطرة.
توطين القسم
ولا يقتصر الأمر على تذمر وشكاوى الناس، بل هناك أشخاص نأخذ بآرائهم ونطبق اقتراحاتهم، فهناك شريحة كبيرة من الزبائن المثقفين والواعين من مختلف الجنسيات، واجد أن غالبية الزبائن أصبحوا أكثر فهماً وتقبلاً لوجود العنصر المواطن في الأماكن النادرة، وبدوري احرص على التميز باعتباري امثل بلادي واعكس للناس صورة حضارية ومشرفة عن الشاب الإماراتي الذي لا يتردد عن خدمة وطنه.
وعن نفسي في تجربة عملي في الجمعية يمكن القول إني بدأت من الصفر وتعين معي 13 شخصاً منهم من اتخذ العمل في الجمعية كمحطة وذلك لخشيتهم من نظرة المجتمع الخاطئة عن عمل المواطنين في هذا المجال، وأقول إذا لم يعمل المواطن فمن سيقوم بالعمل؟ وبفضل الله وجهود الإدارة والموظفين استطعنا توطين القسم بأكمله، وامتد ذلك للأفرع الأخرى. وفي الختام أود أن أشيد بجهود الإدارة ودعم الناس الذين كونت معهم صداقات وعلاقات اجتماعية.
رصد ـ نادية إبراهيم
