عندما تقترب السينما من رجال الدين، ترتفع درجة الحساسية وتصبح أعمال مثل فيلم (عن الآلهة والبشر ـ OF GODS AND MEN) الذي عرض في قسم بانوراما عالمية بمهرجان الدوحة ترايبكا السينمائي، مثيرة للجدل خصوصا عندما يتناول موضوعا شائكا حقيقيا حول حياة تسعة من رهبان دير كاثوليكي على مشارف قرية جبلية بالريف الجزائري، قبل أن تنتهي حياة بعضهم بالموت في 26 مارس 1996، بعد أن يختطفهم مسلحون من الجماعة الإسلامية التي كانت تشن هجمات شرسة تنتهي بقتل البشر وحرق القرى في إطار حربها المشتعلة ضد النظام الحاكم في الجزائر.

استطاع مخرج العمل الفرنسي كزافية بوفوا في شكل وثائقي درامي أن يرصد بذكاء وإبداع موضوعا شديد العمق والاتساع، وأن ينجح في أن يستحوذ على كل المشاعر ويخلق على الشاشة شلالا من الصفاء والجمال والعذوبة في متعة بصرية ووجدانية، جعلت الفيلم يحصد عن جدارة، الجائزة الكبرى للجنة تحكيم مهرجان كان السينمائي هذا العام، وأن يبقى في الذاكرة كقصيدة شعر مرئية فيها كل التركيبات المجازية وأيضا كل الواقع في لغة سينمائية أخاذة.

أصل الحكاية

الحادثة التي يتعرض لها الفيلم، كما هو معروف من وسائل الإعلام، انتهت بقتل سبعة من الرهبان هم: كرستيان (لامبير ويلسون) وسيليستين (فيليب لودنباخ) وبرونو (أوليفر بيرير) وبول (جان ـ مارى فرين) وميشيل (زافير مالى)، وكريستوف أصغرهم سناً (45 سنة) وقام بدوره أوليفر رابوردين، ولوك (82 سنة)، وقام بدوره الممثل الفرنسي الكبير ميشيل لوندالى، وعند الهجوم على الدير اختبأ راهبان هما إميديه (جاك ايرلين) الذي يبدو على مشارف المائة من عمره، وتوفي العام الماضي، وجان بير (لويك بيشون) الذي لا يزال على قيد الحياة.

ومما تناقلته وكالات الأنباء والمحطات التلفزيونية، روايتان حول الواقعة: الأولى أنهم قتلوا على أيدي الجماعة الإسلامية المسلحة والثانية أنهم قتلوا بطريق الخطأ على أيدي قوات الأمن الحكومية أثناء تبادل لإطلاق النار مع المسلحين، ويتبنى الفيلم الروايتين دون إفصاح حقيقي عن ذلك مع تغيير في الشكل والطرح الفني.

لكن الأهم أن الفيلم لا يعلي الجانب السياسي في أحداثه، بل يرصد ويستعرض الجانب الإنساني والمشاعر البشرية لهؤلاء الرهبان الذي اعتزلوا الحياة وعاشوا مفردات رائعة مع أهالي القرية التي يوجد بها ديرهم وسموا بعبادتهم اليومية للإله من دون أن يعكر صفو ذلك سوى خطر العنف الذي اقترب منهم بعد مذبحة مقتل الكرواتي التي أظهر بشاعتها الفيلم ليبرز الخطر المحدق والمقبل عليهم، وكيف استطاعوا البقاء في تلك المنطقة النائية رغم كل ما يتهددهم، حتى بعد أن أصبحوا على يقين من المصير الذي ينتظرهم.

وكان مشهد العشاء الأخير بلقطاته الثرية والموسيقى الوحيدة التي نسمعها طوال الفيلم جاءت تعبيرا عن استسلامهم لإرادة الله وخشيتهم ما آل إليه حالهم وانتظارهم للنهاية المشؤومة، وكانت منطقية للوقوف عندها كنهاية فنية للفيلم، لكن المخرج وكاتبة السيناريو إيتان كومار استمرا في التركيز على رحلتهم مع القتلة من خلال التسجيلات الصوتية التي تركوها وكانت أيضا تصلح نهاية أخرى.

ثم جاءت النهاية الثالثة في أجواء باردة لطقس أضفى لون الثلج الأبيض على الطريق والأشجار والأشخاص في حركة تلاشي نهائية لكل شيء ليبقى اللون الأبيض على الشاشة مؤشرا للنقاء الذي ذهبوا إليه، وهكذا يدفع هؤلاء الرهبان المسالمين حياتهم في إطار الصراع السياسي المحتدم بين طرف يدعي التشبث بالإسلام ويريد إقامة دولة إسلامية حسب تصوره في الجزائر، ولو بالعنف، وطرف ينادي بشرعية النظام ويرفض أصلا أي حوار مع الطرف الآخر راغبا في تصفيته بالسلاح.

بداية النهاية

وبين البداية والنهاية تأتي تراتيل الإنجيل وقداس الصلاة وفردية أدائها من قبل الرهبان رغم تجمعهم في مكان واحد وتكرارها في لوحات تقربهم تلقائيا حتى يلتصقوا جنبا إلى جنب في توحد لمواجهة الخطر المحدق بهم، ومن أجمل المشاهد كذلك مشهد التعبير عن علاقتهم مع سكان القرية المسلمين، حيث يقرأ أحدهم من القرآن الكريم باللغة العربية الآيات التي تنص على عدم التفرقة بين أنبياء الله.

وفي مشهد آخر لأول هجوم على الدير لطلب الراهب الطبيب لعلاج مصاب، يواجه رئيس الدير قائد المجموعة المسلحة، ويسأله: هل قرأت القرآن؟ وهل تعرف أنه يوصي بالنصارى وأن منهم رهباناً يعرفون الله، وهم الأقرب إلى المسلمين المؤمنين؟ ويتضح أيضا الفكر المسيحي الحقيقي من خلال رفض الرهبان حماية قوات الحكومة لهم، ورفض الجميع فكرة العودة إلى فرنسا بعد مناقشات مطولة وعميقة، رغبة منهم في عدم ترك سكان القرية المهددين بالقتل مثلهم، وتظهر جمل الحوار دلالة ما وصى به المسيح عليه السلام بالدفاع عن الحملان ضد الذئاب.

العشاء الأخير

يتدرج أسلوب الفيلم من الطابع الوثائقي إلي الدراما في لوحات للطبيعة ساحرة وجميلة، أبرزها التصوير البديع الذي اعتمد على اللقطات الواسعة ولم يقترب كثيرا (زووم إن) من الوجوه سوى في مشهد العشاء الأخير المؤثر الذي برع فيه التعبير دون جملة حوار واحدة، وكانت اللمسة والحركة والإيماءة والتحكم في عضلات الوجه، درسا عبقريا في التمثيل نادرا ما نراه على شاشة السينما.

مغزى (عن الآلهة والبشر) واضح وجريء، حيث ينتهي الفيلم بعد أن يترك ابتسامة سخرية ذابلة على الشفاه عن جراحنا وهمومنا، وكأن صانعيه لم يرغبوا في تقديم فيلم سياسي بل أسطورة أخلاقية، شاهدها الجمهور بقليل من الخجل دون إجابة عن الأسئلة الكثيرة التي أكدت أنه يجب ألا نعيش مغمضي العيون لأن اكتشاف الحقيقة أمر سهل.

«أنا فيلم» يسلط الضوء على 100 شخصية سينمائية عربية

في إطار فعاليات مهرجان الدوحة ترايبكا السينمائي قدمت مؤسسة الدوحة للأفلام معرض «أنا الفيلم»، وهو عبارة عن مجموعة كبيرة من الصور الفوتوغرافية أبدعتها عدسة المصورة الفرنسية بريجيت لاكومب التي تحظى بشهرة عالمية واسعة، والذي يقام في جميع أنحاء العاصمة القطرية حيث يمكن رؤية الأعمال المعروضة في شوارع الدوحة.

من خلال اللوحات المعلقة على واجهات المباني والساحات وصولاً إلى الحي الثقافي كتارا الذي يعد المركز الرئيسي لدورة العام الجاري، والمرحلة الأخيرة لهذا المعرض ستكون اليوم من خلال محطة تفاعلية بالكامل مع الصور الفوتوغرافية للفنانة، وكذلك صور الفيديو التي التقطتها شقيقتها المخرجة ماريان لاكومب، تسلط الضوء فيها على رحلتيهما في أنحاء العالم من أجل الالتقاء مع أكثر من 100 شخصية سينمائية عربية.

ويعد معرض الوسائط المتعددة أول توثيق شامل بالصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو للمواهب السينمائية الناشئة والبارزة في منطقة الشرق الأوسط، وتم افتتاحه ليتزامن هذا الحدث مع افتتاح الدورة الثانية ل«الدوحة ترايبكا السينمائي».

ومن بين الشخصيات التي يبرزها هذا المعرض، كارمن لبس وفادي أبو سمرا وندى أبو فرحات ونادين لبكي ونبيل عيوش ونديم صوالحة وخالد أبو النجا وعلي مصطفى ومحمد بكري وميشيل خليفة وهند صبري وعادل إمام وبسمة ويسرا ونايلة الخاجة وأحمد احمد وطارق بن عمار ورشيد بوشارب وشيكار كابور وسلمى حايك بينو وأشرف فرح وهيام عباس وياسمين المصري.

أما صورة لاكومب الجديدة التي تحمل اسم «مشروع قيد التنفيذ»، فتسجل أول ظهور لها في دورة المهرجان، وتحمل اسم، «أرشيف بريجيت لاكومب» خلال الفترة من العام 1975 وحتى العام 2010، وهي الصور التي تبرز مجموعة من مشاهير العالم، بمن فيهم ميريل ستريب ومارتن سكورسيزي وبينيلوب كروز وليوناردو دي كابريو وغيرهم الكثيرون.

وتقول الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني في إطار تعليقها على مشاركة بريجيت لاكومب مع مؤسسة الدوحة للأفلام ومنطقة الدوحة: لقد زارت بريجيت الدوحة أول مرة في العام 2008، وكان كل ما شاهدته هنا وفي المنطقة عموماً مصدر إلهام وحماسة لها، ومن هنا جاءت فكرة المشاركة في السنة الافتتاحية لمؤسسة الدوحة للأفلام عن طريق تحويل كاميرا بريجيت إلى الحقيقة، وذلك من خلال إقامة معرض للشخصيات السينمائية الدولية، الأمر الذي يمثل توافقاً طبيعياً، بل امتداد رائع لمسيرتها حتى الآن».

وتعليقاً على هذا المعرض الذي يبرز المواهب السينمائية في الوطن العربي، تقول أماندا بالمر المديرة التنفيذية للمهرجان: إن اللقاء الذي بدأ على شكل حوار مع بريجيت حول السحر المتبادل مع تلك الشخصيات سرعان ما تحول إلى رحلة جميلة ومهمة، كما أدت إلى التقاط أكثر من 100 صورة رائعة للغاية، وسيتم التقاط المزيد منها في المستقبل.

وتؤكد بريجيت لاكومب بقولها: إن هذا المشروع الذي يركز على صور السينمائيين العرب لمؤسسة الدوحة للأفلام، يمثل العمل الأكثر طموحاً وإثارة وسخاءً بين الأعمال التي عرضتها في كافة الفترات السابقة، ولا يسعني سوى الإعراب عن امتناني لهذه المؤسسة.

وكانت لاكومب قد سافرت إلى العديد من مدن ودول العالم في رحلاتها الكثيرة، ومنها بيروت ونيويورك وباريس ولندن وفلسطين والقاهرة ودمشق والدوحة، وقامت بالتقاط صور للعديد من الشخصيات المهمة العاملة في صناعة الأفلام، إضافة إلى أهم وأكبر الأسماء في بوليوود والسينما العربية، وذلك من أجل عرضها في دورة هذا العام من مهرجان الدوحة.

وخلال فعاليات المهرجان، تقام جلسات حوار تحت مسمى «دردشات كرك» يشارك فيها نجوى نجار ووليام شيميل ومايكل وجيف زيمباليست ورحاب العوالي وإبراهيم البطوط وسامح زعبي ومحمود قعبور، إلى جانب مجموعة كبيرة من مواهب الأفلام البالغ عددهم 100 شخصية كانت بريجيت قد قامت بتصويرهم خصيصاً لهذا المعرض، وتأخذ النقاشات في هذا الحدث طابعاً شخصياً وحميماً، حيث يقوم المشاركون بسرد قصصهم في عالم السينما الجميل.

فعاليات

نشاطات وعروض مجانية في «يوم الأسرة»

في إطار فعاليات «الدوحة ترايبكا السينمائي» أقيم أمس في المركز الرئيسي للمهرجان برنامج (يوم الأسرة) الذي أتاح العديد من الفرص الرائعة للأطفال والأهالي للاستمتاع والتعلم من خلال «مغامرة» اكتشاف عجائب كتارا، الحي الثقافي الجديد في الدوحة، حيث شارك الجميع من خلال «جواز سفر إلى المتعة والتسلية» في التعرف الى مختلف النشاطات المدهشة ومن بينها الفنون والرسوم بالألوان والأشغال اليدوية والألعاب وعروض الأفلام والعروض الحية وصناعة الرسوم المتحركة «زويتروب فيليج» وغيرها من النشاطات، التي أتاحت الفرصة للأطفال والأهالي القطريين للاحتفال بالثقافة والمجتمع القطري.

واحتفل يوم الأسرة بالعديد من العروض الترفيهية والعروض الحية الخاصة في الشارع وفي مسارح المهرجان المنتشرة في أكثر من مكان، كما جرت من خلاله نشاطات أخرى من بينها الحرف اليدوية والألعاب ورواية القصص والعروض الفنية واستمر البرنامج من الساعة الثانية عشرة قبل الظهر وحتى الساعة العاشرة مساء واختتم فعالياته بعروض أفلام خاصة مجانية في مسرح كتارا المفتوح، ومن بينها فيلم «سكريتاريا» الذي يحكي قصة عالم سباق الخيول الأصيلة الممتع والمثير، وفيلم «بوي» وهو قصة رائعة من نيوزيلندا تتحدث عن فتى ظريف لم يتجاوز عمره 11 عاماً يلتقي أخيراً بوالده.

حقائق

إحصائيات الأفلام

عدد الأفلام المشاركة في الدورة الثانية من المهرجان 52 فيلما، 10 منها في المسابقة العربية، و32 في برنامج بانوراما عالمية، و9 في المسابقة العربية للأفلام القصيرة، و7 في عروض خاصة، وشملت نوعيات الأفلام 41 فيلما روائيا و10 أفلام وثائقية و16 فيلما من أصول شرق أوسطية، وتحتوي عروض الافلام على 4 في عرض أول عالمي، و2 في عرض أول دولي، و28 في عرض أول في الشرق الأوسط و13 في عرض أول بقطر.

الدوحة ـ أسامة عسل