يمكن للمشاعر الإنسانية أن تتخذ أوضاعاً مختلفة باختلاف الظرف الذي يمر به الإنسان، وتتنوع ردود فعله بتنوع المؤثرات التي تحيط به، غير أن مشاعر الأم تجاه الأبناء تسثنى من هذا المقاس، فهي لا تتغير بمرور الزمن، ولا تتأثر بعوامل خارجية، إلا أن تقلبات العلاقة الزوجية بينها وبين الزوج قد تؤدي إلى انفصالها عنه ومن ثم مطالبته بحضانة الأطفال، مما يترتب عليه حرمانها من قطف ثمرة تربيتها ومتابعة فلذة كبدها عند خروجه من طور الطفولة إلى مرحلة النضج والاكتمال.

ومن الواقع نسوق أمثلة كثيرة.. إحدى الأمهات انفصلت عن الزوج الذي انتظم في طلب حضانة أبنائه من هذه الأم، ولأن عدد الأبناء سبعة، فقد كان يضم إلى حضانته من يبلغ السن القانونية التي يمكن معها تنفيذ الضم حسب القانون، ومع كل واحد من أبنائها تفقد حضانته تسقط من قلاعها الدفاعية الصحية والنفسية قلعة، وتنهار مقاومتها للمرض والأزمات النفسية.. ومع اقتراب موعد ضم آخر الأبناء إلى حضانة والده بعد شهور قليلة تعيش هذه الأم حالة من الترقب والحزن.

دور إنساني... يقول طارق عبيد إن كل أم تحلم بالقيام بدورها الإنساني الراقي في تربية وتنشئة الأبناء، وتحلم كذلك باليوم الذي ترى فيه هؤلاء الأبناء وقد بلغوا أعلى المراتب وأفضلها بعد أن بذلت من أجلهم الغالي والرخيص، وبعد أن قدمت التضحيات في سبيل تعليمهم وتنشئتهم التنشئة السليمة، ولكن لا تلبث أن تجد الأب الذي تركها وحيدة تجاهد في هذه الجبهة بمفردها يطالبها بتسليمه الصغار، وإن لم تقم بذلك ودياً تبدأ التهديدات باللجوء إلى القضاء لإجبارها على تسليمهم لأبيهم.

ويضيف عبيد أن المجتمع لا ينكر على الأب أحقيته في استكمال تربية الأبناء، ولكنه في الوقت نفسه يبحث عن العدالة في توزيع الحقوق بين الطرفين، فليس من المنطقي أن تقوم الأم بالرعاية والتضحية ليقوم الأب باستلام الأبناء وهم جاهزين من دون أن يبذل في ذلك جهداً يذكر، أيضاً من غير المعقول أن تظل الأم سنوات في حالة عطاء وتنتظر اليوم الذي ينضج فيه الأبناء ليربت أحدهم على يدها، فإذا بهذا اليوم يحل بهم وهم في أحضان الأب، خاصة إذا كان الخلاف محتدماً مع هذا الأب بما لا يسمح بالتواصل مع الأبناء في حضوره.

ويشير عبيد إلى عاطفة الأمومة القوية التي تربط الأم بالأبناء، والتي يتميز بها المجتمع الشرقي دوناً عن غيره من المجتمعات الغربية، حيث تزداد الصلة في القوة والامتداد الزمني مع مرور الوقت، ولا ينفصل الأبناء معنوياً عن ذويهم أبداً مهما طالت المسافات البينية بينهم من حيث ابتعاد المسكن الجديد للأبناء، وفي كثير من الأحيان يظل الأبناء في حالة اعتماد على الأم في الكثير من الأمور الحياتية، خاصة بالنسبة للبنات.

غريزة الأمومة

ويقول أحمد البلوشي إن طبيعة الأم تسمح بتوفير الحد الأدنى المطلوب لرعاية الأبناء بالفطرة، ولا عجب إذا رأينا في مملكة الحيوان أن أقسى الحيوانات المتوحشة تجيد رعاية أبنائها بحنان وعطف بالغين ومن باب أولى أن نرى توافر هذه الغريزة في الأم البشرية، مما قد يصيبها بالصدمة إذا تعرضت لمشكلة مع زوجها السابق فيما يتعلق بحضانة الصغار، ويضيف أن الزوجة بعد انفصالها عن الزوج لأي سبب تتمسك بصغارها على اعتبار أنهم الرموز الباقية لها في حياتها الاجتماعية.

ومن أقل حقوقها أن تجني ثمار تربية ورعاية هؤلاء الأبناء. ويضيف البلوشي أن على الأب والأم مراعاة مصالح الأبناء إذا قادتهم الخلافات الزوجية إلى الانفصال، ولا داعي للعناد في مسألة رعاية الأبناء، إذ أن مصلحتهم هي الأهم ولا يجب أن يكونوا هم ضحايا للمشكلات التي وقعت بين الأب والأم، على اعتبار أنهم ليسوا طرفاً فيها وربما لم يكونوا حتى قد ولدوا عندما وقعت هذه المشكلات بين الطرفين.

ويشير إلى أن للأم الحق في الاستمتاع بمتابعة الأبناء وهم يكبرون مثلما تتفتح الزهور، تتساوى في ذلك الحق مع الأب ما لم تكن تستحق أكثر منه لاعتبارات إنسانية بحتة، ولا يجب النظر إلى هذه الأمور من الزاوية المنطقية أو العقلانية فقط، علينا أيضاً مراعاة البعد الإنساني في هذه المسألة حتى لا تصاب الأم بالصدمة نتيجة سحب حضانة الأبناء بصورة مفاجئة وهي تحتاج إليهم.

تربية ورعاية

ومن وجهة نظر قانونية قالت آمال حامد المستشارة القانونية بإحدى المؤسسات الاجتماعية، إن موضوع الحضانة له شقان؛ الشق الأول هو الشق القانوني، والشق الثاني هو الجانب الإنساني في الموضوع، حيث ينص قانون الأحوال الشخصية رقم 28 الصادر عام 2005 في المادة 142 من الفصل الثاني على أن الحضانة هي حفظ الولد وتربيته ورعايته بما لا يتعارض مع حق الولي في الولاية على النفس، وفي المادة 143 يشترط القانون في الحاضن العقل والبلوغ راشداً والأمانة والقدرة على تربية المحضون وصونه ورعايته، والمحافظة على سلامته من الأمراض المعدية الخطيرة، وألا يسبق الحكم عليه بجريمة من الجرائم الواقعة على العرض، كما أفادت المواد التالية للمادة السابقة بشروط إضافية.

منها إذا كانت الحاضنة امرأة أن تكون خالية من زوج أجنبي عن المحضون دخل بها، إلا إذا قدرت المحكمة خلاف ذلك لمصلحة المحضون وأن تتحد مع المحضون في الدين. أما إذا كان رجلاً فيشترط أن يكون عنده من يصلح للحضانة من النساء، وأن يكون ذا رحم محرم للمحضون إن كان أنثى وأن يتحد مع المحضون في الدين.

وتنص المادة 145 على أنه إذا كانت الحاضنة أماً وهي على غير دين المحضون سقطت حضانتها إلا إذا قدر القاضي خلاف ذلك لمصلحة المحضون، على ألا تزيد مدة حضانتها له على إتمامه خمس سنوات ذكراً كان أو أنثى.

والشاهد من النصوص السابقة أن القانون يراعي مصلحة المحضون أو الصغير بوضع القيود التي تضمن له حسن التربية والنشأة السليمة والمستقبل الذي لا يتأثر بالابتعاد عن أحد الوالدين أو كلاهما معاً. ويضع القانون الحلول البديلة لكل حالة على حدة، ويسمح بتقديم أحد الوالدين لطلب ضم الصغير إلى حضانته إذا كانت شروط الحضانة لا تتوافر في الطرف الآخر، وحتى يوجد مجال للتراجع عن طلب التنازل عن الحضانة إذا تقد بها أحد الوالدين، المهم في النهاية هو المصلحة التي تقتضيها تربية الصغير.

وتضيف آمال أن الناحية الإنسانية التي تؤثر على الأم هي افتراضها تسليم الابن ليدخل حضانة الأب من دون اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وهو افتراض خاطيء يفرضه نقص الثقافة القانونية والمجتمعية، وترفض بعض الأمهات تسليم الابن أو البنت على اعتبار أن الأب لا يملك المهارات التربوية اللازمة لتربية الابن والتعرف على احتياجاته ومشكلاته، ولا تلجأ كثيرات من الأمهات إلى نقض طلب الأب على اعتبار أنها قضية محسومة، بينما في كثير من الحالات تجد المحكمة أن مصلحة الصغير تقتضي استمرار حضانته للأم، ولكن عليها تقديم ما يثبت ذلك.

وتضيف أن الأم ربما تفكر في أنها لن ترى صغيرها بعد تنفيذ قرار ضم حضانته للأب، وهذا أيضاً اعتقاد خاطيء، إذ أن القانون يكفل لها زيارة واستزارة الصغير حيث تنص المادة رقم 154 من نفس الفصل السابق، على أنه إذا كان المحضون في حضانة أحد الأبوين فيحق للآخر زيارته واستزارته واستصحابه حسبما يقرر القاضي، على أن يحدد المكان والزمان والمكلف بإحضار المحضون، وإذا كان أحد أبوي المحضون متوفّى أو غائباً يحق لأقارب المحضون المحارم زيارته حسبما يقرر القاضي، وإذا كان المحضون لدى غير أبويه يعين القاضي مستحق الزيارة من أقاربه المحارم، ينفذ الحكم جبراً إذا امتنع عن تنفيذه من عنده المحضون.

اعتقاد خاطئ

قال المحامي عبدالحميد الكميتي الشامسي، إن القانون يمنح الأم حضانة الصغير بصورة مؤقتة إلى أن يبلغ سن 11 عاماً للذكر و13 عاماً للأثنى، وتنتقل الحضانة بعد ذلك للأب وفق شروط محددة إذا تحققت هذه الشروط أمكن انتقال الحضانة وإلا فلا، ويشير إلى أنه ليس انتقالاً تلقائياً بمجرد بلوغ الصغير السن التي حددها القانون كما يعتقد معظم الناس وهو اعتقاد خاطئ.

ولكنه انتقال يراعي مصلحة الطفل الصغير ومدى انتفاعه من الحضانة سواء أكانت للأم أم للأب. ويضيف الكميتي أن القانون أتاح للأب التقدم إلى المحكمة بطلب ضم الصغير إليه في حالة اعتقاده بأن وضعه ـ أي وضع الصغير ـ سيكون أفضل في حضانته، وعليه إثبات ذلك، وعندما تطلب المحكمة من الأم جلب الصغير لتسليمه إلى الأب لا يتم ذلك بصورة إجبارية كما يظن البعض، بل تتاح الفرصة للأم لتقديم ما يفيد أن مصلحة الصغير في استمرار حضانتها له، وإذا اقتنعت المحكمة بما قدمته الأم من أدلة أو إثباتات لذلك الأمر تحكم باستمرار حضانة الأم.

التخيير

حكم الدين في الحضانة

لا خلاف بين أهل العلم في أن حق الحضانة في حال افتراق الزوجين يكون للأم، لحديث عبدالله بن عمر أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليها وسلم فقالت «يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني فقال: «أنت أحق به ما لم تنكحي» أخرجه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

وأما السن التي تنتهي عندها الحضانة فقد اختلف الفقهاء فيها، والراجح أن الأم أحق بحضانة الأولاد حتى يبلغوا سن التميز والاختيار، فإن بلغوها خيروا، فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير غلاماً بين أبيه وأمه، قال الترمذي حديث صحيح، وروى أهل السنن أن امرأة جاءت فقالت يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «استهما عليه»، فقال زوجها من يحاقني في ولدي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أبوك وهذه أمك وخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به»

نص

جواز مد فترة الحضانة

قال يوسف الشريف المحامي إن فترة الحضانة التي حددها القانون للأم لا تنتهي بالضرورة عند سن الـ 11 سنة للولد أو 13 للأنثى، إذ إن للقاضي النظر إلى مصلحة المحضون الذي تحرص عليها النصوص القانونية، فيجوز له مد فترة حضانة الولد إلى سن البلوغ والأنثى إلى سن الزواج.

ويضيف الشريف: تنص المادة 156 من قانون الأحوال الشخصية في الفصل الخاص بالحضانة على أن تنتهي صلاحية حضانة النساء ببلوغ الذكر إحدى عشرة سنة والأنثى ثلاث عشرة سنة، ما لم تر المحكمة مد هذه السن لمصلحة المحضون، وذلك إلى أن يبلغ الذكر أو تتزوج الأنثى، وتستمر حضانة النساء إذا كان المحضون معتوهاً أو مريضاً مرضاً مقعداً، ما لم تقتض مصلحة المحضون خلاف ذلك.

وتنص المادة 157 من نفس القانون على أن للولي الاحتفاظ بجواز سفر المحضون إلا في حالة السفر فيسلمه للحاضنة، وللقاضي أن يأمر بإبقاء جواز السفر في يد الحاضنة إذا رأى تعنتاً من الولي في تسليمه للحاضنة وقت الحاجة، كما أن للحاضنة الاحتفاظ بأصل شهادة الميلاد وأي وثائق أخرى ثبوتية تخص المحضون أو بصورة منها مصدقة ولها الاحتفاظ بالبطاقة الشخصية للمحضون.

دبي - أيمن حجازي