ذكرت خطبة الجمعة أمس أن الاسلام شرع للمسلمين طرقاً عديدة لجمع المال الحلال وتملكه والانتفاع به، فالمال عصب الحياة وهو عون لصاحبه على فعل كل خير، فبه يصون الإنسان كرامته من ذل السؤال، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه: « إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس».

وسرد الخطباء قصة عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه- عندما خرج من مكة مهاجرا لا يملك شيئا من المال ولما وصل المدينة المنورة لم يركن إلى الراحة وعمل بالتجارة حتى ربح من المال ما يكفيه ويغنيه، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: قدم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فعرض عليه سعد بن الربيع الأنصاري رضي الله عنه أن يناصفه ماله، وكان سعد ذا غنى، فقال عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في مالك، دلوني على السوق، فأتى السوق فربح شيئا من أقط وشيئا من سمن، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام وعليه وضر من صفرة فقال:« مهيم يا عبد الرحمن؟».

فقال: تزوجت امرأة من الأنصار. قال :« فما سقت إليها؟». قال: وزن نواة من ذهب. قال:« أولم ولو بشاة». وذكرت أن المال الذي مدحه الإسلام ورغب في جمعه هو المال الحلال الذي يحصل عليه صاحبه بالطرق المباحة المشروعة كالتجارة التي لا غش فيها، والزراعة التي تؤتي أكلها وتخرج زكاتها، والصناعة التي تفيد الناس، والوظيفة التي تخدم الوطن.

وغير ذلك مما يكون سببا في إسعاد البشرية، فعلى المسلم أن يتحرى الحلال في أي عمل يقوم به فمن رزق مالا حلالا فقد حباه الله بنعم عظيمة، وآتاه فضلا كبيرا قال صلى الله عليه وسلم:« أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة».

ومن ذلك الفضل أن الله يتقبل منه أعماله الصالحة ويستجيب دعاءه ويرفع قدره ويعلي شأنه ويعظم له أجره فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال سبحانه ( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) وقال عز وجل:( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك».

وذكرت أن خير من نتأسى به في تحري المطعم الطيب هو سيد المرسلين وإمام الأصفياء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق قال:« لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها» لأن الصدقة لا تحل لسيدنا محمد وآل بيته لذلك امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل هذه التمرة خشية أن تكون من مال الصدقة وفي هذا تعليم لنا أن نحرص على أكل الحلال واجتناب الحرام، وأن نحذر الطرق غير المشروعة في الكسب كالغش.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال:« ما هذا يا صاحب الطعام». قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال:« أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني». اللهم ارزقنا الحلال، وبارك لنا فيه وأعنا على تحريه ويسر لنا سبله يا رب العالمين.

وجاء في الخطبة الثانية أن تحري الحلال أمر مطلوب منا جميعا لأن الله سائلنا عن أموالنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه». فمن أراد النجاة والفوز فعليه أن يتحرى الحلال وأن يجتنب الحرام، قال صلى الله عليه وسلم:« إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به».

أبو ظبي ـ «البيان»