بين الفينة والأخرى يطالعنا المشهد السينمائي بعدد من الأفلام التي تنتجها بعض الفضائيات والتي تتوخى الربحية دائماً على حساب الهدف والقضايا العربية، وإذا أرادت أن تنتج أفلاماً ذات قيمة بعيدة عن أفلام المقاولات تضع شروطاً تعجيزية أمام المخرجين والممثلين، الأمر الذي يسهم في إفشال المشروع السينمائي وإبطال مفعوله التوعوي في المجتمع. مجموعة من النقاد العرب على هامش مهرجان أبوظبي السينمائي تحاوروا تناقشوا حول شروط الفضائيات لإنتاج وتمويل الأفلام بين الربحية والتعجيز، وكانت ردود أفعال في السطور التالية:

يقول الممثل السوري رشيد عسّاف: «حين نعود إلى السينما العربية ـ المصرية ـ في فترة الثمانينات فإننا نرى ذلك الطوفان الكبير من أفلام المقاولات التي يجب أن تدرس بصورة تفصيلية وتحديداً البحث عن مصادر تمويلها وإنتاجها، وسنلاحظ تضاءل عدد الأفلام المنتجة أثناء وبعد حرب الخليج الثانية وكأن رؤوس أموال دخلت فجأة لتشويه المشهد الثقافي ثم هربت وتبخرت على حين غرة، ويبدو أن مصادر التمويل هذه دخلت إلى مشهد الإنتاج السينمائي العربي بأسلوب آخر.

ولقد كانت مصر تمثل بالنسبة لنا في العالم العربي الدفة وبوصلة الاتجاه فكانت إذاعة صوت العرب والفيلم المصري؛ إلا أن هناك اتجاهاً خطيراً هذه الأيام ـ والسينما من مفرداته الخطيرة ـ يدعو هذا الاتجاه إلى إبعاد مصر عن محيطها العربي عبر مشاريع ـ ومنها السينما كما ذكرت ـ وليس لي هوس بنظرية المؤامرة ولكنه واقع، ولقد حدثني أحد المنتجين بقوله ـ لقد أراد الأميركان ومن ورائهم اللوبي الصهيوني الدخول لفكر وأحاسيس وعقول المنطقة العربية عبر محطات فضائية أنشأوها وصحف ومجلات ووسائل أخرى.

إلا أنهم فشلوا في ذلك، وأعتقد أنهم دخلوا قريباً على خط تمويل الإنتاج السينمائي العربي وهذا هو الأخطر في هذه الخطة المدمرة ـ وأعتقد أن الشروط التي تضعها بعض جهات التمويل غير التقليدية كالفضائيات مرتبطة بصورة أو بأخرى بأجندات تتجاوز المشهد والطبيعة الفنية».

رؤية واقعية

يتحدث الكاتب والمخرج السوري هيثم حقي عن تجربته مع هذه القضية برؤية تتجسد بواقع تأسيسه لشركة إنتاج سينمائي في سوريا ممولة من شبكة «أوربت» ويقول في ذلك: «حين أسستُ وأدرت الشركة الممولة من أوربت، لم تفرض علي الشبكة أية شروط حول ماهية الإنتاج السينمائي للأفلام التي ستنتجها الشركة، لا شروط من نواحٍ سياسية أو محضورات اجتماعية أو قضايا لوجستية تتعلق بالعمل الإنتاج للأفلام من قبيل اختيار هذا الممثل من هذه الجنسية أو تلك أو اختيار مواقع التصوير أو زج أمكنة تصوير غير موجودة في السيناريو المتفق عليه كفيلم، ولقد كان لي مطلق الحرية في اختيار سيناريوهات الأفلام التي أراها مناسبة للتنفيذ وتجمع شروط العمل الفني المتكامل.

ولقد أوليتُ دعماً وتوجهاً كبيراً ناحية رعاية وتقديم مشاريع أفلام الشباب والمبدعين من كتاب السيناريو الذين لم تتح لهم فرصة تنفيذ أعمالهم، ولتجربتي في مجال الإخراج السينمائي عبر عدة أفلام من أبرزها زمن الخوف وخان الحرير؛ فأنني أدرك تماماً كأي سينمائي ـ بعد دخولي في عالم الإنتاج ـ الحدود الحمر التي يجب أن لا أتخطاها.

ومن أبرز التجارب التي قدمتها عبر شركتنا للإنتاج ولم تخضع لأي شروط تتعلق بأجندة غير فنية؛ هي أفلام مثل «بصرى» الذي نال عدة جوائز وفيلم «روداج» و«مطر أيلول» و«الطريق الدائري» و«التجلي الأخير» وهي أفلام توفرت فيها عناصر النجاح الفني وحققت النجاح، وأتحدث هنا بشكل خاص عن شركة الإنتاج التابعة لأوربت.

تجارب عراقية

للمخرج والمنتج العراقي عطية الدراجي تجربة مريرة مع جهات التمويل ومؤسسات الإنتاج السينمائي وجهات تمويل الفضائيات العراقية والعربية؛ فهو يحكي عن تلك التجربة بقوله: «لقد كان لدينا في العراق مؤسسة السينما والمسرح التي حلت بديلة لمصلحة السينما، ولقد كانت هذه المؤسسة تحت إشراف وتوجيه النظام السابق الذي كان يسيرها كيف شاء.

وبعد سقوط النظام عام 2003م استمرت المؤسسة دون دعم يذكر من الدولة كواجهة شكلية وإحدى مشاكلها بأنها لم تدر يوماً عن طريق سينمائي متخصص، فهي اسم ومجرد واجهة فقط ولا فعل لها في الواقع العملي، ولئن خصصت الحكومة العراقية 1,0% من ميزانية الدولة للقطاع السينمائي العراقي لحقق هذا القطاع طفرة كبيرة في العالم فلدينا جميع الطاقات والخزين والكوادر.

وأتذكر أننا حين أردنا أن ننجز فيلم «ابن بابل» ومعي شقيقي محمد الدراجي، فلقد اختبرنا للمرة الأولى جهات التمويل غير التقليدية وأعني بها الفضائيات، فاستمعنا إلى شروط تعجيزية لإنتاج الفيلم، وجميع الشروط يتعلق بنسف السيناريو بالكامل عبر تغييرات جذرية فيه، ولقد كانت شروط التمويل من الفضائيات العراقية التي تعتبر الأكثر عدداً في العالم العربي؛ شروط تتصل بأجندة الأحزاب والحركات السياسية التي تقف خلف هذه الفضائيات، فلم نوافق على تلك الشروط.

ومع الأسف فإنه حتى مع دخول جهة غربية هي الهيئة البريطانية للأفلام كممول جزئي للفيلم ـ ومن المفترض أن تكون جهة فنية محايدة ـ فإنها فرضت أن يسجل الفيلم باسمها فرفضنا ذلك وبحثنا عن مجموعة ممولين حتى لا يمارس علينا ضغط بتوجيه سيناريو الفيلم باتجاه معين، وأعتقد أن أغلب السينمائيين العرب يحلمون بظهور منجزهم الإبداعي من الأفلام وبعضهم يتحمل شروط الفضائيات المنتجة على مضض».

إنتاج ضئيل

أما المخرجة والكاتبة الفلسطينية عرين عمري التي تخرج فيلمها الأول هذا العام وعنوانه «الدرس الأول» ضمن مسابقة الأفلام القصيرة؛ فتحدثت عن خصوصية تمويل الإنتاج السينمائي الفلسطيني، فقالت: «الوضع صعب ومعقد بالنسبة لإنجاز فيلم سينمائي فلسطيني داخل الأرض المحتلة، فليس لدينا دولة بمعناه المتعارف عليه وليس لدينا صناديق تمويل سينمائي؛ ورغم خطورة القضية الفلسطينية وتعقيداتها والكوارث المتصلة بها.

إلا أن الإنتاج السينمائي الفلسطيني والعربي المتعلق بها ضئيل جداً ولا يقارن بالحراك والضجة السينمائية الكبيرة التي تعامل بها اليهود في العالم بطريقة ذكية بإنتاج أفلامٍ عما يسمى «الهولوكوست» رغم أنه في كل يوم يمر على الفلسطينيين تحت الإحتلال هو ألف هولوكوست، وبعيداً عن الشائك في هذه القضية وكرأي فني، فإن من جوانب التقصير ـ ربما المتعمد ـ الذي تقوم به جهات الإنتاج.

ومنها الجهات غير التقليدية في الإنتاج كالفضائيات كما أسلفتم؛ أقول إنه من جوانب التقصير هي عدم إشراك السينمائي الفلسطيني ممثلاً ومخرجاً وتقنياً في معظم أو في أغلب الأفلام التي جرى إنتاجها عن فلسطين والقضية الفلسطينية وهذا يشكل حصاراً آخر غير الحصار الموجود بالأساس.

سينما حرة

المخرج والمنتج قاسم عبد مؤسس «كلية السينما والتلفزيون المستقلة» فله رأي مغاير بهذه المسألة، فيقول: «بما أنني أرى السينما من وجهة نظر تؤمن بواقعيتها ومحاكاتها للحياة الإنسانية، وبما أنني أنجز وأخرج أفلاماً وثائقية لا أطمح بتعديها إلى الروائي، وجميع هذه الأفلام أنتجت ضمن السينما المستقلة التي ترفض إملاء الشروط بأنواعها من قبل جهة الإنتاج، بما أن كل ذلك هو خطي وتوجهي ورؤيتي للمنجز السينمائي فإنني سأبقى مسانداً وداعماً نحو السينما المستقلة التي تبتعد عن الأجندات السياسية.

طريقة تقليدية

يرى الإعلامي الفلسطيني زياد حسين بأن إن المستثمر والمنتج العربي في السينما ـ حتى غير التقليدي منه ـ ما زال إلى اليوم يفكر بالطريقة التقليدية ناحية المردود المادي والربحي من إنتاج أي فيلم، ويضيف: «حين دخلت الفضائيات العربية على خط الإنتاج السينمائي كمنتج وممول، فإن استراتيجيتها غير واضحة المعالم وتخضع لأجندات متغيرة لا تملك الرؤية الحقيقية لأهداف السينما، ففي الدولة الأولى عربياً بمستوى وكم الإنتاج السينمائي وهي مصر، فإنها ما زالت تتعاطى وتتعامل مع السينما بطريقة وأسلوب تعاملها مع التلفزيون.

رغم وجود البنية التحتية والخبرة والكوادر البشرية والمخزون الثقافي الكبير لمصر والمنطقة لظهور سينما حقيقة تخاطب العالم في كافة أنحاء العالم، وكذلك هو الحال مع الفضائيات العربية الداخلة في هذا المجال، ولو أخذنا التجربة الهندية في هذا المجال فإننا نرى بأن العقلية هناك أدركت ومنذ عقود من السنين ماهية السينما وفلسفتها وفرضت بعد تأسيس بوليوود خطاً سينمائياً موازياً لهوليوود.

واستطاعت السينما الهندية حتى مع ظهور تجارب الإنتاج السينمائي القادم من الفضائيات الفنية الهندية أن تحافظ على سياقها في الهيمنة على المشهد السينمائي في الشرق الأوسط وبعض أنحاء العالم الأخرى».

أبوظبي ـ محمد الأنصاري