في عام 2001، طرح بات جلسنر كبير الخبراء الفنيين في شركة «إنتل» نبوءة مثيرة للدهشة حينها حول مستقبل الرقائق الإلكترونية، فقد توقع أنه إذا استمرت وتيرة الابتكار والعمل على ما هي عليه في مجال الكمبيوتر آنذاك، فستبلغ سرعة معالجة تلك الرقائق 30 غيغا هيرتز بنهاية هذا العقد، لكنه أوضح أن تلك السرعة العالية ستولد حرارة أعلى لكل سنتمتر مكعب أكثر مما يمكن أن يولده مفاعل نووي.

وبالفعل ففي عام 2003، اكتشفت شركة «إنتل» ومجموعة من منتجي الرقائق الإلكترونية أن خططهم للحصول على معالجات بسرعات عالية تمر بمشكلة كبيرة، ألا وهي الحرارة العالية الناتجة عنها، لأنه من أجل الحصول على رقائق إلكترونية بسرعات عالية ينبغي أن يتم تقليص حجم الترانزستور إلى أكبر قدر ممكن، وكلما صغر حجم الترانزستور ارتفعت حرارته، ومع عجز منتجي الرقائق الإلكترونية عن حل تلك المشكلة، ظلت مشكلة حل سرعة تلك الرقائق تراوح مكانها.

اليوم لا تزال تلك المعالجات الإلكترونية تعمل على سرعة 3 غيغا هيرتز، أما مشكلة الحرارة فقد تم التغلب عليها عن طريق وضع عدة معالجات في الرقاقة الواحدة، لكن السرعة هذه لا تزال دون مستوى طموحات خبراء الكمبيوتر ومنتجيه.

أما تجاوزها فلا يزال عصياً عليهم، لأن تصميم ترانزستورات تستهلك قدراً أقل من الطاقة ليس عملاً سهلاً، وأحد أسباب ذلك أن الرقاقات الإلكترونية تحتاج إلى مقدار كبير من الطاقة حتى تتغلب على ظاهرة الضوضاء الكهربائية، التي تؤدي إلى قلب البيانات الأساسية في الكمبيوتر، ما سيؤدي بدوره إلى تدمير المعلومات المخزنة على الجهاز.

وتصبح تأثيرات مشكلة الضوضاء أكثر خطورة في الرقاقات التي تعمل بطاقة منخفضة، وذلك يعود إلى أن الإشارات التي تطلقها تكون ضعيفة ومن السهل التشويش عليها وطمسها، لهذا فإن خبراء الكمبيوتر يبدون قلقاً بالغاً من أن يكون إنتاج رقاقات بطاقة منخفضة أمراَ غير ممكن أبداً في المستقبل، بسبب طوفان الضوضاء الذي سيغرق دوماً المعلومات التي تحاول تلك الرقاقات معالجتها.

غير أن هناك عدداً متزايداً من خبراء الكمبيوتر ومنتجي الرقاقات الإلكترونية بدأوا بالبحث عن وسائل للتغلب على مشكلة الضوضاء، وهناك دلائل مشجعة حتى الآن، فالتبصر العميق بدور الضوضاء، من المتوقع له أن يساعد الخبراء على تصميم معالجات ليست قادرة على تحمل الضوضاء فحسب، بل وقادرة على استغلالها لأداء العمليات الحاسوبية المختلفة.

من الممكن أن يقود هذا، في حال نجاحه، إلى ابتكار أجهزة دقيقة قادرة على السيطرة على الضوضاء وتطويعها، تماماً كما تتحكم أجهزة اليوم بالإلكترونات، ومن الممكن أن يتم استغلال ضوضاء الكمبيوتر نفسها في تخزين المعلومات ونقلها ومعالجتها، وهذا سيفتح آفاقاً جديدة في عالم الحوسبة منخفضة الطاقة، أي أن ألد خصوم منتجي الرقائق الإلكترونية قد يتحول إلى صديق حميم.

هناك عدة عوامل تتسبب في ظاهرة الضوضاء الكهربائية في أجهزة الكمبيوتر، ومن أكثرها شيوعاً الحرارة العالية، التي تؤدي إلى ازدياد حركة الذرات والإلكترونات العشوائية في المعادن أو أشباه الموصلات ضمن الدوائر الكهربائية الداخلية للجهاز، وهذا من الممكن أن يؤدي إلى تقلب في التيار أو الفولتية الكهربائية، وفي حال كانت نسبة الضوضاء عالية، فقد تتسبب في تحويل دارة كهربائية معينة إلى مجرد قطعة من الخردة، وتمتاز الدوائر الرقمية بقدرة أعلى من الدوائر التماثلية في احتمال الضوضاء، لكنها تبقى عرضة للمصير نفسه في نهاية المطاف.

لا يمكن اعتبار ظاهرة الضوضاء الكهربائية أمراً سيئاً بالمطلق، فمن المعلوم أن تلك الظاهرة تحسن أداء الأجهزة التي تعتمد على المفاتيح الكهربائية لفتحها وإغلاقها، فإذا كان مستوى الضوضاء ضمن درجة معقولة أقل مما يحتاجه الجهاز لتحويل النظام أو تغييره، فإن قدراً ضئيلاً فقط من الفولتية الكهربائية من شأنه أن يقوم بهذا التغيير، أي أن الضوضاء ترفع من حساسية المفتاح الكهربائي.

يثير هذا الأمر أسئلة شتى حول مدى إمكانية الاستفادة من ظاهرة الضوضاء لتحسين أداء الدوائر الإلكترونية، وعلى سبيل المثال، ابتكر الفيزيائي الإيطالي «لوكا غامايتوني» من جامعة بيروجيا نوعاً جديداً من المفاتيح الكهربائية يعرف باسم «صمام الرنين النفقي الثنائي»، يستفيد من ظاهرة الضوضاء بهذه الطريقة، حيث يستطيع جهازه التحكم بمستويات من الضوضاء يبلغ حجمها حجم إشارة المدخلات نفسها.

طموح كبير

تبلغ أحدث الترانزستورات من الحجم 22 نانو متراً فقط، ولا يكتفي منتجو الرقائق الإلكترونية بهذا، بل يسعون إلى تقليصه أكثر، وهذا يعني أن العلم في هذا المجال يسير في مسار غير مألوف، فخصائص المواد تتغير عندما يتقلص حجمها ليقاس بالنانو مترات، وضمن هذا الحجم المتناهي في الصغر يصبح تأثير الحرارة والضوضاء شبه معدوم على الترانزستور حيث يتحول إلى مجرد ذبذبات تسري ضمن الذرات التي تشكل مادة الرقاقة.

ويعتبر البعض هذه الذبذبات «أجساماً كمية» تدعى في العرف العلمي « فونونات»، ويتحرق العلماء شوقاً للتعرف على أسرار هذه المواد والظواهر، ومحاولة التحكم فيها من أجل تطويع الفونونات لكي تقوم هي بحمل المعلومات ومعالجتها، بدلاً من أن تتسبب بإعاقتها.

إعداد ـ يوسف جباعته