يبتسم داوود عبد السيد حين أجرب وصفه بالمكتئب. يقول الاكتئاب رد فعل وليس قرارا، ولكن، لماذا قد يكتئب مخرج صنع على مدى أكثر من ثلاثة عقود أجمل أفلام السينما المصرية والعربية. مخرج، تمكن أن يحافظ على قيمة منتجه، في زمن متغير يجرنا كل لحظة.. إلى الخلف. لماذا يكتئب مخرج «الكيت كات» و«أرض الخوف» و«مواطن ومخبر وحرامي» و«أرض الأحلام» وأخيرا «رسائل البحر» الذي يحتفي به مهرجان أبوظبي السينمائي ؟

هو من حصد أهم جوائز المهرجانات العربية والعالمية، واجماع النقاد وحتى الجمهور السينمائي غير المثقف، وأدار نجوم بحجم فاتن حمامة وأحمد زكي ومحمود عبد العزيز ويحيى الفخراني، كما لم يدرهم مخرج من قبل، وأظهر بسمة وخالد أبو النجا وصلاح عبدالله وشريف منير وهند صبري كما لم يظهروا من قبل. وهو الذي تحاول شركات انتاج مصرية ذات طموحات عالمية مثل الشركة العربية للإنتاج أن تخترق باسمه وأفلامه السوق العالمي، كما في برلين التي عرض في سوقها السينمائي فيلم «رسائل البحر» فبراير الماضي.. للأسباب كلها التي ذكرت، قد يكتئب رجل بقامة عبد السيد.

ظروف متشعبة... «أنا غير مسؤول عن غيابي، انها مجموعة من الظروف المتشعبة»، يقول ردا على سؤال عما اذا كان يشعر بالذنب تجاه هذا الغياب الذي يفصل بين فيلمين ويستغرق مرات ما يقارب العقد الكامل. ما اذا كانت الحفاوة الجماهيرية (ربما نتحدث هنا عن الجمهور الواعي والمثقف أكثر من الجمهور المنفلت على عقال الانفعالات العاطفية والشعبوية) والنقدية التي يستقبل بها اي فيلم جديد له.. ما اذا كانت هذه الحفاوة تشعره بندم الغياب «أشعر بالفرح والحزن في الوقت ذاته ولكن ليس الذنب».

يلخص عبد السيد مشكلة قلة انتاجه بحال السينما التي باتت «تسعى إلى الربح التجاري.. حتى النجوم يريدون أعمالا تفصّل على مقاساتهم، ولا يريدون أن يكونوا كموديل يتم الباسه رداء المخرج والفيلم الذي يحتوي عناصر أكثر بكثير من النجم البطل». يتحدث عن جيل اليوم من الممثلين، كاشفا أنه لا يكفي بأن يكون اسمه على الفيلم كي يشكل ذلك جاذبا بالنسبة لهم وضمانة اطلالة مختلفة من بين يدي مخرج اعتاد أن يظهر وجوها جديدة للممثلين الذين يعملون معه «لم تعد تهمهم هذه الأمور». فعلى سبيل المثال، اعجابه بقدرات احمد حلمي و«ذكائه المهني» لم يضمنا أداءه شخصية يحيى في فيلم «رسائل البحر»، وهي الشخصية التي أداها، باقتدار، آسر ياسين.

لست «شاهينياً»

عن إدارته للممثل يقول انه لا يقسو، وأنه ليس «شاهينيا»، لدى سؤاله ما إن كان يؤثر بذات الطريقة التي اتبعها الراحل يوسف شاهين في ادارة ممثليه وجعلهم «نسخا عنه شخصيا». في هذا السياق يسجل رأيا في سينما شاهين، الذي عمل معه في البدايات «لطالما اعتبرت يوسف شاهين مخرجا رائعا، وتقنيا حرفيا، لكنني، شخصيا لا أتحمس لتجربته في النصف الثاني من مهنته (يحددها بما تلا فيلم الأرض) وهي المرحلة التي تحول فيها من مخرج إلى مسرّب لأفكاره، أو ما يعرف بسينما المخرج ـ المؤلف، فأنا أجد أن الأفكار التي قدمها في هذه النوعية من الافلام لا تستحق الطريقة التي وظفت بها سينمائيا».

يفرز عبد السيد الممثلين إلى محترفين وغير محترفين، وهي الفئة التي قد تشمل شخصيات تمثل للمرة الأولى وهو قد تعامل مع الفئتين وتمكن في كل مرة من اخراج دفائنها إلى الشاشة «مشكلة السينما المصرية ومشتغلوها أنهم يميلون دوما إلى تنميط الممثل، فاذا نجح فلان في دور معين، سوف تنهمر عليه أدوار مشابهة، وستكون النتيجة اننا سنشاهده يكرر نفسه في عشرات الأدوار.

أنا اسعى إلى كسر هذا التنميط»، يقول في سياق حديث عن الشكل الجديد الذي ظهرت فيه الممثلة بسمة، نجمة فيلمه الجديد، التي قامت بأداء دور نورا «وجدت في بسمة انثى صارخة. مغوية وذكية إلى حد كبير. اردتها كذلك في فيلمي. لماذا لم ينظر اليها مخرجون آخرون بالطريقة ذاتها، لا ادري!».

عاطفة حب

يروي «رسائل البحر» قصة حب بين يحيى الشاب الهاديء المتلعثم الذي لا يزال يحمل قيما وافكارا وأحلاما انتهكها الحاضر الذي تشتت بين الجهل والفاقة، وبين نورا السيدة المتزوجة التي لا تحب زوجها الذي يعاملها كمومس، وتكتشف من خلال يحيى حقيقتها، لتبادله، في المقابل هذه اللعبة بجعله يكتشف حقيقته، الأمر الذي يولد بينهما عاطفة حب. قصة بسيطة.

وان كان عبد السيد جسدها بعمق مؤثر، اذ نكتشف في الفيلم جرأة الشخصيات في مواجهة واقعها والرغبة بالتغلب عليه والحفاظ على ما تحبه وامتلاك قرار أقدارها ورفض التحول إلى طاقات انسانية مشوهة تمارس تسلطها على الآخر الضعيف أو تشترك في دوامة العنف الانساني الهادرة «أوافق على هذه القراءة وقد أضيف أن الفيلم هو تجربة وجودية ليبرالية، تحدد خط النار بيني، كداوود المخرج، وبين المجتمع.. الخط الذي يتضح عنده الخطاب: انت مسؤول عما تعاني منه وعليك أن تغيره. لديك واجبات ولديك حقوق يجب ان تدافع عنها».

نسيج متواصل

تلك التجربة الوجودية، نسيج متواصل في أعمال عبد السيد، فهو يشتغل السينما كمشتغل التجربة الشعورية الفنية التي كلما اختمرت وتعتقت اتضحت فيها معاني جديدة «تماما كما اللوحة أو القصيدة أو الموسيقى، كلما تعرضت لها استمتعت أكثر».

هو يجد أن المعيار الرئيسي الذي يؤمن به حين يصنع فيلما هو تمكنه من توليف شكل ومضمون يتكاملان من أجل بناء اطار التجربة الشعورية تلك «منذ زمن طويل شاهدت فيلما فرنسيا من فئة أفلام الموجة الجديدة، وعرفت أن السينما ليست منتجا استهلاكيا لمرة واحدة. الفيلم المختلف يستحق أن يشاهد مرتين وأكثر». كذلك هو رسائل بحر!

أبواب ورسائل

أميل إلى الصمت والتأمل

يسرد كتاب «داوود عبد السيد أبواب ورسائل» لمحمد رجاء البدايات التسجيلية منذ تخرجه في المعهد العالي للسينما عام 1967 وتعيينه مع ثلاثة آخرين هم علي بدرخان وخيري بشارة وحسام علي، في هيئة السينما في فبراير 1968، وعمله كمساعد مخرج في ثلاثة أعمال روائية طويلة. ويعرض الكتاب لقول داوود انه كره العمل كمساعد مخرج ربما لأنه عمل يتطلب يقظة شديدة في حين أنني أميل للحظات السرحان والتأمل.

وربما لأنني أريد أن اصنع ما يلح عليّ لا أن التزم بمجرد عمل احترافي. ويتحدث عن التحاق داوود في أوائل السبعينات من القرن الماضي، كمخرج في المركز القومي للأفلام، حيث من خلال المجلة السينمائية أول أفلامه رقصة من البحيرة عام 1972.

وقدم بعد ذلك بسنتين أول أفلامه التسجيلية التي تحمل تجربة ورؤية ما. ويعاين الأفلام الروائية التي بدأها عام 1985 بفيلم الصعاليك الذي قوبل بترحيب كبير واعتبر الجميع داوود مخرجاً صاحب رؤية انضم إلى أبناء جيله ممن سبقوه في تحقيق أفلامهم، ثم كان فيلمه الثاني عام 1991 البحث عن سيد مرزوق وهذا الفيلم محاولة جديدة للسينما المصرية على حد قول داوود، ثم الأفلام الأخرى.

سيرة

أفلام شكلت علامات

وُلد داود عبدالسيد في 23 نوفمبر 1946 بالقاهرة وحصل على بكالوريوس إخراج سينمائي من المعهد العالي للسينما عام 1967. شغل وظيفتي مخرج في المركز القومي للسينما. وكبير المخرجين في المركز القومي للسينما. عضو اللجنة العليا للمهرجانات. وعضو لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة.

من الأفلام التسجيلية التي انجزها: وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم، عام 1976. العمل في الحقل، عام 1979. عن الناس والأنبياء والفنانين، عام 1980، والأفلام الروائية: الصعاليك، عام 1985. البحث عن سيد مرزوق، عام 1990. الكيت كات، عام 1990. أرض الأحلام، عام 1993. سارق الفرح، عام 1995. أرض الخوف، عام 1999. مواطن ومخبر وحرامي، عام 2001.

بسمة: أتعلم من أفلامي وأجد نفسي أكثر انتقائية

«أنا تنكة» (بكسر التاء) تقول بسمة وتضحك حين تلاحظ أنني لم أفهم المقصد تماما. «هل تقصدين انتقائي؟»، «نعم، والبعض يراني متعجرفة أيضا، وهذا بسبب اهتمامي الشديد بقبول نوعية معينة من الأدوار التي العبها في السينما». واذا كانت «الانتقائية» هي تهمة، في زمن عمته الفوضى والمجانية التي طالت كل مرافق الابداع، فإنه يليق ببسمة ان تكون انتقائية، هي التي يتفق عليها مخرجون لا يتفقون على أي شيء.

فمنذ بداياتها المحترفة الأولى مع يسري نصر الله في فيلمه «المدينة» وصولا إلى شخصية نورا التي ادتها ببراعة في فيلم داوود عبد السيد «رسائل البحر»، نضجت بسمة وحافظت على قدرتها في انتقاء الأدوار الجدلية وغير التقليدية «عملت مع مخرجين شباب في بداياتهم، وعملت مع مخرجين كبار، وأجد نفسي مع الفئتين. أؤمن وأحب وأطلب الافلام ذات القيمة الفكرية، وهذه قليلة، لكنني لا أمانع أن أشاهد وأعمل في سينما ذات مضمون ترفيهي، فالسينما فن شعبي أيضا». تختصر بهذه العبارات مسيرة فنية مستمرة منذ أكثر من عقد، تخللتها اطلالات تلفزيونية، بعضها مثير للانتباه.

كما في «قصة حب» الذي عرض في رمضان الفائت والذي قامت فيه بدور منتقبة: «بعد أدائي دور نورا المتزوجة التي تقيم علاقة خارج الزواج مع يحيى في فيلم داوود عبد السيد، فوجئت بكمية ادوار مشابهة تعرض عليّ مباشرة، فخفت وابتعدت. أنا لا أميل إلى التنميط وأبحث دوما عن الدور المختلف.

دوري في قصة حب جاء في لحظة حاسمة، اذ وجدتني احتاج اليه لتوجيه رسائل عدة». وجهت بسمة رسائلها إلى صناع السينما بأنها لن تحس نفسها في رسائل البحر، وانها قادرة، في كل مرة، على اداء شخصيات مختلفة، وربما تكون نقيضة.

تتحمس للحديث، فيما السجائر لا تهدأ في يدها، وتقول ممازحة «النعمة جات لعندي، ارفضها ازاي؟» في اشارة إلى توقيت قيامها بأداء دور رحمة المنقبة التي تتخلى عن نقابها في أحداث المسلسل: «تفاجأت بردود فعل ايجابية جدا على الدور، اذ ان مشاهدين كثر عبروا لي أن النقاب ليس من اساس الدين وأنهم سعدوا بدوري».

عن عبد السيد تقول انه لا يفرض رأيه على الممثل في أثناء التصوير، لكنه يعمد على تأهيله واستفزازه فكريا وعاطفيا طوال الوقت: «انه من اولئك المخرجين النادرين الذين يحدثونك طوال الوقت، خارج اطار التصوير. يروون لك الحكايات والقصص ويعبرون عن أفكارهم، فتشعر أنك جاهز تماما لكي تعبر كما يريدون خلال التصوير، من دون ان يطلبوا ذلك بشكل مباشر».

تتعلم بسمة من أفلامها «اذا لم تعلمني أفلامي من يعلمني»، لكنها تتعلم أيضا من الناس والكتب وأفكار جدها المبدع والمناضل السياسي يوسف درويش الذي تحكي عنه بحفاوة وحب واشتياق: «سيظهر قريبا وثائقي عن حياته».

حوار ـ إبراهيم توتونجي