منذ أن اشتغل الفرنسيان «الأخوة لومير» في صناعة الأفلام السينمائية الأولى عام 1895م، ومرور أكثر من قرن على ذلك لتدخل صناعة السينما من حيث التقنيات في عالم الأبعاد الثلاثية، والسينما تمر بمراحل متشعبة، ولسنا بصدد الحديث عن المتغيرات والتطورات التقنية في هذا العالم الخيالي؛ ولكننا نفتح موضوعا قديما متجددا طالما أشبع بحثاً وقراءة في المشهد السينمائي العالمي إلا وهو ما يعرف بأفلام النخبة وأفلام الجمهور.
والتطور الذي نحاول استطلاع الآراء النقدية حوله يتصل بترديد البعض بأن نظرية الفصل هذه ماتت ووأدت ولا محل لها في العصر الحالي، كون الجمهور بجميع أطيافه بات أكثر معلوماتية ومعرفة بما يدور من حوله في العالم عبر وسائل التكنولوجيا المتاحة، وأنه من الخلل بمكان أن يستمر بعض المخرجين في تنفيذ أفلام موسمية تتعلق بتظاهرات سينمائية كالمهرجانات وغيرها بحكم أن الموجودين فيها وجمهورها هم من النخبة السينمائية الناقدة والمتذوقة لأفلام غير صالحة للعرض الجماهيري.
ولكن من منا لا يتذكر رائعة كوبولا «العراب» الذي استطاع فيها إمساك العصا من الوسط فنال إعجاب الجمهور والنخبة من النقاد، «البيان» استطلعت آراء مجموعة من النقاد والفنانين الموجودين في مهرجان أبوظبي السينمائي، فكانت هذه الآراء:
رؤية مستقبلبة
الفنان السوري بسام كوسا الذي عرفه الجمهور العربي في عدة أدوار شهيرة في الدراما مثّل سينمائياً في مجموعة أفلام سورية بدءا من فيلم «ليالي ابن آوى» عام 1989م، وله رأي يشدد على ضرورة استمرار إخراج وإنتاج «أفلام النخبة» لأنها على حد رأيه تقدم رؤيً مستقبلية للمشهد السينمائي العالمي لجميع من يشتغل في الفن السابع.
ويقول: «أنا من أنصار استمرار أفلام النخبة لأنها بمثابة الإيحاءات والإرهاصات لحركة ورؤية السينما في المستقبل، وهناك مثال على ذلك؛ فمخرج عالمي مهم مثل إنغمار بيرغمان لم يقدم في حياته فيلماً شعبياً أو جماهيرياً بالمعنى المتداول حاليا، بل قدم أفلاماً نخبوية بالكامل.
ورغم ذلك فأنه قدم رؤية وأسلوب عمل وطريقة تفكير يسير وفقها مئات من المخرجين حول العالم إلى يومنا هذا بغض النظر عن توجهاتهم الإخراجية، لأنه وكباقي عباقرة السينما قدّم رؤية مستقبلية سابقة لزمنه، وأعتقد أنها مهمة من مهمات السينما وفلسفة وجودها، فالمخرج ـ الذي يعرّف بالنخبوي في الوقت الحالي ـ هو من يسبق زمنه في استشراف المستقبل ولا أعني به المستقبل المادي ولكن المعنوي الوجودي الرؤيوي.
سينما التسلية
ويقول المخرج والكاتب السوري هيثم حقي فيقول: «إن غالبية الإنتاج العالمي السينمائي والتلفزيوني هو إنتاج ترفيهي ويشكل هذا الإنتاج ما يقرب من 95% مما ينتج في العالم من أفلام ومسلسلات ومسرحيات وباقة أخرى من المنتج الفني، ولا صحة للقول بأن المعرفة المدركة الواعية قد ازدادت في العصر الحديث بفعل التطور التكنولوجي.
وكدليل على ضحالة الوعي الإنساني وبحثه عن التسلية والترفيه الذي لا يهتم للجانب المعرفي والثقافي، أن صحيفة مثل «الصن» البريطانية التي تنشر فضائح وأخبار الفنانين والمشاهير وحياتهم الخاصة توزع ما يقرب من 5 ملايين نسخة بينما لا توزع صحيفة محترمة وجدية وتتناول قضايا إنسانية مهمة مثل «الغارديان» سوى 50 ألف نسخة، ويمكن تطبيق هذه الإحصائية في عالم السينما.
فالفيلم الجيد وما اعتيد على تسميته بالنخبوي يحتاج لخلفية معرفية وثقافة ووعي من قبل المتلقي أو المشاهد، وهذا نادر الوجود في عصرنا الحالي، وبرأيي أن الإنسان العادي يعيش حياة واحدة؛ إلا أنه عبر الفن السينمائي يعيش حيوات متعددة عبر ما يشاهدها ويتأثر به من تجارب حياة الآخرين، وبالنسبة لي شخصياً فقد أخرجتُ وأنتجتُ مجموعة أفلام أدعي أنها تمثل حالة المعادلة بين النخبوي والجماهيري، كأفلام: «بصرى» و«الليل الطويل» و«مطر أيلول» و«التجلي الأخير»، وجميعها تملك حساً ورؤية فلسفية عميقة تخاطب الجانب الواعي لدى المشاهد وبذات الوقت نالت رضا الجمهور».
نتاج إنساني
من جانبه يرى الناقد المصري طارق الشناوي أن الأفلام يجب أن تتوجه أولاً وآخراً للجمهور، وأن الأمر يتصل بمدى الرسالة المنقولة عبر الفيلم، ويفسر ذلك بقوله: «إن السينما كباقي الفنون العالمية من موسيقى وغناء ورسم؛ نتاج إنساني إبداعي يقدم رؤية متخيلة أو مستقبلية للناس، ومخرج الفيلم أو كاتب النص بمثابة الموسيقي الذي يقدم مقطوعته.
وهو وحده يختار النغمة التي سيقدمها فمنهم من يختار تقديم نوتة شعبية بحتة وهي سمة تنطبق على الأفلام التجارية الآن، ومنهم من يقدم نوتة لا تعزف إلا لفئة محدودة من الناس في قاعات ومسارح مغلقة وهم يشابهون من يقدم ما يعرف بأفلام النخبة، والبعض الآخر.
وهو نادر في المشهد السينمائي، من يمسك العصا من الوسط ويخلق حالة من التوازن المذهل فيجمع جمهور «العام العادي» و«النخبوي المتخصص»، وفي مهرجان أبوظبي السينمائي لدينا مثال على ذلك في أفلام مثل «رسائل البحر» لداود عبد السيد والفيلم الأميركي «لعبة عادلة»، وبعض الأفلام في تاريخ السينما العالمية والعربية».
نظرية الفصل
للكاتب الفلسطيني زياد حسين مدير وكالة «NA» رؤية تطابق موت نظرية الفصل بين أفلام النخبة والجمهور، فهو يقول في ذلك: «لقد وأدت هذه النظرية منذ حوالي العقد من السنين، بعد ظهور التكنولوجيا وتطور مصادر ومراجع المعلوماتية لدى الأجيال الحالية، فبعد أن كان الكتاب وشاشة السينما ومنصة المسرح أبرز مصادر المعلومات للناس في العصر الفائت، فأن الشبكة العالمية والفضائيات ومنصات المعلومات العالمية الأخرى باتت تشكل ظاهرة معرفية حتى لغير المتخصصين من الناس.
ويمكن القول إنه بات لدى الناس وعي معلوماتي أكبر وهذا لا يعني بالضرورة نضج ثقافتهم السينمائية بالشكل الذي كان معروف سابقاً، ولكن ذلك يجب أن يدفع بالضرورة المخرجين السينمائيين الذين ينفذون أفلاما نخبوية للتفكير بطريقة تنفيذها بأسلوب مغاير يجمع النخبوي بالعام لأنه لا حدود فاصلة بين الاثنين في هذا العصر.
فالسينما إن لم تكن مؤثرة في الجمهور فلا استمرار لها في المشهد الفني المستقبلي، وأعتقد أن المخرجين الغربيين أدركوا هذه الحقيقة وباتوا أكثر قدرة للوصول للجمهور فغالبيتهم يبدأون بالتجريب النخبوي وينتهون إلى الأفلام السينمائية الجماهيرية، إلا أن المشهد السينمائي العربي النخبوي ؟إن وجد- لايزال يراوح مكانه».
أبوظبي ـ محمد الأنصاري

