«هل تمانع أن نبدأ الحوار على هذه الشاكلة؟» يسأل جيرار دو بارديو، ممثل فرنسا الأبرز الذي انتظر أكثر من 208 ملايين و360 الف مشاهد في فرنسا عند شباك التذاكر لكي يدخلوا إلى أفلامه على مدى مسيرة تمتد حوالي نصف قرن.

وذلك رقم لم يحققه أي ممثل من أبناء جلدته في تاريخ السينما. «الشاكلة» تعني أن أبدأ بطرح الأسئلة فيما موّضبة الماكياج تضع لمساتها على وجهه العريض، الذي يتناسب مع حجم جسدي يكاد يكون رجلين في رجل واحد، استعدادا لمقابلة تلفزيونية تلي مقابلة «البيان» التي تفردت بلقاء دبو بارديو. هكذا هو وقت النجوم من ذهب، كما هي الأجواء الطاغية على الجناح الفاخر رقم 2518 في القسم الغربي من «قصر الإمارات».

بطل «ماموث»، الذي عرض العام الماضي في برلين السينمائي ونال حفاوة، هذه المرة، هنا، في أبوظبي ضمن احتفالية خاصة ومؤثرة من منظمي الدورة الرابعة من مهرجان أبوظبي السينمائي، بفيلم جديد تشاركه فيه البطولة أيقونة السينما الفرنسية واحدى أهم الممثلات تأثيرا في العالم كاترين دونوف.الفيلم هو «مزهرية»، لفرانسوا أوزون الاربعيني الذي حوّل مجرى السينما الفرنسية مبتكرا موجته الخاصة ويعرف له الجمهور فيلم «سويمنغ بول» بشكل خاص.

علاقات متجددة

أبوظبي، ليست مجرد مدينة في خط سير دو بارديو، المتعرج بين مدن العالم، حيث يجري تركيمه تارة في البندقية وأخرى في موسكو وثالثة في كان، وصولا إلى جولات لا تنتهي بين نيويورك وطوكيو وبرلين: «أبوظبي من أكثر المدن العربية ذكاء»، يقول مؤكدا على الدور الثقافي الذي باتت المدينة تلعبه في محيطها، وفي إشارة إلى امتنانه للتواجد في دولة الإمارات، عبر بوابة «أبوظبي السينمائي».

الرجل له صلات قديمة مع هذا الجزء من العالم، بعضها يتعلق بأصدقاء مهمين في الجزائر والمغرب، وبعضها مرتبط بأعمال تجارية يديرها في هذين البلدين، لكن الأهم هو معرفته بالمنطقة ورموزها الثقافية والابداعية، اذ يفاجئك بالقول: «حين تستمع إلى أم كلثوم فلن يكون بوسعك أن تتوقف»، راويا أنه التقى بسيدة الغناء العربي في السبعينات، وأنه يعتقد أن أغنياتها تشبه الطقس الديني لكونها تدخل المستمع في أجواء انفعالية وعاطفية راقية.

لكن معرفته بالمنطقة تذهب إلى عمق أضخم حين يتحدث عن القرآن الذي يحض على التعلم والمعرفة وعدم التقوقع: «أعرف الكتب السماوية جميعها وكتب الفلسفة الأرضية. أحترمها جميعها، وأعرف أن رسالة القرآن تحض على الخير والمعرفة والعلم».

لا يسار ولا يمين

لكن هذه الصلة لا تحمسه للخوض في تمثيل أفلام ذات أبعاد سياسية تتعلق بما يحدث في الشرق الأوسط، أمنيا وفكريا، أو على سبيل المثال بتاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر. يقول:« لا أهتم للأفلام ذات الطابع السياسي، أنا لا أصادق السياسيين. التقيت بكثر منهم، من كوبا إلى روسيا، وطبعا رؤساء فرنسا. لكننا نتكلم عن الأدب والفكر حين نلتقي لا عن السياسة». يبدو ابن الواحد وستين عاما متصالحا مع قناعاته التي لم تكن يوما ميالة إلى عالم السياسة ومشتغليها، بدءا من نشأته الصعبة مبكرا، حيث هرب طفلا من بيت والديه المشتتين، وعاش مع نماذج من المجتمع تتنوع بين السارقين وفتيات المتعة، إلى أن اهتدى إلى مدرسة الكوميديا التمثيلية، وبدأت انطلاقته في مجال الفن.

ورغم أن والده كان من طبقة العمال، ورغم أنه في شبابه، في فترة السبعينات، كان لديه آراء يسارية وكان من كتاب مطبوعة «صباح باريس» في الثمانينات، الا أنه يميل إلى عدم الربط بينه وبين هذه الأفكار اليوم. ورغم أنه يقوم في فيلم «مزهرية» بدور السيد بابان، نصير قضايا العمال في وجه صاحب المصنع، والثائر المعترض طوال الوقت، الا أنه يشدد أن الشبه الوحيد الذي يربط بينه وبين هذه الشخصية هو حبه للمثلة كاترين دونوف، في الواقع وفي الفيلم الذي تجسد فيه شخصية زوجة مدير المصنع السيدة سوزان بيجول.

نبوءة السيدة بيجول

السيدة بيجول، في المشهد النهائي للفيلم، تترشح لانتخابات المحافظة في مواجهة بابان، خليلها القديم، وتفوز لتعلن أن «فرنسا لم تعد بحاجة إلى حكم الرجال، فرنسا تحتاج إلى حكم النساء، كما نساء الأمازون. إلى حكم الأمهات».

هل يحتمل هذا المشهد ترميزا اراده صناع العمل واسقاطا على الواقع الفرنسي حاليا الذي تعتمل فيه قضايا الشارع بقوة، بدءا من تغيير قوانين مصيرية تتعلق بالتقاعد والمعاشات والتربية، مرورا بقوانين الهجرة والاجراءات في مواجهة المهاجرين، وصولا إلى ما يعرف بفلسفة الحقبة الساركوزية في نظام الجمهورية الفرنسية.

لا يبدو دو بارديو راغبا بفرنسا تحكمها النساء، كما في الفيلم، اذ يعتقد أن الرئيس نيكولاس ساركوزي هو الرئيس الوحيد الذي حقق انجازات حقيقية. «قلت عنه في تصريح إلى مجلة باريس ماتش الفرنسية خلال ترشحه للرئاسة انه الرئيس الوحيد القادر على أن ينجز الأعمال. هل لا زلت عند رأيك»، نسأله فيجيب: بالتأكيد وقد فعلها، الآخرون كلهم وعدوا ولم يحققوا شيئا«.

رجل يبحث عن طاقة

عن دونوف التي التقى بها في أفلام عدة، من بينها «الأوقات التي تمضي» قبل ست سنوات، حيث مثل كضيف شرف، يقول:« تعجبني طاقتها الايجابية التي لا تنتهي. كاترين لم تتغير عبر السنين. ربما أصبحت أكثر انطلاقا، ربما لأنها تكبر في السن، ولا تكبر في الوقت ذاته. انها امرأة ساحرة بكل المقاييس».

منطق الطاقة موجود دوما في قاموس ومسيرة هذا الرجل الذي كادت الأقدار أن تسلب حياته مرات عدة، لكنه عاش. يحب الحياة وبوسعه أن يقول الكثير عن هذا الموضوع، هو الذي دخل ذات يوم عبر دراجة إلى المستشفى وأجرى عملية قلب مفتوح، وهو الذي طار بدارجته النارية بسرعة تتجاوز السرعة التقليدية بخمس مرات، وهو الذي اصطدمت طائرته الشراعية بطائرة بوينغ 727 في مطار مدريد. لكن دو بارديو كان قادرا في كل مرة على الخروج من تلك الحوادث صلبا ويكمل مسيرته. موت ابنه الشاب مؤخرا جرح لا يرضى بالحديث عنه ولا مجرد السؤال وهو من «المحاذير» الوحيدة التي أوصى فريق عمله الصحافيون قبل مقابلته بعدم التطرق اليها.

ضد كتب السيرة الذاتية

من هنا لا يأبه إلى كتب السيرة الذاتية التي تصدر عن حياته، «فأنا لا أحب أن يقول الناس أشياء عني، واذا كان لا بد للأمر أفضل أن أقول بنفسي، رغم أنني أحب أن أعيش الحياة أكثر من ان اسردها. أحب أن أزور الحيوات المختلفة (يقصد أختبرها)». قلة الاكتراث تلك لن تجعله مكتوف الأيادي أمام محاولات كتابة سيرته من قبل أشخاص غير مرخص لهم، كما كالمان ليفي الذي حاول لصالح دار «آشيت» فكان أن ضغط دو بارديو على صديقه رئيس الدار ارنو لاغرادار لكي لا يرى الكتاب النور، لكنه خرج إلى القراء من دار آخر هو «لو روشيه» في العام 2007، وهو الكتاب الذي لا يرضى عنه: «تملؤه الأخطاء وهو غير دقيق».

معركة مع بينوش

لا يحب دو بارديو أن يتكلم عنه الناس، لكن هذا لا يعني أنه يفعل النقيض طوال الوقت، ولديه آراء جدلية في زملاء له، كما جولييت بينوش الممثلة الفرنسية الشهيرة التي وصفها قبل شهرين ب«اللاشيء» (يعرض لها المهرجان فيلم بديع للمخرج عباس كاروتوماني باسم نسخة مصدقة) الأمر الذي استدعى منها ردة الفعل التالية: «لا أدري لماذا هاجمني دو بارديو بهذه الطريقة، لا أكن له الا الاحترام ولا أفهم ردة فعله العنيفة. المفارقة أن مأدبة طعام جمعتنا قبل سنوات عبر خلالها عن اعجابه بأفلامي. هل كان صادقا آنذاك؟».

لا يكترث للجوائز

دو بارديو تحدث إلى «البيان» بالانجليزية وكان قادرا على نقل أفكاره، لكنه إلى اليوم لم يحصل على الأوسكار: «لا اكترث لجوائز المهرجانات. انها مسيسة. الأوسكاء مسيسة، والسعفة الذهبية مسيسة.

الجمهور هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة. من النادر أن يجتمع رأي الجمهور ورأي المهرجانات وهذا يعطيني الانطباع أن المهرجانات مسيسة وأنا لا أحب السياسة»، يقول هو الحائز على جوائز عدة من بينها أفضل ممثل في البندقية عن فيلم «بوليس» في العام 1985، كما السعفة الذهبية عن أفضل ممثل في كان العام 1990 عن «سيرانو» وجائزة الغولدن غلوب العام 1991، كما جائزة الأداء التمثيلي عن مجمل أعماله في العام 2006 من مهرجان موسكو.

«أنا انسان أحب الناس جميعها، وليس لدي خلفيات مسبقة عن الناس وثقافاتهم وأعرف الأديان جميعها وأحترمها»، يقول قبل أن ينتهي اللقاء بابتسامة متواضعة من نجم أبكى وأضحك جمهور السينما في العالم على مدى أكثر من نصف قرن ولا يزال.

قيم

السينما أفضل من التلفزيون في تمثيل الشعوب

لا تنحصر تجربة نجم فرنسا جيرار دو بارديو في سينما بلاده، فقد ادى أدوارا في أفلام أوروبية مختلفة وكذلك بأفلام هوليودية. لكنه لا يبدو متحمسا كثيرا إلى السينما الأميركية: «أحب سينما الخمسينات، أحب مخرجين مثل ديفيد كاميرون (صاحب آفاتار) وستيفن سبيلبرغ، وأحب الخيال العلمي في سينما أميركا، فهم بارعون في ذلك» . يقول خلال مقابلته مع «البيان»: في أيام ماضية، كان ليكون أشد قسوة في نقده لهوليود، كما في مقابلة منشورة في صحيفة الغارديان البريطانية في العام 2000 وصف فيها صناع السينما الاميركية بالمتعجرفين وقال إنه يفضل العمل مع المواهب الأوروبية، ويحب الافلام الانجليزية!

وردا على سؤال عما اذا كان مؤمنا أن دوره السينمائي هو اسهام في خلق التفاهم بين الشعوب في عالم يسوده سوء الفهم والأفكار الراديكالية، قال دي بارديو: السينما قادرة على لعب هذا الدور أكثر بكثير من اي وسيلة جماهيرية أخرى مثل التفزيون. التلفزيون لا يعبر عن خصوصية التجربة الثقافية والمحلية للشعوب كما هي السينما. انه يستنسخ نفسه في كل مكان!

رأي

مخرجو المسرح يثيرون الملل

يمتلك دي بارديو مزاجية تخوله دوما الادلاء بتصاريح عاطفية قد تبدو متناقضة لليعض. فهو، خلال عمله في عرض «ليليو» للمؤلف الموسيقي الفرنسي هكتور بيرليوز، مقدما مقطع مونولوغ، في مسرح اوركسترا شيكاغو السيمفونية، صرح قائلا:«ان يكون المرء ممثلاً ليس بالأمر العظيم الآن، خصوصا الآن، فللأسف لم يعد هناك ممثلو مسرح أو أنهم قلة فعلاً، مخرجو المسرح يثيرون الملل العميق في نفسي فلا ابتكار ابدا على هذا الصعيد».

حاوره ـ إبراهيم توتونجي