يكتسب فيلم(محطم ـ wrecked) الذي عرض أمس الأول على هامش فعاليات مهرجان أبوظبي السينمائي، أهميته من اسم بطله أدريان برودي، الذي يعد أصغر ممثل في التاريخ يفوز بجائزة الأوسكار كأفضل أداء عن دوره في فيلم «عازف البيانو» عام 2002، ولكونه التجربة الروائية الطويلة الأولى لمخرجه مايكل غرينسبان بعد فيلمه القصير«أسطورة الحيتان».
ولأن سيناريو الفيلم الذي كتبه كريستوفر دود لا يتوقف فهمنا له في حدود أحداثه بل إن اللقطات والمشاهد تحمل من المعاني ما يجعلنا نتأمل رحلة الإنسان في الحياة ومقدرته في التغلب على الصعاب التي يتعرض إليها من أجل البقاء، والأهم اختيار إدارة المهرجان ليكون هذا العمل هو الافتتاحي لمسابقة «آفاق جديدة» التي استحدثها هذا العام، في محاولة للاقتراب من أفكار جريئة في أعمال روائية ووثائقية لمخرجين من أنحاء العالم في تجاربهم الأولى والثانية.
ولا يخفي الفيلم الذي يعرض للمرة الأولى عالمياً هدفه منذ البداية، فهو يعزف على مضمون يمس مصير الإنسان الذي قد يستيقظ فجأة فاقداً الذاكرة لا يعرف من هو أو ماذا حدث له، يطارده الماضي يقفز أمامه في صور تبدو مشوشة أحيانا وواضحة المعالم في أحيان أخرى، وبين الواقع الصعب الذي يتمسك فيه بالحياة والأوهام التي تهدده، يكون الفارق بين الحقيقة والخيال.
لقطات
يفتتح الفيلم بأحد أجمل مشاهده، عيون منتفخة ترى النور بصعوبة من آثار الجروح والكدمات المحيطة بها، ومع تحركات ثقيلة يكتشف صاحبها ما حدث له وأين هو، نرى لقطات مركزة على وجهه مستعرضة بياض العيون الغارق في اللون الأحمر، والدم مجمداً على جبينه، وأنفه الجريح يتنفس بصعوبة وورماً يكتسي أجزاء كبيرة من ملامحه، تتحرك الكاميرا مع نظراته فنكتشف معه أنه داخل حطام سيارة، زجاجها الأمامي مهشم وأبوابها موصدة لا تفتح، وإحدى ساقية محشورة بين حديد مقدمة السيارة، يصرخ من ألم ما تعرضت له من كسور.
وبعد أن يفيق من صدمته يتفحص المكان فيفاجأ بجثة أمام السيارة وأخرى على المقعد الخلفي، يحاصره الباب الجانبي المغلق، يحاول فتحه لكنه يعجز ويستسلم للنوم، يتبدل النهار إلي ليل في واد جبلي تحفه الأشجار الكثيفة والعالية من كل جانب، تدفعه الأمطار إلي شرب مائها والاغتسال منها، وتقرصه برودة الجو فينتزع جاكت الميت وراءه، يفتش جيوبه ويخرج حافظته ليعرف منها اسمه، قادحاً زناد فكره متسائلا: هل هو صديق؟، ويستسلم للنوم مره أخرى ليفتح عيونه على فتاة أعلى الجبل يناديها لإنقاذه، تقترب منه وتتودد إليه، تعطيه الماء والأكل وتختفي من دون أن نعرف هل هي حقيقة أم تصورات لتشوش ذهن مصاب؟،
لحظات ثقيلة تتحرك فيها الأحداث ببطء شديد، يدفع أحيانا إلي الملل، لكن المخرج يجتهد مع مدير التصوير في اختيار زوايا للتصوير ومفردات جديدة لتكسر ثبات المكان، نرى الشاب يأكل نمله سدا لجوعه الشديد، ونسمع طقطقات بث راديو السيارة لبعض الموسيقى والأخبار التي يتعرف من خلالها إلى حادث سطو على بنك نفذه ثلاثة هربوا وتبحث الشرطة عنهم، فيتخلله الشك أن يكون هو أحدهم، ويبدأ ظهور الخطر مع نمر جائع يذهب إلي الجثة الملقاة على الأرض يلتهمها، يشاهد الشاب ما يحدث فيبحث في السيارة عن شيء يدافع به عن نفسه، يجد مسدساً يطلق منه رصاصتين تبعدان النمر عن جثة الميت.
وتعيد إليه توازنه وقوته التي يستخدمها للخروج من مقعده، وينجح بصعوبة في الوصول إلي الأرض زاحفا متأملا رجله المكسورة التي يستخدم خشب الأشجار وبعض الأربطة لتجبيرها. تكمن صعوبة نص هذا الفيلم في اعتماده على الممثل الواحد، وبراعته في تجسيد المعنى المراد توصيله إلى الجمهور، حيث تختفي مساحة الحوار وتصبح الكلمات أحيانا عنصرا محركا للأحداث، ومع صعوبة حال البطل المعاق والوادي السحيق العاجز عن الخروج منه، تبرع الكاميرا في تنفيذ بعض المشاهد.
مثل علاقة الشاب مع كلب ظهر فجأة في الغابة ورافقه رحلة الصعود إلى أعلى، وفي لقطة ذكية لها دلالتها، يعثر الشاب على حقيبة بها دواء وقطعة لحم صغيرة، فيقترب الكلب منه لاهثا طالبا مشاركته فيها، وكذلك ظهور الفتاة المتوالي في شكل أقرب إلى الحقيقة تطارده مع خيالات لمشاهد وهو يصوب على رأسها المسدس، أو مشهد الشخص الملثم الذي يأتي ويفتح السيارة ويأخذ منها حقيبة مليئة بالنقود ويهدده ببندقية، لكن الشاب يرفع عليه المسدس فيتركه ويغادر المكان.
أسلوب فني
قد تبدو فكرة الفيلم بسيطة وعادية، لكن طريقة حكي السيناريو الذي يميل إلي ناحية التجريب السينمائي تصعب بعض السرد الطبيعي للأحداث، وتجعلنا نتساءل عن رحلة الشاب وانجرافه في مجرى مائي سريع يدفع به إلى العودة مرة أخرى لمكان السيارة من جديد، وفي أسلوب فني ممتع يمزج بين المعقول واللامعقول يمد الشاب يده في مستنقع مائي يأخذ دودة تحاول هي أيضا الخروج من عثرتها ليقدم على أكلها في محاولة تؤكد تشبثه بالبقاء، ورغبته في الإبلاغ عن نفسه من خلال الهاتف النقال الذي وجده بالغابة، وحتى في تخيلاته عندما تأتي الفتاة ومعها عناصر من الشرطة تبحث عنه يصرخ قائلاً: خذوني، كأنه يريد أن يضع حدا لما يعانيه، لكن الفارق بين الحقيقة والخيال يبقى فاصلا أساسيا يجذبنا إلى النهاية.
ومع الدقائق العشر الأخيرة من الفيلم، نفاجأ بنهاية غير متوقعة عندما ينجح الشاب في العثور على طريق الخلاص، ويجد جثة الشخص الملثم ومعه حقيبة النقود، ليكتشف انه الشخص الثالث في عصابة السطو على البنك، وليس هو، وعندما يهجم عليه النمر الذي يبحث هو كذلك عما يبقيه حيا في الغابة، يقذف له بجثة الميت ليأكلها كما أكل صديقيه من قبل، في لحظة مأساوية تجمع الخيال بالحقيقية مفسرة غموض ما شاهدناه.
وفي سيارة الشرطة التي تأتي لإنقاذه، يتذكر الشاب أنه الضحية وليس الجلاد، وأن الفتاة التي ظهرت صورتها في تخيلاته تطارده كانت حبيبته الجالسة في انتظاره على الجانب الآخر من الشارع الذي حدثت فيه سرقة البنك، وأنه اقتيد كرهينة من قبل اللصوص حماية لهم من رصاص حراس البنك، وأن الكلب الذي رافقه في الغابة مجرد بقايا ذكريات لكلبه الحقيقي الذي مات منذ سنوات.
بهذا المنهج الفكري في التناول والغرائبي في السرد، حل الفيلم لغزه من خلال مشاهد إنسانية زادته سحرا وغموضا، ومهما كان الانطباع حول إيقاعه وطريقة تنفيذه، إلا أنه مليء بالجمال، وأعطى من خلاله الممثل أدريان برودي خلاصة تجربته في التمثيل، مع مجهود عضلي فائق أدهشنا وأرهقنا وفلسف معنى الحياة، من دون الانزلاق في ثرثرة تسقط كثيرا من الأفلام.
أبوظبي ـ أسامة عسل


