ثلاثة عوامل رئيسية أضعفت تأثير فيلم «انسنديز» (حرائق) لمخرجه الكندي دنيس فينوف، الذي عرض مساء أول من أمس في مهرجان أبوظبي السينمائي في قصر الإمارات. وهي العوامل ذاتها التي حاول فينوف الهروب إليها من أجل التحدث عن «قيمة إنسانية مناهضة للعنف أردت تظهيرها في هذا الفيلم»، لكن من دون أن يمتلك إجابات حاسمة عن الهدف والرؤية اللذين يقفان وراء تقديم فيلم «خيالي» عن الحرب الأهلية اللبنانية!
«أهل الدار»: عامل الضعف الأول يتعلق بالقدرات الاقناعية لطاقم التمثيل، وهذا لا يعني الأداء التمثيلي، بقدر ما يرتبط بالمشكلة اللغوية الماثلة في نطق العربية بشكل صحيح، واللهجة اللبنانية تحديدا، بوصف الأحداث من المفترض أنها تدور في الجنوب اللبناني في بداية العقد السابع من القرن الماضي.
وهي فترة حساسة في تاريخ هذا البلد والبلاد المجاورة له والمنطقة والعالم. وقد شهدت اشتباكا حقيقيا بين أطراف عدة. إذ يمر وقت طويل قبل أن ينتبه المشاهد إلى أن سبب تحدث غالبية الممثلين اللهجة العربية الأردنية لا يعود إلى كون الأحداث تقع في الأردن وإنما إلى كون تصوير الفيلم الذي من المفترض أن أحداثه تدور بين الجنوب اللبناني وبيروت قد جرى في الأردن، بتسهيلات من الهيئة الملكية الأردنية، الأمر الذي جعل المخرج، ربما، يستسهل الاستعانة بممثلين من «أهل الدار» من دون أن ينتبه إلى التشتت الذي بوسعه أن يتركه لدى المشاهد العربي.
فنوال مروان، الشخصية الرئيسية في الفيلم، التي تحرك الأحداث، بوصفها أم لشاب وصبية تدفعهما بعد موتها، وعبر وصيتها، للذهاب إلى لبنان واكتشاف قصتها التي أخفتها عنهم طوال سنين.. هذه الشخصية التي أدتها الممثلة العالمية ذات الأصول العربية لبنى الزبال، كانت تعاني من ضعف شديد في توصيل انفعالاتها عبر اللغة، لعدم قدرتها على النطق بها، من دون إغفال الحس التمثيلي الرائع الذي تميزت به على مستوى الانطباعات الانفعالية وحتى لحظات الصمت وتوصيل مشاهد صعبة مثل الاغتصاب والقتل والصدمة.
«نامي يا زغيرة».. صعبة
هذا الضعف تجلى في أدائها أغنية «نامي يا زغيرة» للفنان مرسيل خليفة، وهي أغنية من المفترض أنها ذات معنى رئيسي في الأحداث، اذ ان نوال تؤديها اثناء اعتقالها في سجن معذبيها، في كل مرة تريد أن تتغلب فيها على الاحساس بالقهر والخوف، حتى أنها توصف «بالمرأة التي تغني»، وسيبقى هذا اللقب مرافقا لها حتى النهاية، ويساعد ولديها في التعرف على اقتفاء أثر تاريخها بعد موتها. لكن المرأة- الممثلة التي تغني، عانت من ضعف كبير في أداء هذه الأغنية، وأثرت على مصداقية المعنى.
افتراضي أم تاريخي؟
العامل الثاني يتمثل برغبة المخرج بترميز الأحداث، اذ يلجأ إلى اختراع أسماء بديلة للأمكنة والشخصيات والفرق المتناحرة، من دون أن يغفل كل الاشارات التي تربط المشاهد بالواقع والتاريخ. فهو يحدد تواريخ الأحداث، ويتحدث عن «الوطنيين» (في اشارة إلى الشباب الفلسطيني) واجتياح العدو (في اشارة إلى الاجتياح الاسرائيلي) والمجزرة (في اشارة إلى صبرا وشاتيلا) والمعتقل (في اشارة إلى معتقل الخيام) ويستخدم الباص (مذكرا بباص عين الرمانة الذي افتتحت مجزرته الحرب الأهلية) وموحيا بمعاناة المناضلة الشهيرة سهى بشارة عبر معاناة بطلته نوال، بتفاصيل مثل قصة شعرها وصولا إلى قيامها باغتيال قائد الميليشيا.
هو، في هذا السياق، يعطي المشاهد كل المفاتيح التي تدخله إلى تاريخ حقيقي للحرب الأهلية اللبنانية، لكنه في الوقت ذاته يرغب بأن يبعده عن هذه الواقعية بأن يزج بقطيع جمال على الطريق إلى القرية (!) لكي يقول إن الاحداث لا تجري في لبنان، أو أن يظهر مشاهد وديان وجبال وساحات لا تمت جغرافيا إلى المكان الحقيقي الذي جرت فيه الأحداث. هذا التمويه، أجده، غير مبرر، بل أنه برر للمخرج ارتكاب اخطاء هائلة على مستوى التدفق الزمني للأحداث، اذ أن سيارة تحمل علامة «دبي» تظهر في مشهد خروج البطلة إلى ساحة المدينة، في حقبة، من المفترض أنها بداية السبعينيات، وفي مدينة من المفترض أنها بيروت!
وشم.. بالصدفة
عامل الضعف الثالث يتمثل بالحبكة الدرامية، اذ ان الفيلم يميل لأن يكون «ميليودراما» أكثر من أي تصنيف آخر. هذا يعني القدرة على تمرير وافتعال عقد وحبكات لا يمكن تحليلها او مقاربتها من منطلق عقلي منطقي. فبعد سنوات طويلة، تتعرف الأم (المناضلة سابقا) على ابنها التائه، الذي تحول إلى مجرم في الحرب، على حوض حمام السباحة في كندا، عبر وشم على كعب قدمه، وشمته به جدتها حين أنجبته قبل ثلاث عقود. هذا التعرف هو الذي يدخلها في صدمة نفسية تضع ابنيها الكنديين وجها لوجه مع ماضيها، وتحرك كل أحداث الفيلم. لكن فيلما تحرك أحداثه عقدة ميليودرامية من هذا القبيل، يذكر قليلا بحبكات المسلسلات الدرامية المكسيكية أو التركية.
ولا يمكن بطبيعة الحال اغفال عناصر مضيئة في الفيلم على مدى عرض وصل إلى ساعتين وعشر دقائق، مرتبطة بالأداء التمثيلي والصورة البصرية والموسيقى وشاعرية كان بوسعها ان تكون احدى أوراق فينوف القوية لولا ربطها بسياقات تاريخية على درجة عالية من التعقيد والحساسية، كما هو تاريخ الحروب الاهلية في كل مكان
أبوظبي - إبراهيم توتونجي


