السينما هي الفن والمتعة، وكما يقول الناقد السينمائي رؤوف توفيق عندما يأتي فنان ليهدي العالم رؤية جديدة في الخلق والإبداع، كأنه جاء ليروي عطش الظامئين إلى التفتح والنشوة والقوة لمواصلة الحياة، ومع الفن السابع وبمزيد من الرغبة يروي مهرجان أبوظبي السينمائي هذا العام عطشنا وظمأ الجمهور الشديد بباقة من الأفلام المنتقاة ونوعية مختلفة من الأعمال نعيش مع أفكار موضوعاتها ونجومها خلطه مدهشة ومثيرة، تأخذنا إلى عالم السحر بإبداعات سينمائية متألقة تجعلنا في حالة من الإشباع الذهني والعاطفي أو تدفعنا إلى الانبهار مع مزيد من التفكير والتأمل.
وللسنة الرابعة على التوالي، تنجح العاصمة الإماراتية التي تسعى إلى تكريس نفسها عاصمة للثقافة في العالم العربي، في جمع أقطاب من السينما من جميع أرجاء العالم في مهرجانها الذي يمتعنا ويفاجئنا في كل دورة باختيارات مبرمجيه المذهلة للأفلام أو استضافة فعالياته لنجوم من العيار الثقيل.
وفي أجواء من الشعر النبطي المشهور خليجيا وبروح الدعابة التي تميز بيتر سكارليت المدير التنفيذي للمهرجان تحدث عن الطبخ والتسوق والمعارض الفنية باعتبار أن موضوعات بعض الأفلام تتعرض لتلك المفردات وفي رسالة لتحفيز الجمهور للقاءات المفتوحة مع نجوم السينما، جاءت مراسم ليلة الافتتاح رسمية من دون بهرجة أو استعراضات فنية، منوها إلى عرض فيلم المخرج الإيراني جعفر بناهي «أكورديون» كبادرة تدعم أهمية التعبير الحر والأفكار المنفتحة.
واسترسل سكارليت في الحديث عن غياب بناهي، الذي اعتقل لثلاثة أشهر العام الماضي وتم إطلاق سراحه بعد أن دفع كفالة بمقدار 160 ألف يورو ومنع من السفر، ويأتي عرض المهرجان لفيلمه القصير ـ 9 دقائق ـ في خطوة دعم لحرية التعبير في الجمهورية الإسلامية، حيث يشتكي صانعو السينما، لا سيما الذين يعدون مقربين من المعارضة، من تضييق السلطات، وكان الفيلم نفسه عرض، وفي بادرة مماثلة، في مهرجانات رئيسية مثل كان والبندقية ونيويورك.
ويتناول الفيلم الإيراني كيف تحرر الموسيقى الأفكار، من خلال قصة شريدين: فتى يتسول من عزف الأكورديون في الشوارع مع شقيقته التي تقرع الطبل، يتعرضان إلى هجوم من آخر متسول مثلهما، يزعم أنه استفز من عزف الصغيرين أمام مسجد، يخطف منهما الأكورديون ويولي الأدبار، الفتى وهو أعرج يصر على متابعة الرجل ممسكا بحجر ضخم، فيما تحاول شقيقته إقناعه بأن الرجل تعيس مثلهما.
ويكتشف العازفان الصغيران فيما بعد أن الرجل يجلس على حافة نافورة ويحاول أن يعزف الأكورديون، لكنه يفشل ويأتي الفتى الصغير قابضا الحجر معتزما الهجوم على السارق، لكن شقيقة الفتى تبدأ في ضرب الطبلة وتقترب من الرجل الذي انتزع الأكورديون، حيث يبدو مستكينا مدركا أن ما انتزعه لن يستطيع أن يستخدمه.
ثم يمد الفتى يديه للرجل الذي يسلمه الأكورديون عن طيب خاطر، ويبدأ الفتى في العزف في ثقة وقوة. الرجل ينحني ممسكا الوعاء الذي يترك فيه الجمهور ما يجودون به، ويواصل الفتى صاحب الأكورديون العزف بقوة في دلالة على انتصاره، وتظهر كلمات على الشاشة تشير إلى أن هذا العمل القصير جزء من فيلم روائي طويل يخرجه بناهي من تمويل شركة فرنسية.
بساطة
رغم بساطة السرد، عبرت اللقطات عن واقع الحال في الشارع الإيراني الذي يمنع الفن تحت فتوى الحلال والحرام، وفي تفاصيل بالغة الدلالة يعطي الفيلم العديد من المعاني فمثلاً تلك الحركة السريعة الذكية المتمثلة في رد فعل شقيقة الفتى في ارتداء غطاء للرأس عندما وجدت نفسها داخل مسجد، حيث تعكس سيطرة السلطة الدينية على مجريات الحياة اليومية داخل إيران.
ولا أدري صراحة لماذا تذكرت فجأة أغنية محمد منير في فيلم المصير للمخرج العبقري يوسف شاهين، عندما صدح معلنا (لسه الأغاني ممكنة)، وفي روح من الدعابة مثلت طبيعة بيتر سكارلت المرحة، قال صديق كان يجلس بجواري بعد عرض فيلم سكرتاريا، متسائلاً بصوت خافت في أذني لماذا لم يكتف منظمو المهرجان بعرض فيلم جعفر بناهي فقط؟!.
من الواضح أن اختيار إدارة المهرجان لفيلم سكرتاريا جاء متمازجا إلى حد كبير مع حب الخليجيين للفروسية وعالمها الذي يحوي خصالا يفتقدها الكثير من البشر اليوم، وهذا سر رغبة مهرجان الدوحة ترايبكا على عرض الفيلم نفسه، ولكن سبق إقامة فعاليات مهرجان أبوظبي قبله بأيام ضيع عليه فرصة عرضه في الافتتاح، واكتفى منظمو مهرجان الدوحة بإدراجه ضمن العروض العالمية، وهو انفراد أعلنت عنه (البيان) منذ أسابيع مستعرضا فيلم (ترون: ليجاسي) حدث مهرجان دبي السينمائي لعام 2010 والذي يقدم في حفل الختام بتقنية الأبعاد الثلاثية.
عمل كلاسيكي
أما فيلم (سكرتاريا ـ Secretariat)، الذي حاول مخرجه راندال والاس كاتب فيلم القلب الشجاع ألا يقع في فخ السينما الوثائقية، فاستدرجته مشاهد علاقة بطلة الفيلم بوالدها وأسرتها وعشقها للخيول ومسابقاتها، وكان النصف الأول من هذا العمل الكلاسيكي بطيئا ومملا في بعض الأحيان، ومع محاولاته استخدام زوايا تصوير مختلفة مستعرضة عن قرب وبعد الحصان البطل أو مسابقات الخيول وما يحدث في كواليس بورصة هذه المنافسات ومؤتمراتها الإعلامية، جاءت غالبية اللقطات مكررة وفي نفس سياق المعنى الذي دار وحار في تأكيده لزيادة مدة الفيلم التي وصلت إلى 123 دقيقة.
يتناول فيلم سكرتاريا الدرامي القصة الحقيقية لحصان سباقات حقق وللمرة الأولى منذ خمسة وعشرين عاما ألقاب السباقات الرسمية الثلاثة، وبالتالي في أجواء مفعمة بالمشاعر وصفات الإرادة والقوة وعدم الاستسلام للهزائم والتنافس كان الصراع حول الرقم القياسي الذي لا يزال مسجلا باسم الحصان الذي يحمل نفس اسم الفيلم، وصراع صاحبته التي خاضت المعركة تلو الأخرى لاقتحام منافسات السباق التي هيمن عليها الذكور لسنوات، ولم تيأس لتصنع المجد لحصانها وتسجل اسمها من ذهب كواحدة من ابرز فرسان تلك الفترة.
تبدأ أحداث الفيلم عندما تتولى بيني شينيري أمور مزرعة الخيل التابعة لعائلتها بعد مرض والدها، لتكتشف حجم الديون الكبيرة التي عليهم، وضرورة إنقاذ الوضع قبل أن يتفاقم، وتجد بيني أن أملها الوحيد هو حصانها، لذا وبمساعدة مدرب الخيول تعمل بيني كل ما بوسعها لتحقيق الهدف وإنقاذ كل شيء.
الفيلم من بطولة دايان لاين، جون مالكوفيتش، دايلان والش وسكوت غلين، ورغم كل الملاحظات عليه وأولها هل يصلح أن يكون فيلم افتتاح لمهرجان أم لا، استطاع أن يؤكد معنى ينطبق على الخيول والبشر أيضا (المهور الأصيلة تولد من الجياد الأصيلة).
أبوظبي - أسامة عسل



