أكد انتشال التميمي مبرمج الأفلام العربية في مهرجان أبوظبي السينمائي أن ما يميز هذا المهرجان هو تنوع الرؤى السينمائية للمبرمجين العاملين فيه، إذ يشكلون فريقاً متناغماً يجمع على اختبار أفضل الأفلام، وقال نحن نعمل وفق منهج واضح يستند إلى معايير أخلاقية بحيث توائم الأعمال المعروضة الذوق العام للجمهور وفئاته العمرية؟ وأضاف قائلاً في هذا الصدد ليس لدينا خطوط حمراء أو قصص للرقابة، وأوضح التميمي في حوار مع «البيان» أن برنامج المهرجان يشتمل على 13 فيلماً عربياً أحد عشر منها تعرض للمرة الأولى.

ما هي المعايير التي يجب توفرها في المبرمج لاختيار الأفلام المشاركة في المهرجان؟

مهمتنا الأساسية أنا وزميلتي رشا السلطي في برمجة الأفلام العربية المشاركة في المهرجان داخل وخارج المسابقة الرسمية؛ هي جذب أفضل الأفلام العربية المنتجة هذا العام أو الأفلام المميزة في المشهد السينمائي العربي التي تدخل ضمن برامجنا في الدورات المتلاحقة في أبوظبي السينمائي، وأعتقد أنه ينبغي على المبرمج أن يكون واسع الاطلاع في مجال الإنتاج السينمائي. وهذا ما يحميه من الوقوع في نتائج قاصرة بعد انطلاق المهرجان وبعده من حيث تلك الاختيارات، ولقد بدأنا كفريق مبرمجين سواء للأفلام العربية أو الأجنبية متابعة النتاج السينمائي منذ نهاية الدورة الماضية لأبوظبي السينمائي ? ولا أدعي أننا تعرفنا على جميع ما أنتج هذا العام ـ ولكنني أجزم بأننا تعرفنا على ما يقارب 90% من الإنتاج السينمائي العربي للأفلام الروائية والوثائقية.

أما المعيار الآخر بالنسبة لمبرمج الأفلام فهو مرتبط بالتراكم الزمني وتراكم الخبرة من خلال تدريب ذائقته لاختيار الأفلام المناسبة للجمهور والنقاد، وحين نقدم وجبة المهرجان من الأفلام المنتخبة فهذا لا يعني بأننا بالضرورة بأن ما لم نختاره من الأفلام كان نتاجاً سيئاً، وأعتقد أننا قدمنا في الدورة الماضية ، وأتحدث عن برنامج الأفلام العربية ـ واحدا من أفضل البرامج العربية في خارطة المهرجانات السينمائية حول العالم. وليس أدّل من ذلك هو استقطاب أبرز وأشهر المهرجانات العالمية لما اخترناه من الأفلام العربية كفيلم «ابن بابل» و«شيوعيون كنا» وغيرها من الأفلام التي نالت استحسان الجمهور والنقاد حول العالم، ولدينا هذا العام 13 فيلماً عربياً تشارك في مسابقات المهرجان المختلفة من الإنتاج الحديث، منها 11 فيلماً بعرض عالمي لأول مرة، ومن بين الأفلام العربية المتميزة هذا العام فيلم المخرج المصري داود عبد السيد «رسائل البحر».

إلى أي مدى تؤثر الرؤية الشخصية سواء كانت إيديولوجية أو فكرية للمبرمج في اختيار الأفلام المشاركة؟ ـ هناك تأثير واضح في اتجاه المبرمج لاختيار أفلام محددة للمشاركة تتماشى مع رؤيته الشخصية، وهنا يبقى مدى تنوع «فريق المبرمجين»، ففي مهرجان كمهرجان ميونخ هناك معرفة مسبقة بأي اتجاه سيكون برنامج المهرجان حيث أن فريق المبرمجين يميل إلى السينما الجديدة بمعناها الراديكالي بينما نجد أن مهرجان روتردام يذهب باتجاه الرؤية النخبوية الصادمة في برنامج أفلامه، وهذا ينطبق على العديد من المهرجانات التي يمكن التعرف مسبقاً بأي اتجاه تسلك برامجها.

وما يميز أبوظبي السينمائي هو تنوع الرؤى السينمائية للمبرمجين، فليس هناك انفراد بقرار مشاركة هذا الفيلم أو ذاك، فرشا السلطي وسكارليت وأليس خروبي والتميمي وغيرهم من المبرمجين يساندهم فريق خبير في السينما في الولايات المتحدة والهند وأوروبا وآسيا لتقديم المشورة، يشكلون فيما بينهم فريقاً متناغماً تتنوع رؤاه في اختيار الأفلام ولكنه يجتمع في النهاية على قائمة الأفضل في الإنتاج السينمائي، ونحن حين نختار لجان التحكيم أيضاً تكون بين أيدينا قائمة طويلة من الأسماء المعروفة في الحركة النقدية السينمائية أو كمنتجين أو ممثلين وغيرهم من العاملين في الحقل السينمائي ممن نثق بقدرتهم وذائقتهم السينمائية في تحكيم الأفلام.

وليس هناك مجال لإرضاء الجميع؛ فعلى سبيل المثال شكّل فوز صوفيا كوبولا بجائزة الأسد الذهبي عن فيلمها «في مكان ما» بمهرجان فينيسيا هذا العام صدمة كبيرة لأغلب النقاد المتواجدين هناك وأعتقد أن ذلك الاعتراض أو الصدمة لا يتعارض مع وجود أسماء كبيرة في لجنة التحكيم يكفي أن نذكر اسمه رئيسها المخرج العالمي «كوينتين تارانتينو»، فلكل وجهة نظره.

أين يضع انتشال التميمي نفسه بين مبرمجي الأفلام في المشهد السينمائي؟

إن مهنة «المبرمج» جديدة على العالم العربي بينما نجدها في مهرجانات العالم قديمة ومنتشرة بصورة واسعة، فلقد وصل إليها نقاد وإعلاميون ومنتجون وبائعو تذاكر في المهرجانات العالمية وآخرون ممن شغفوا بالسينما، وبعض هؤلاء وصل إلى أن يدير مهرجانات مرموقة.

وتراكم الخبرة يحتاج إلى زمن طويل للمبرمج، فلقد بدأتها فعلياً عام 1996م حين عملت كمدير فني ومبرمج لبرنامج الأفلام العربية التي اخترتها من 13 بلداً عربياً ولقد اخترت الأفلام الخمسين المشاركة في ذلك المهرجان من النتاج السينمائي العربي ما بين 1967م وهو معروف عربياً بنكسة حزيران ولغاية سنة المهرجان أي 3 عقود من الإنتاج السينمائي العربي، فلقد شهد العام الذي تلا النكسة نهوضاً كبيراً في مستوى الإنتاج السينمائي العربي وخصوصاً الفئة الوثائقية.

وكان هذا المهرجان هو ما حفزني لتأسيس مهرجان روتردام للفيلم العربي، وحين أقول بأن مهنة المبرمج هي مهنة غربية قديمة أورد مثال بأنه يوجد في هولندا أكثر من 50 دار عرض تسمى «بيت السينما» وهي أشبه بأندية سينمائية مدعومة من الدولة وفي كل منها «مبرمج سينمائي» يختار برنامج الأفلام التي تعرض على جمهور هذه الدور، وهذا بعض ما تفتقده السينما في العالم العربي.

ولقد أسستُ وعملتُ مديراً فنياً ومبرمجاً للأفلام العربية في مهرجان روتردام وبرمجة الأفلام العربية أكثر من مهرجان عربي وعالمي، ومنذ عام 2008م وأنا أعمل مبرمجاً للأفلام العربية بمهرجان أبوظبي، وقد يتصور البعض أن برمجة الأفلام أمرٌ سهل، وهذا تصور بعيد عن الحقيقة فبرمجة الأفلام تعني الاطلاع الكامل ومعرفة ما ينجز والمغامرة في اكتشاف مجموعة جديدة من الأفلام والمخرجين.

وأعتقد أنني حين أتحدث عن نفسي فإن شغفي بالسينما شغلني عن جوانب كثيرة من مفردات الحياة، وأترك حكم ما وصلت إليه في البرمجة إلى الجمهور والمختصين ممن يتابع ما أختاره من برامج أفلام في المهرجان، وعلى الساحة العربية هناك أسماء قليلة لها الخبرة في برمجة الأفلام للمهرجانات منهم الإماراتي مسعود أمر الله آل علي الذي أعتقد أنه بات يمتلك خبرة كبيرة في مجال برمجة الأفلام، وهناك محمد رضا وسمير فريد وبعض الأسماء المعدودة.

ما حقيقة الصراعات والأقاويل حول شراء بعض إدارات المهرجانات لأفلام العرض الأول؟

تسعى جميع المهرجانات في المنطقة والعالم لاجتذاب الأفضل مما ينتج سينمائياً، وأعتقد أن قضية تلك الأقاويل حول جذب هذا الفيلم أو ذاك تأخذ طابعاً خيالياً يضخمه الإعلام، أو حتى بعض إدارات المهرجانات لجذب الأنظار إليها ضمن سياسية الانتشار والشهرة، وهو أمر متعارف عليه في المهرجانات السينمائية حتى الأوروبية منها، وما يحدث في حقيقة الأمر هو تقارب إقامة مهرجانات السينما العربية.

حيث أن أغلبها وأكثرها فاعلية تقام في المدة ما بين سبتمبر وديسمبر بمقدار 3 أشهر، وهي مدة تدخل إدارات المهرجانات ومبرمجيها في ماراثون وسباق لجذب الأفضل، فكل مهرجان يحاول جذب جزء من كعكة الإنتاج السينمائي العربي والعالمي، ولكل مهرجان ميزة تميزه عن الآخر، فبعض المهرجانات العربية تستحوذ على ما ينتج في بلدانها من أفلام كمهرجان دمشق ومهرجان قرطاج.

ولقد أسس مهرجان أبوظبي السينمائي أول منظومة سينمائية لدعم السينما عبر صندوق «سند» لتمويل السينما، ولقد تم إنتاج 10 أفلام سينمائية منذ انطلاق هذا الصندوق 5 منها متواجد في برنامج مهرجان هذا العام، إلا أن ذلك لا يعني احتكار مهرجان أبوظبي السينمائي العام المقبل والدورات القادمة لقائمة أفلام «سند» كي لا نقع بما وقع به الآخرون من أخطاء.

نقلت عنك بعض وسائل الإعلام دعوتك لإقامة «كونفدرالية مهرجانات السينما العربية»، ما تعليقك على ذلك؟

لقد جرى نقل الكلام على لساني في مهرجان وهران بالجزائر بطريقة خاطئة، فلقد دعوت بعد اجتماع 16 مدير مهرجان سينما عربياً هناك إلى وضع لبنات أولى للتعاون والمشاركة، بين إدارات هذه المهرجانات ومن بين هذه الخطوات إطلاق موقع إلكتروني لجميع هذه المهرجانات ولم أدعو إلى إقامة كارتل أو منظومة رسمية لهذه المهرجانات لأنني بالأساس ضد البيروقراطية وعمل القطيع، ورغم الاتفاق على إطلاق ذلك الموقع فهو مشروع متوقف منذ 3 سنوات، وأعتقد أن التنسيق مطلوب بين إدارات المهرجانات على ألا يتعارض ذلك مع سياسة كل مهرجان ورؤيته السينمائية.

كيف تصفون عملية الرقابة على الأفلام بمهرجان أبوظبي السينمائي؟

أعتقد أننا على اتفاق كامل ومنهج واضح في مهرجان أبوظبي السينمائي، فنحن مهرجان يقدم الأفضل والأحدث في عالم السينما ولكن لدينا معايير أخلاقية تتناسب مع عادات المنطقة التي يقام بها المهرجان، فنحن نمسك العصا من الوسط، ونعرف أي أفلام نختارها لبرامجنا، كما أننا صنفنا الأفلام لدخول الجمهور فمنها العام أو العائلي ومنها ما فوق 21 سنة الذي تتخلله بعض مشاهد العنف أو المشاهد التي لا تناسب فئات عمرية معينة، وليس لدينا خطوط حمراء أو سياسة مقص الرقيب.

عمل المبرمج

يعتبر اختيار الأفلام السينمائية لعرضها في المهرجانات من المهام الصعبة في ظل التنافس الكبير بين الإدارات المختلفة لتلك المهرجانات، وربما تبدو المهمة يسيرة بنظر البعض إلا أن التعرف على عوالمها عن قرب يوضح الصورة، وقد ينظر البعض إلى مبرمج الأفلام باعتبار عمله مثل «دي جي ـ منسق الموسيقى» ولكنه في حقيقة الأمر يشبه عمل المايسترو في الفرقة الموسيقية فعلى أساس اختياراته للأفلام والبرامج ينجح هذا المهرجان ويكبو ذاك، «الحواس الخمس» التقى انتشال التميمي مبرمج الأفلام العربية في مهرجان أبوظبي السينمائي للتعرف على طبيعة عمل المبرمج وتفاصيل أكثر عن المهرجان.

سيرة

من بغداد إلى بيروت

ولد انتشال التميمي في بغداد 1954م، هاجر إلى بيروت والتحق بصحف المقاومة الفلسطينية، مارس التصوير الفوتوغرافي فأقام عشرات من المعارض، في عام 1981م كان مهرجان كارلو فيفاري التشيكي أول مهرجان يحضره كمشاهد، ليعود بعدها بثلاثة عقود ويكون عضو لجنة تحكيم الأفلام الآسيوية في ذات المهرجان، عضو لجنة التحكيم ومبرمج أفلام في أكثر من 20 مهرجانا سينمائيا حول العالم، أسس وأدار مهرجان روتردام للأفلام العربية بهولندا، يعمل مبرمجاً للأفلام العربية بمهرجان أبوظبي السينمائي منذ دورته الأولى.

عروض

أفلام مثيرة للجدل

تعليقا على عرض مهرجان أبوظبي السينمائي هذا العام مجموعة من الأفلام المثيرة للجدل، منها فيلم «كارلوس»، يقول انتشال تميمي: إن واحدة من غايات أي مهرجان سينمائي هي عرض أفلام تحرك المياه الساكنة وتثير حراكاً نقدياً وفنياً وجماهيرياً في آن معاً.

حيث نعرض هذا العام النسخة السينمائية لفيلم «كارلوس» وهو ضمن المسابقة الرسمية، فلدينا رؤية مختلفة حول هذا الفيلم عن مهرجان كان السينمائي الذي عرض نسخته التلفزيونية البالغة أكثر من 5 ساعات، فشخصية كارلوس مهمة جداً لجمهور الشرق الأوسط من حيث مشاهدته كفيلم يتناول شخصية مثيرة للجدل.

كما أنني أتوقع جدلاً مشابهاً لمجموعة أفلام منها فيلم «ميرال» للمخرج اليهودي جوليان شنابل المساند للقضية الفلسطينية، وفيلم «لعبة عادلة» لدوغ لايمن، ولكننا كمهرجان لا ننحاز لهذا الطرف أو ذاك فنياً بعيداً عن الرؤى الإنسانية والشخصية، وسنحتفي هذا العام بالمخرج الفلسطيني إيليا سليمان بفيلميه «يد إلهية» و«سجل اختفاء».

أبوظبي ـ محمد الأنصاري