قد يبدو من المحال أن يعمل الفرد أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، ولكن هذا واقع حال سالم محمد عسكر، فمسؤولياته تقتضي أن يظل متابعاً لكثير من الأعمال، وأن يحل الكثير من القضايا، حتى في يوم إجازته الأسبوعية، هاتفه لا يغلق فمن خلاله يوجه تعليماته، فعمله يتطلب المباشرة الميدانية، ليكون متابعاً ومراقباً ومنسقاً مع أكثر من طرف.
الدقيقة في عمله تعني الكثير، والثانية يتوقف عليها مصير الكثير من المصابين، مهمته شاقة، ومسؤوليته كبيرة، وعمله متواصل وأساسه السرعة والاستجابة الفورية، والانتقال إلى موقع الحدث في دقائق معدودة.سالم عسكر فني طب طارئ متقدم، بمركز خدمات الإسعاف السريع، ومناوب الفئة الرابعة في منطقة بر دبي، ينقل لنا تفاصيل يوم في حياته الذي بدأه صباحاً. عمل يوم بكامله ليس لدي وقت محدد للعمل، فأنا أعمل صباحاً ومساءً، ويمكن القول إنه عمل يوم بكامله، ولكوني مسؤولاً على منطقة بر دبي، التي تضم 25 نقطة إسعاف، يقوم عليها 28 سائقاً، وحوالي 60 مسعفاً، فلا بد أن أعمل في الموقع وفي البيت.
حيث أتابع العمل من خلال الهاتف الذي لا يغلق، فاحتمال غياب أحد السائقين، أو مرض أحد المسعفين وارد جداً، وهنا لا بد من التغطية بالبديل بسرعة ويسر، أو حدوث خلل مفاجئ لمركبة إسعاف، فعلي أن أعالج الأمر في الحال، وكذا بالنسبة للأجهزة، فسلامة أرواح كثير من الناس بين أيدينا، واليوم بدأت عملي الساعة التاسعة صباحاً، حيث قمت عبر الهاتف بمتابعة جدول المسعفين والسائقين، وأجريت الاتصالات بمكتب مدير منطقة بر دبي..
أم الإسعاف الرائد جميلة الزعابي، وقبل المناوبة بساعتين وتحديداً في الساعة 12 ظهراً، ذهبت إلى مقر الانطلاق وقمت بإعداد كشوفات للإسعافات المفعلة في منطقة بر دبي، كما قمت بإعداد جداول الحضور والغياب، والإطلاع على سجل البلاغات التي وردت عبر أجهزة النداء ومن غرفة عمليات شرطة دبي.
وتفقدت المركبات والأجهزة، وقمت بإرسال الكشوفات إلى مكتب مدير المنطقة عن نقاط الإسعاف المفعلة ونشاطها، إلى جانب التنسيق مع غرفة عمليات شرطة دبي، حيث عملنا يتم بالتنسيق معهم، ومع المستشفيات التي تقوم باستقبال المصابين الذين تنقلهم مركبات الإسعاف، ذلك إلى جانب قيامي بجولات ميدانية لتفقد المركبات ومتابعة المسعفين والتأكد من وجودهم في نقاطهم، إضافة إلى المشاركة في تنفيذ بعض البلاغات.
حيث يرد في بعض الأحيان أكثر من بلاغ في وقت واحد، وحضوري ضروري في حالات الإصابات البليغة، فأنا أشارك زملائي المسعفين في عمليات الإنقاذ ونقل المصابين إلى جانب التوجيه والإرشاد، خاصة وأن نقاط منطقة بر دبي تبدأ من منطقة الرفاعة وتمتد إلى جبل علي، ومن موقع الطوارئ الواقع ببر دبي حتى منطقة الفقع.
مشاهد مؤلمة
ومن المشاهد اليومية التي نواجهها، الإصابات الناتجة عن حوادث المركبات، خاصة حوادث الشاحنات والحافلات، وفي ذاكرة المسعفين وسائقي مركبات الإسعاف، الكثير من هذه المشاهد المأساوية المؤلمة، وشخصياً في ذاكرتي مشاهد ومناظر مؤثرة.
ومنها منظر عامل سقطت عليه ماكينة لحام، وعندما استدعينا إلى مكان الحادث، وجدته مغطى بملاءة من القماش، وعندما قمت برفع الغطاء عنه هزني منظره فقد كان جسد العامل قسمين لا يربطهما سوى الأمعاء المتناثرة، وكثير من هذه المشاهد تواجهنا كل يوم، وبقدر ما نكون سعداء في إنقاذ الكثير من الأفراد، نحزن عندما تكون الإصابات بليغة وتؤدي إلى الوفاة.
عملنا كما هو معروف يتطلب التسابق مع الوقت مع الالتزام بشروط السلامة لكي نصل إلى موقع الحدث في وقت قياسي وبأمان، لذا قررت الإدارة ممثلة بالعقيد خليفة بن دراي، فتح هذا الموقع وجعل منطقة بر دبي منطقة منفصلة ومدعومة بـ 25 نقطة انطلاق مفعلة، وبعدد كبير من مركبات الإسعاف ومن السائقين والمسعفين.
وهكذا يستمر عملي إلى المساء حين يأتي المناوب الآخر ليكمل المهمة، وغالباً لا ينتهي عملي حتى بعد مغادرتي مقر عملي ووصولي إلى البيت، فإني أواصل المتابعة وإرسال التوجيهات عبر الهاتف، فكما قلت أن سعادتنا تكمن في سرعة نقل المصاب إلى المستشفى، وعملنا بقدر ما هو وظيفة إلا أنه واجب أساسي ومسؤولية إنسانية بالدرجة الأولى، ومن هنا تنبع قيمة ورسالة هذه المهنة السامية.
رصد ـ جميل محسن

