هذا الوجه الجميل يعرفه الكثيرون في دائرة قضاء أبوظبي، فالطفلة «تولان» كما أسمتها أمها، و«لين» حسب ما أسماها والدها التي تبلغ من العمر ثلاث سنوات وثمانية أشهر، لا تصافح عيناها في كل صباح كباقي الأطفال طوابير المدرسة وساحاتها المزروعة بالضحكات، بل تصطدم بصور رجال مقيدين ونساء يحيط بهم رجال الشرطة.
فلا مكان يمكن أن تذهب إليه تولان إلا المحكمة مع والدتها التي تعمل وكيلة لأحد المحامين، بعد أن رفضتها رياض الأطفال والمدارس، وليس لوالدتها أحد تتركها لديه، ولا تستطيع أن تثبت أن لديها طفلة فيسمح لها بالاستعانة بخادمة، فتولان أو لين غير موجودة في لغة الأوراق، وتنكرت لها كل السجلات والدوائر الرسمية بعد أن تنكر لها ضمير والدها، وليس مبالغا فيه القول ان ضحكة لين وشقاوتها فتحت كل القلوب، ولم يقسو عليها إلا قلب والدها المتحصن بمعاندة طليقته وأم طفلته.
والعناد هو أصل الكفر، فعندما صدرت كل الأحكام القضائية تعلن عن حق تولان على والدها باستصدار جواز سفر واقامة لها، وسوس له العناد فغادر البلاد نهائياً، ليئد بذلك وجود ابنته وحياتها وإن ترك لها القدرة على التنفس، ولكن في عالم اليوم لا وجود للمرء إلا من خلال أوراقه والمستندات التي تتحدث عنه، وهذه الطفلة لا وجود لها في جميع أوراق ومستندات دولة الامارات، ماعدا أحكام وقرارات قضائية كثيرة تأمر بإجبار الأب على الاعتراف بحق ابنته في الحياة مع استحالة تنفيذ هذه الأحكام.
«تولان» وهو الاسم الذي تنادى به رغم أن والدها غيره إلى لين، من باب معاندة الأم أيضاً، تعود قصتها إلى قصة زواج والديها التي لم تدم كثيراً، وانتهت عندما طرد الأب والدة لين التي كانت لا تزال في رحمها جنيناً في شهرها السادس، وفي ذلك الوقت لم تلجأ الأم إلى القضاء وفق ما قالت، وانتظرت فربما تنفع المحاولات الودية، وخلال ذلك أخذت غرفة لتسكن بها وحدها.
وهناك أنجبت ابنتها في ولادة منزلية وبدون مساعدة من أحد، وعللت أم تولان ذلك بأنها خشيت الذهاب إلى المستشفى لأن إقامتها كانت انتهت ولم يجددها لها زوجها، أي أنها كانت مخالفة لقوانين الإقامة وتخشى السجن، وآثرت أن تلد ابنتها وهي وحيدة في منزلها على أن تسجن، وبعد ذلك استمرت محاولات الأم في إيجاد حل ودي لتسجيل ابنتها واستخراج شهادة ميلاد لها إلا أن زوجها لم يستجب، فاضطرت للجوء إلى المحكمة، وهناك أنكر الأب نسب ابنته إليه.
وقدمت الزوجة عقد زواج موثقا من الجمهورية العربية السورية، حيث انها فلسطينية من حملة وثيقة السفر السورية، واعترف الزوج بصحة عقد الزواج المقدم من قبل زوجته إلا أنه أصر على رفض نسب ابنته، وحتى عندما أكد فحص الحمض النووي الذي أجبرت المحكمة الأب على إجرائه بالقوة الجبرية بعد أن أمعن في رفض إجرائه، أن الفتاة بيولوجياً هي ابنته، وهنا أصدرت المحكمة قرارها بصحة نسب الطفلة، وبأنها ثمرة زواج صحيح موثق، كما أصدرت الحكم بأن يقوم الأب باستخراج شهادة ميلاد وجواز سفر وعمل إقامة لابنته وفق الأصول المعمول بها، بالإضافة إلى إجباره على الانفاق عليها وفق استطاعته.
وهنا أيضاً لم ينفذ الأب الحكم إلا بعد أن أجبرته المحكمة من خلال استصدار أمر قبض عليه، وكانت «تولان» قد بلغت شهرها السادس، فقام باستصدار شهادة ميلاد صادرة من بلد الأب الأصلي في المملكة الأردنية الهاشمية، وأحضر إلى المحكمة ورقة من السفارة تفيد بأنه يبدأ بإجراءات إصدار جواز سفر لابنته تمهيداً لوضع إقامة لها عليها، وبالتالي وبناء على هذه الورقة استطاع الأب أن يلغي أمر القبض والتعميم الصادرين بحقه، والسفر والعودة نهائياً إلى بلاده، وذلك من العام 2008، ولم يعد إلى الدولة حتى الآن، تاركاً ابنته بدون جواز سفر ولا أوراق.
وبمراجعة السفارة الأردنية، تبين أن القوانين المعمول بها في هذا الصدد تمنع بشكل حاسم اصدار جواز سفر لأي طفل بدون وجود والده، وأكد أحد الموظفين لأم الطفلة وفق ما ذكرت، أنه حتى لو بلغت ابنتها العشرين من العمر فلن تحصل على جواز سفر ما لم يحضر والدها بنفسه لطلبه، وعندما لجأت الأم إلى السفارة السورية باعتبارها من رعاياها، حاولت الأخيرة التدخل ودياً لدى السفارة الأردنية على أساس أنها واجهت حالة مشابهة، واستطاعت الحصول على استثناء لأسباب انسانية وأصدرت جواز سفر للأبناء بدون موافقة والدهم، إلا أن السفارة الأردنية أكدت أنه لا يوجد في القانون أي استثناء في هذه النقطة، وبالتالي لم تستطع «تولان» أن تحصل على جواز سفر.
أبوظبي ـ إيمان كلش
