أتواصل مع قراء (الحواس الخمس) اليوم من مدينة الإسماعيلية الواقعة على قناة السويس على بعد نحو 130 كيلو مترا شرقي القاهرة، حيث يقام مهرجانها السينمائي الدولي سنويا والمتخصص في الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة، وهي نوعية من الأعمال تفتقد للأسف إلى الجمهور الذي تغريه دائما الأفلام الروائية الطويلة بإمكاناتها المادية والتقنية وبريق وشهرة نجومها.
ورغم الصعوبات المتمثلة في مقر إقامة ضيوف هذا المهرجان القابع داخل منطقة عسكرية تطل مباشرة على المجرى المائي لقناة السويس، نتابع من خلاله يوميا رحلات الناقلات البحرية العملاقة والبواخر وهي تأتي من الجنوب إلى الشمال والعكس، وتجعلنا نتعرض أحيانا للانتظار ساعتين.
حيث يتم تأمين المكان لها، بخلاف الإجراءات الأمنية المشددة خلال الرحلة من القرية الأولمبية (مكان الإقامة) إلى قصر الثقافة (مكان العروض)، وفي ظل مراقبة دائمة من الشرطة المدنية والعسكرية وضعف التواصل مع العالم الآخر من خلال إنترنت قوي الإرسال، يبقى للمكان خصوصية متمثلة في الضفة الأخرى من القناة.
حيث تظهر أطلال خط بارليف أقوى ساتر دفاعي عرفه التاريخ العسكري عبرته القوات المصرية عام 1973 خلال 6 ساعات وواكبت ذكرى هذا الانتصار السادس من شهر أكتوبر الجاري، كما يبقى للمكان عبق خاص من خلال صناع سينما بعضهم في بداية الطريق مع أفلام شديدة الاقتراب والتماس مع الواقع الذي نعيشه و«فرجه» مشحونة بالإثارة من كل صناعات السينما وتوجهاتها بالعالم.
تجارب ومدارس
ويشارك في الدورة الرابعة عشرة لمهرجان الإسماعيلية هذا العام 78 فيلما من35 دولة أجنبية وعربية في المسابقات الخمس الرسمية للمهرجانات، منها30 فيلما روائيا قصيرا و6 أفلام تسجيلية طويلة و17 فيلم تحريك و10 أفلام تجريبية و15 فيلما تسجيليا قصيرا، وهي أعمال شديدة العذوبة تجلو الصدأ عن المشاعر الإنسانية وتعيد الحياة للمعاني النبيلة، وتشكل في رصيدها تجارب ومدارس متعددة ونشطة، ويمثل بعضها طموحات جيل جديد كمحاولة لإثبات الوجود المتميز على الخريطة السينمائية.
الماضي والحاضر
من مصر قدم المخرج مصطفى عبد المنعم خريج المعهد العالي للسينما 2009 فيلمه (آخر رنه ـ Last Ring) 4:46 دقيقة ـ تحريك، مستعرضا بطريقة كوميدية مقارنة ما بين الماضي والحاضر من خلال تليفون منزلي وهاتف محمول، حيث يدور بينهما صراع شرس حول من يفوز على الآخر، ويحوي الفيلم في معناه مقارنة بين التاريخ القديم والتكنولوجيا الحديثة، واستخدم المخرج الرسوم المتحركة والتصوير مع خلفيات (3) لتأكيد هذا المعنى الذي استغرق منه 4 شهور عمل متواصلة لينتهي منه.
مشكلة المغتربين
وفي فيلمها الثاني تستلهم المخرجة الألمانية ميريام أورثن، الطالبة بجامعة ميونيخ للتلفزيون والسينما، من حياتها الشخصية قصة فيلمها (لغة الوالد ـ Father Language) كونها نشأت في أسرة والدها تركي ووالدتها ألمانية، وفي عمل روائي قصير 16 دقيقة تسلط الضوء على مشكلة جوهرية في مجتمعات المغتربين، من خلال ليلى ذات الثمانية عشرة عاما والتي تشعر أنها منعزلة عن ثقافة والدها التركي، وأثناء زيارة أقارب لها من تركيا تجدها فرصة للتعرف أكثر على هذا البلد وثقافته ولغته وهو أمر لا يتحقق بسهولة، وقد تعرض لها الفيلم بحساسية ورقة شديدة دون افتعال أو تسرع، وكانت شخصية العمة التي تتحدث بطبيعة المرأة الشرقية من أجمل الأدوار، حيث ساهمت في انخراط ليلى مع عاداتهم وتقاليدهم التركية، وكانت المخرجة وهي المصورة والمونتيرة أيضا، موفقة كثيراً في اللقطات التي توضح تلك المشاعر وتبوح بها.
لقاء عاطفي
ومن أسبانيا نجح نك إيجيا، مخرج وسيناريست ومنتج يدرس السينما في جامعة كومبلوتنس بمدريد، في الوصول بفيلمه القصير(لقاء ـ Encounter) ـ21 دقيقة إلى المعنى الذي يعبر عن أن النهايات في العلاقات العاطفية لا يمكن أحيانا التراجع عنها حتى لو حدث لقاء بالصدفة، وهذا ما جسداه بطلا فيلمه آنا وسيرجيو اللذان يلتقيان بالمصادفة البحتة في الشارع بعدما افترقا منذ ثلاث سنوات، يتبادلان النظرات، يثرثران، يسمعان، وينتظران من يشعل منهما من جديد قصة الحب بعد الفراق الطويل؟، لكن تنتهي القصة كما بدأت كل منهما في طريق، وجاءت اللقطات السريعة والمعبرة والمركزة على العيون والشفاه والأيادي والأقدام وهي تقترب وتبتعد موحية للمعاني دون إفراط، كما كانت الكادرات الخالية من البشر مؤكدة لخصوصية هذا اللقاء وحرارة مشاعره من ذوبان وتلاش واختفاء بعد ذلك.
أصغر مخرج
وفي فيلمه الثالث (الأسبوع المقبل ـ Next Week) روائي قصير ـ 15 دقيقة، يستعرض الإيطالي أندريا مونزاني أصغر مخرج بالمهرجان، مواليد عام 1986، فكرة استلهم موضوعها من أغنية، وتدور حول رجل يحدق في ورقة مرسومة بقلم رصاص يظهر فيها مع زوجته وابنته داخل حديقة واسعة، لنكتشف أن طفلته الصغيرة هي من رسمتها ويحاول هو من خلالها إحياء حقيقة فقده لها، لنتعرف من الأحداث بعد ذلك أن الطفلة يئست كثيرا من عدم سماع والديها إليها ورفضهما إجراء حوارا معها.
وفي ظل عدم انصاتهما وتجاهلهما لها تنزل من السيارة في إشارة مرور لتعبر الشارع، تاركة اللقطات خيال المشاهد تصور كيف ماتت دون إبراز ذلك في مشهد صادم أو دموي، وكان إخفاء هذا الأمر وسيلة ذكية ودرامية لتشويق المتفرج، كما جاء السيناريو رائعا في رصد ردود فعل الوالد الذي انهار ودخل مصحة نفسية، والأم التي توددت إلى الله أن يرعى ابنتها في قبرها بعد رحيلها، وقد حصل هذا الفيلم الذي يدعو إلى ضرورة محاورة الأطفال، على جائزة أفضل عمل قصير بمهرجان فيرينزي السينمائي للأفلام القصيرة 2009، وجائزة الجمهور بمهرجان سينما فولا السينمائي عام 2010.
الاسماعيلية ـ أسامة عسل



