أكدت خطبة الجمعة أن التربية الإسلامية في مجال الذوق والجمال من شأنها أن تمد الإنسان بموازينهما الصحيحة، ومفاهيمها السديدة، التي ترقي الطبع وترققه، وتسمو بالذوق وترفعه، وتجعل المرء يحب الجميل حقا، وينفر من القبيح سجية وطبعا، وبناء على ذلك فإن للإيمان ومقتضياته من الأعمال والأوصاف جمالا لا يحس به إلا ذوو الأذواق السليمة والفطرة الربانية التي فطر الله الناس عليها (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم).
وللقرآن من الجمال في معناه وأسلوبه ما يرغم المتذوق له على تمام الاستسلام له والخضوع، والهتاف التلقائي «صدق الله العظيم» ومعناه هذا عين الصواب، وهذا هو بالضبط ما ينبغي أن يكون. وهكذا كل جميل أتى به الإسلام ودعا إليه.
مثقال ذرة من كبر
وقد روى الإمام مسلم رحمه الله عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا. قال :« إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس».
فهذا الحديث يبين ما للجمال والذوق من الأهمية والقيمة في ديننا الحنيف، فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل على عنايته بثوبه ونعله، وتحسين مظهره ومنظره بأن جعل ذلك من التخلق بالأخلاق التي يحبها الله تعالى «إن الله جميل يحب الجمال» وهو أسلوب في غاية البيان والتأثير، ومعنى « إن الله جميل» أي حسن الأفعال، كامل الصفات، وأما الجمال فمعناه الحسن الكثير والكمال في التناسق في عالم الخلق.
فهذا الوصف إذا يحبه الله تعالى أي يريده ويرضاه، ومن ثم كان لابد للمسلم أن يتحقق به في كل أموره وشؤونه، بدءا من أعماله وأخلاقه التي هي جوهره وحقيقته، وانتهاء بآخر شيء وأدقه في مظهره وسمته.
وأشارت إلى أن من يتأمل الشريعة وتعاليمها العظيمة يجدها جمالا كلها، فالصبر الذي أمر به المسلم في مقابل الضجر، وإلى التؤدة والتأني في مقابل العجلة، وإلى الرفق في مقابل العنف، وسائر ما دعت إليه تجده في غاية الحسن والجمال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« التؤدة والاقتصاد والسمت الحسن جزء من أربعة وعشرين جزءا من النبوة ».
وللصوت جمال - وهو مظهر- دعينا إلى مراعاته، والابتعاد عن قبيحه ومنكره، قال تعالى(إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم) ولذلك كان جزءا رئيسا في منهاج تربية الأبناء كما هو حال لقمان مع ابنه (واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير).
والقرآن يتطلب التغني الجميل والصوت الحسن، لما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ليس منا من لم يتغن بالقرآن». قيل لابن أبى مليكة: أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع. إن الجمال قيمة عظيمة في الإسلام، يجلي ذلك كثرة تنبيه القرآن الكريم على مواطن الجمال في مخلوقات الله ومكوناتها، ففي السماء جمال (ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين) وفيما على الأرض زينة وجمال ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا).
ابو ظبي - البيان