في فجر مفعم بالنشاط والهمة العالية، يبدأ يوم سائق الحافلة المدرسية محمد فتحي العدوي، فيباشر عمله في الساعة الخامسة والنصف فجرا، حيث يتواجد في محطة الحافلات بالقوز ليستلم الحافلة وينطلق بها إلى خط الأولاد في الساعة السادسة فجرا، حيث يتعين عليه المرور على 40 طالباً خلال ساعة زمنية واحدة.
يقول العدوي: اعتدت على هذا العمل، حيث توليت مهام وظيفتي كسائق حافلة مدرسية منذ 18 عاما، قضيتها متنقلا بين مناطق في بر دبي مثل جميرا وشعبية الشرطة لأستقر في منطقة القوز التي أعرف ساكنيها وأحفظ شوارعها وأزقتها الداخلية عن ظهر قلب باعتباري أقوم بنقل الطلاب منذ 13 سنة وحتى الوقت الراهن. فسائق الحافلة المدرسية ملزم بالتعرف الى شوارع المنطقة التي يجمع طلابها ويمر عليهم واحدا تلو الآخر، في نظام عملي ومدروس تلافيا لنسيان احدهم وتفاديا للتأخير الذي أحرص على عدم حدوثه لتأثيره في الطلاب.
فأنا كسائق أعد خطة عمل محددة بحيث تمكنني من رسم طريقي دون تجاهل احد الطلاب، كما أحرص على عدم تعريض حياة الطالب للخطر مهما كلف الأمر، فأنا ملزم بتحميل وإنزال الطالب عند باب بيته دون أن أتركه عرضة لوقوع الحوادث إذا تركته يقطع الطريق عابرا الشارع للوصول إلى بيته، علما أن بعض البيوت تكون مواجهة لبعضها البعض.
ويقيم فيها طلاب أمر عليهم، فأنا لا احمل طالبا من أمام بيته وأترك آخر في البيت المقابل ليعبر الشارع لركوب الحافلة، بل أسعى للمرور على الطلاب في الجهة المقابلة لأعود في جولة تجبرني على قطع مسافة طويلة في غالب الأحيان للعودة مجددا إلى ذات الشارع ولكن لتجميع الطلاب في الجهة المقابلة وهكذا.
رحلة مزدوجة
فالأمر نفسه يتكرر في تجميع البنات ولكن خلال 50 دقيقة وليس ساعة، فها أنذا تأكدت من نزول آخر طالب من الحافلة عند مدرسة البنين، ومباشرة قمت بالتدقيق على الحافلة والبحث بين المقاعد عن أي كتاب يكون قد نسيه احدهم.
وأيضا لأطمئن على خلو الحافلة من الطلاب الذين ينامون أحيانا في الحافلة خلال مسيرتها إلى المدرسة، وبعد أن تأكدت من ذلك وضعت لافتة على زجاج الحافلة الخلفية تدل بأن الحافلة خالية، لأني مباشرة سأتجه نحو منزل أول طالبة والتي سكنها قريب من مدرسة الأولاد.
وهكذا اندفع بحافلتي نحو المزيد من الطالبات في رحلة حافلة بالمواقف والحالات العصيبة التي تعرضت وما زلت أتعرض لها من قبل مستخدمي الطريق أصحاب السيارات الصغيرة الذين وبكل أسف لا يحترمون مرور الحافلة ولا أهمية عملي كسائق ينقل أولادهم، وأجاهد في تجميع الطلبة وإيصالهم إلى مدارسهم في الوقت المحدد.
عموما فان يوم عملي لا يقتصر على نقل الطلاب والطالبات من والى مدارسهم وبيوتهم، إنما وبعد الانتهاء من عملية توصيل الطالبات إلى المدرسة.
والتأكد من نزولهن جميعا بأمان، فإني أعود لرفع علامة «الحافلة خالية» مجددا، واتجه نحو محطة القوز، لأقوم بوظيفة كاتب شؤون إدارية في المحطة، وهناك بعض المهام الموكلة إلي مثل الإشراف على إجازات السائقين وتسليم بطاقات كل ما يخص الشؤون الإدارية والاطلاع على حضور وانصراف الموظفين.
إضافة إلى تسجيل البريد والتدقيق على احتياجات المستودع الفني للحافلات في المحطة، هذا ما أقوم به كسائق علما أن المجتمع لا يزال ينظر إلى من هم في مهنتي بنظرة غير صحيحة، والإعلام مطالب بتصحيح هذه النظرة التي لا تتوافق مع الواقع الفعلي.
فأنا سائق لكني مسؤول أيضا وأتحمل هذه المسؤولية بأمانة وجدية، ومن أولى مسؤولياتي إعطاء الطالب صورة ايجابية عن التعليم والمدرسة والانضباط، وإن لم ألتزم بهذا الواجب فاني سأنقل للطالب الوجه السلبي حتى عن مهنتي، وهذا لا يجب ولا يجوز، فإني كمسؤول عن هؤلاء الطلاب وسلامتهم أحسن التعامل معهم وأقوم بإرشادهم وتوجيههم.
وفي كل الأحوال فانا أتعامل مع البنات والأولاد كأنهم أبنائي واغرس في نفوسهم مبادئ حسنة مثل احترام الآخرين وخاصة الأكبر سنا، وأهمية إلقاء التحية عند ركوب الحافلة، واعتبر الحافلة المدرسية بمثابة الحصة الأولى أو التمهيدية للطالب.
ولكن لكوني سائقا فاني أعاني من قلة احترام الآخرين لهذه المهمة النبيلة التي أقوم بها صباح كل يوم. فأنا كسائق يتم إخضاعي لدورات تدريبية في تعليم مهارات الحاسب الآلي الذي أتعامل معه بحرفية، إضافة إلى دورات تنمية المهارات الشخصية، والتعامل مع المصاعب التي تسهم في تقوية شخصية السائق وتعينه على تحمل المسؤوليات والتعامل مع مختلف المستويات والفئات.
نهاية المطاف
أما بعد الانتهاء من دوام التكليف في المحطة أتوجه إلى مدرسة الأولاد في الساعة الثانية عشرة ظهرا لنقل الأولاد إلى بيوتهم في خلال ساعة واحدة، وبعدها أنطلق إلى مدرسة البنات للغرض نفسه، وبعد نزول آخر طالبة أعود إلى المحطة وينتهي عملي في الساعة الثالثة ظهرا، ويبلغ متوسط الدوام 10 ساعات عمل تقريبا.
أتمنى تسليط الضوء على معاناة السائق اليومية ومكابدته، حيث نتعرض كسائقين لاستفزازات من مستخدمي الطرق وأصحاب السيارات الصغيرة الذين لا ينصاعون لقوانين احترام الطريق ومستخدميه، فهناك فئة قليلة متعاونة معنا.
ولكن المشاكل التي نتعرض لها ميدانية في كثير من الأحيان بسبب عدم إعطاء سائق الحافلة المدرسية الأولوية في المرور، وعدم احترامي كسائق قد أكون ناقلا أبناء السائقين إلى مدارسهم وانا حريص على سلامتهم.
من خلال عملي في هذا المجال رأيت وما زلت أصنافا من الناس، بعضهم متعاون والأغلبية لا يقدرون حجم معاناة سائق الحافلة المدرسية وأهمية الدور الذي يؤديه.
رصد ـ نادية إبراهيم

