تعكف وزارة التربية والتعليم على ترجمة استراتيجية التعليم الجديدة في عنوانها الأبرز وهو المعلم، من خلال مبادرة خلاقة أشبه بـ «رخصة المعلم» لضمان التأهيل الأمثل لقدراته المهنية، وهذا من خلال إنشاء مركز تقييم للمعلمين والقيادات التربوية، حسب ما يكشف عن ذلك لـ «البيان» علي ميحد السويدي مدير عام وزارة التربية والتعليم بالإنابة.

وفي هذا الإطار كانت تتردد على ألسنة أولياء الأمور الكثير من التساؤلات أبرزها حول التأهيل السلوكي والأخلاقي لأهم ركائز العملية التعليمية والتربوية بما أن التربية تسبق التعليم في عنوان الوزارة؟

وكذلك كيف لنا أن نثق بإيداع فلذات أكبادنا بين أيدي الآخرين وإن كانوا مدرسين من دون أن نكون واثقين تماماً أنهم بين أيد أمينة مهنياً وأخلاقياً؟

ومن يقدم لنا الضمانات بأن أجيالنا تحظى بفرصة حقيقية للتربية والتعليم في ظروف صحية مدروسة، سوى الجهات الرقابية المختصة؟

ورداً على هذه التساؤلات يجيب علي ميحد السويدي مدير عام وزارة التربية والتعليم بالإنابة، بأن وزارة التربية والتعليم تعتزم تطبيق آلية جديدة لاختيار المعلمين الجدد المؤهلين، وذلك من خلال إنشاء مركز تقييم للمعلمين والقيادات التربوية، موضحاً أن هذا المركز مدرج ضمن الخطة الاستراتيجية للتعليم، كما يكشف عن أن الوزارة ستعلن قريباً ميثاقاً أخلاقياً.

ويقول السويدي إن هذا المركز سوف يضع معايير ترخيص المعلم والإدارة المدرسية، وهذا التقييم يعادل ما يشبه «رخصة المعلم» لمزاولة المهنة، مشيراً إلى أن معالي حميد القطامي وزير التربية والتعليم سوف يعلن عن التفاصيل لاحقاً.يذكر أن المعلم عندما ينتهي من التعليم الجامعي، فهو يحصل على رخصة للمعلم، ولكنه يحتاج إلى تأصيل وممارسة مهنة التعليم وربطها بالتطوير ومواكبة العصر الحديث في كيفية التعليم.

ويقول إن هذا المركز يعد بمثابة إلزام مهني قوي للمعلم إضافة إلى ذلك يدفع المعلم لأن يطور نفسه بنفسه وأن يتابع كل التطورات التي تحدث في العملية التعليمية، مشيراً إلى أن التقييم يشمل برامج تدريبيه وتنمية مهنية، موضحاً أن التنمية المهنية لها شقين: ذاتي ومؤسسي، ويجب أن يكون المعلم لديه مستوى عال من المهنية، فالمعلم أصبح أمامه تحد كبير لإثبات نفسه وأنه قادر على تطوير نفسه مهنياً.

الميثاق الأخلاقي

هذا بالنسبة للتأهيل المهني، أما حول التأهيل السلوكي فيؤكد علي ميحد السويدي وجود رقابة من قبل الوزارة على سلوكيات المعلم داخل المدرسة، ويقول «هناك ما يصل إلى 23 ألف معلم ومعلمة في مدارس الدولة، وفي حال ظهور عدد قليل من هذا العدد الذين يرتكبون سلوكيات خاطئة، فإنهم لا يمثلون النسبة التي تعمم هذه السلوكيات على فئة المعلمين».

ويشير السويدي إلى أن هذه السلوكيات تعد منخفضة محلياً إذا ما قورنت بدول أخرى، متهماً وسائل إعلام بالترويج لها باعتبارها ظاهرة، وأكد أن المعلم لابد أن يحظى بأخلاق حميدة وطيبة داخل المدرسة وخارجها لأنه معلم ومسؤول عن أجيال المستقبل.

حالات نادرة

وزارة التربية والتعليم تؤكد أن «التحرش بالتلاميذ في المدارس لم يصل بعد إلى مرحلة الظاهرة» وفي الوقت نفسه تكشف بعض الوقائع الجنائية سلوكيات خاطئة تصل إلى درجة الانحراف لدى حالات قليلة بين المدرسين.فقد نظرت محاكم دبي في وقت سابق، قضايا عدة، كان المجني عليهم فيها تلاميذ، قام معلموهم بارتكاب جناية (هتك عرض بالإكراه) بحقهم، بحسب الاتهام الذي وجهته النيابة العامة.

وخلال العام الجاري، نظرت محكمة الجنايات في دبي، ثماني قضايا تحرش ضد أطفال بينهم تلاميذ مدارس، وأدانت المحكمة المتهمين بتهمة (هتك عرض بالإكراه). وقال معظم الأطفال في شهادتهم إنهم «لم يُبلغوا أهاليهم بسبب الخوف».

آليات الرقابة

إلى ذلك حذر تربويون من أن السلوكيات والتصرفات غير الأخلاقية التي أبداها معلمون في وقت سابق، قد تؤدي إلى تغيير صورة المعلم في نظر الطالب، حيث يتحول من القدوة الحسنة ومعلم الأخلاق والفضيلة إلى عدو لهم، ما يضعف الثقة بين المؤسسة التعليمية والمجتمع. وطالب أولياء أمور وزارة التربية والتعليم بوضع المعايير الرقابية اللازمة لضبط المؤسسات التعليمية كافة، ومد نشاطها الرقابي على أي مراكز أو مؤسسات تعليمية خاصة أو عامة لضمان عدم تعرض التلاميذ للأذى أو الإهانة.

وقال تربويون إن «التحرش الجنسي بالتلاميذ في مؤسسات تعليمية لم يصل بعد لمستوى الظاهرة في المجتمع، لكنه على الرغم من ذلك بات يهدد العملية التعليمية بفقدان الثقة وهدم جسور العلاقة التربويةألا بين المعلم والطالب».ألا لكن مديري مدارس أكدوا أن معظم المدارس لديها لوائح داخلية لتنظيم سلوكيات المعلمين.

وتفصيلاً، قالت ندى صعب مديرة مدرسة الظفرة الخاصة في أبوظبي، إن المدرسة تضع لائحة سلوك تحكم المعلمات والمعلمين داخل المدرسة منها الاحتشام في اللباس، وعدم إعطاء دروس خصوصية من دون إذن المدرسة، ووفقاً لطلب ولي الأمر حتى تكون المدرسة مراقبة على هذه الدروس داخلها وخارجها، وأضافت «من هنا يتم وضع المعلم تحت المراقبة السلوكية والعلمية».

وأوضحت أن المدرسة تضع ضوابط للتحكم في السلوكيات الخاطئة التي يمكن أن يقوم بها التلاميذ مثل التدخين أو استخدام الهواتف المتحركة داخل حرم المدرسة، والالتزام بعمليات التصحيح السليم وعدم التفضيل بين الطلاب حتى في المعاملة. مشيره إلى التزام المعلمين بالدخول إلى الصف في الوقت المحدد للحصة المدرسية، وعدم السماح للطالب بالخروج من الصف إلا للذهاب إلى الحمام وعلى المعلم أو المعلمة التأكد من عودة هذا الطالب للصف، وعدم سب الطلاب بأي ألفاظ مؤذية.

وقالت «إذا تعدى المعلم على الطالب باللفظ يتم إرسال لفت نظر شفهي، ثم إنذار كتابي في حالة التكرار، وعدم تجديد عقد المدرس إذا حصل على ثلاثة إنذارات كتابة».وأوضحت أنها وضعت هذه اللائحة لتجنب أي سلوكيات خاطئة تحدث داخل المدرسة، مؤكدة أهمية تشديد الرقابة من قبل الإدارة داخل المدرسة، وشددت على استمرار حث المعلمات على الالتزام بالأخلاقيات والسلوكيات السليمة خارج المدرسة لأنهن يمثلنها.

وأضافت ان المعلم الذي يضع نفسه في مواقف خاطئة أمام الطالب أو ولي الأمر سوف يفقد احترامه ويخسر عمله. وطالبت بوجود تحفيز وتدريب للمعلمين، ووضع لوائح وقواعد من قبل المسؤولين أو المدارس لتنظيم عمل المعلمين، بالإضافة إلى التدقيق في اختيار المعلم وفقاً لسلوكياته وتاريخه المهني والأخلاقي.

وأشارت ندى صعب إلى أن المدرسة لها دور كبير في البحث عن القيم الأخلاقية والتحري عن المعلم وعن ضميره المهني من خلال التأكد من المدارس التي سبق وعمل فيها، مؤكدة أن الأعوام الأخيرة شهدت ظواهر عدة دفعت بالمعلم إلى اتباع سلوكيات غير سليمة، حيث لا يستطيع مواكبة المتطلبات المادية للحياة، فيلجأ إلى الدروس الخصوصية، وتبعاتها من الأخلاقيات البذيئة. وذكرت أنه في حال ضبط أي سلوك شديد الخطورة والتأكد منه نطلب دعماً من وزارة التربية لاتخاذ القرار الصحيح.

تلميذ ذكي

من جانبها، اعتبرت هند لوتاه مديرة مدرسة السعادة للتعليم الأساسي، ان الطالب أو التلميذ أذكى مما يتوقع المعلم لأنه أصبح مطلعاً على عالم التكنولوجيا والانترنت ويمكن أن يفهم إذا كان هذا المعلم يتعامل معه بلطف أو بكراهية، أو يتحرش به، وعن طريق المعاملة يكون الطفل شخصية المعلم بداخله وفي حال صدور أي شيء بسيط من هذا المعلم يعتبره الطالب شيئاً كبيراً وأن هذا المعلم يكرهه.

وأوضحت لوتاه أن «المعلم يؤدي رسالة أخلاقية ولابد أن ينزل ويستطيع مواكبة عقول المرحلة التأسيسية التي تؤثر على نفسية الطالب. لافتة إلى أن إدارة المدرسة تحفز المعلمات على التعامل بحب مع التلاميذ ومنع ذكر أي لفظ بذيء داخل المدرسة.وأضافت ان كل مرحلة تحتاج معاملة خاصة من قبل المعلم أو مدير المدرسة لتجنب المشكلات داخل المدرسة التي تنتج من معاملة المعلم مع الطالب.

وذكرت لوتاه أن أي سلوك خاطئ يرتكبه المعلم داخل المدرسة او خارجها يعبر عن شخصيته غير السليمة، والخلل الذي بداخله، مشيرة إلى أن المدرس هو الذي يعلم الأخلاق والاحترام للطلبة، وعندما يكتشف الطالب هذه السلوكيات للمعلم فإنه يسقط المعلم من نظر الطلاب في هذه الحالة ويفقد احترامهم.

وقالت إن «هناك لوائح خاصة من الوزارة تنص على احترام الطالب، وتمنع التعدي عليه بالضرب والإهانه أو الاعتداء الجسدي»، وتابعت «إذا تصرف الطالب بشكل خاطئ فإن للمعلم الحق في حرمان الطالب من الأنشطة أو غيره من المميزات، ولكن دون أي اعتداء والعقاب لابد أن يتناسب مع المرحلة العمرية».

وأشارت إلى أن إدارة المدرسة تراقب تصرفات المعلمات وترفع تقريراً لنصف العام يحمل اسم تقرير الكفاية ويركز على السلوكيات من بينها سلوكيات المعلم وأداء المعلم السنوي لهيئة المعرفة والتنمية البشرية وثم الوزارة، مضيفة إلى أن التقرير يتضمن معاملة الطالب داخل المدرسة ومعاملة وسلوكيات المعلمين والمعلمات ومن خلاله يتم التصرف مع هذه الحالات. وأوضحت لوتاه أنها تتوجه إلى سؤال الأخصائية الاجتماعية لأنها تستقبل اتصالات أولياء الأمور حول شكواهم على المعلمات في تعاملهن مع أبنائهم.

ضغوط الحياة

ومن جانبها قالت صفاء رشدي ألامعلمة مادة الأحياء في مدرسة آمنة بنت وهب الحكومية للتعليم الثانوي بنات في دبي، إن الظروف الاقتصادية والضغوط النفسية هي التى جعلت معظم المعلمين يتلفظون بالألفاظ النابية، موضحة أن بعض المعلمين يفتقدون لفن التعامل مع الطلبة ومن ثم تسوء العلاقة بين المعلم والطالب فتؤدي إلى قلة احترام الطالب للمعلم وضياع هيبته.

وأضافت ان هناك قلة في إعطاء الدورات النفسية والتربوية للمعلمين لكيفية التعامل مع الطلبة وذوي السلوك المضطرب وهذا من جانب، أما من جانب آخر فعدم توصيل المعلم المعلومة للطالب بالشكل الصحيح، وعندما يطلب الطالب إعادة شرحها يوجه له المعلم ألفاظاً تتنافى تماماً مع قيم وأخلاق المعلم.

وأضافت ان المعلم أصبح أضحوكة للجميع في الأفلام والمسلسلات، فقل الاحترام والتقدير، كما أن ضعف البرامج التربوية في التلفاز ووسائل الإعلام أثر بشكل كبير على تلقي الطالب لهذه القيم العظيمة. ويجب ألا يكون هناك أثر للضغوط النفسية والاقتصادية على المعلم إذا كان المعلم يقدر دوره ورسالته في المجتمع ويعرف جيداً كيف يتعامل مع الطلاب، ولكن الأمر لا يخلو من وجود بعض التأثيرات السلبية على المعلم نتيجة قلة راتبه مقارنة بالوظائف الأخرى وغلاء تكاليف المعيشة ومن ثم ينعكس على طريقة تعامله مع الطلاب فيضطر إلى الدروس الخصوصية لزيادة الدخل أو تظهر العصبية في سلوكه أو التقصير في مهمته تجاه الطلاب.

عهد بين الطالب والمعلم

وفي السياق ذاته قالت شاهيناز محمد معلمة مادة الرياضيات في مدرسة الأميرة هيا بنت الحسين، على المعلم أن يفتح لغة الحوار من أول يوم دراسي يجلس فيه مع طلابه ويتحاور معهم في وضع وثيقة خاصة بينهم وبين المعلم وفرض الثواب والعقاب الذي يحبونه ويتم التوقيع من جميع الطلاب على هذه الوثيقة «عهد بين الطالب والمعلم» ومن جهة الإدارة المدرسية عليها وضع لوائح داخلية لإرشاد المعلم وحثه على أساليب صحيحة في التعامل مع الطلبة.

وأشارت إلى أن المعلم لابد أن يعطي شعوراً للطالب بأنهم إخوة، حيث أن شعور الطالب بهذه العلاقة يمحو الخوف والرعب من أن يجيب اجابة خاطئة بل يحاوره ويناقشه لشعوره بالاطمئنان، وان يكون صديقاً لهم ويشعرهم بمدى حبهم لهم، وعلى المعلم ألا يتلفظ بأي لفظ يسيء للطالب لكي يحتفظ بهيبته أمام طلابه.

دبي ـ رحاب حلاوة