أكد الدكتور يوسف إبراهيم مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، إلى أن الإسلام نهى عن جرائم الفساد وإهدار المال العام، حيث اعتبر أكل أموال الناس إثما وتعدياً على حقوق الآخرين لقوله عز وجل «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون»، ونهى الإسلام أيضاً عن الاحتكار باعتباره من الجرائم الاقتصادية التي يترتب عليها آثار سلبية بالمجتمع.

حيث استغلال حاجة الناس لسلعة معينة والتحكم في أسعارها، وبالتالي تحقيق الثراء الفاحش والسريع لحفنة من الأشخاص، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من احتكر فهو خاطئ»، كما نهى الإسلام عن الرشوة التي تؤدي إلى نتائج كارثية على المجتمع، حيث تكرس الظلم وتطمس الحقوق وتقلب الوقائع، ومن صور الفساد الأخرى التي حرمها الإسلام الغش بجميع أنواعه، لا سيما الغش التجاري الذي يعد من وسائل الكسب غير المشروع. ويطالب إبراهيم بتطبيق نظام الاقتصاد الإسلامي وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية المستمدة من كتاب الله تعالى، باعتبار ذلك الوسيلة الوحيدة للقضاء على صور الفساد الذي استشرى في مجتمعاتنا، وذلك بدلاً من الجري وراء النظم الاقتصادية الغربية التي لا تتلاءم مع طبيعة المجتمع المسلم، لا سيما أن القيم الإسلامية لها دور كبير في زيادة الإنتاج كماً وكيفاً من خلال القضاء على جرائم الفساد المتنوعة.

التصرف بالمال العام ... ويقول د. عبد الفتاح إدريس، أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة: لقد انتشرت جرائم الفساد المالي وإهدار المال العام في مجتمعاتنا العربية بشكل ملحوظ؛ وذلك بسبب الابتعاد عن تعاليم الإسلام التي كفلت الحفاظ على أموال المسلمين. مشيراً إلى أن القائم على المال العام يجب أن يعلم تماماً أنه ليس مخولاً في أن يفعل به ما يشاء أو أن يتصرف فيه بغير حق، وعليه دائماً أن يستشعر أن موقعه من المال العام خطير جداً، وأنه عنه مسؤول ومحاسب وفقاً لقيود الشرع وضوابطه التي لابد من مراعاتها عند إنفاق هذا المال في وجوه الصرف المختلفة، وهذا ما أكده الله تعالى في قوله «وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون».

ويؤكد: لقد حثت السنة النبوية المطهرة على حفظ المال العام وعدم إهداره، وهذا ما أكده الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف «ردوا الخيط والمخيط فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة».

الشنار: العيب، والحديث هنا يوجب رد كل شيء من المال العام وإن تدنت قيمته بمقدار قيمة المخيط والخيط.

ويوضح إدريس أن الخلفاء الراشدين كانوا نموذجاً يحتذى به في الحفاظ على المال العام وعدم إهداره لأي سبب من الأسباب، وقد كتب أحد الولاة لعمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، يطلب المزيد من الأقلام وورق الكتابة فأجابه عمر «أدق قلمك وقارب بين أسطرك؛ فإني أكره أن أخرج من أصول المسلمين ما لا ينفعون به ولا حاجة للمسلمين في فضل قول أضر ببيت مالهم».

وعندما طلب منه أحد ولاته مزيدا من الشموع التي كانت تضاء بها دار الإمارة ويضاء بها للأمير وهو في طريقه إلى المسجد لصلاتي العشاء والفجر، كتب إليه عمر: «لقد عهدتك يا ابن أم حزم قبل أن تكون واليا تخرج في الليلة المظلمة من غير مصباح، ولعمري لأنت يومئذ خير منك اليوم».

جزاء المفسدين بالارض

ويشير الشيخ فرحات المنجي، من علماء الأزهر الشريف، إلى قول الله تعالى «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتّلوا أو يُصلّبوا أو تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم».

موضحاً أن الله تعالى قرر عقوبة على كل المفسدين في الأرض، وهي أن يقتلوا أو يصلّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض؛ وذلك لحماية المجتمع وتوفير أمنه.

ويضيف: لقد أمرنا الرسول، صلى الله عليه وسلم، بحفظ المال العام وعدم إهداره فقد روي عن عدي بن عميرة الكندي رضي الله عنه أنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطاً فما فوقه فهو غلول يأتي به يوم القيامة، فقام رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه فقال يا رسول الله اقبل عني عملك قال ومالك؟

قال سمعتك تقول كذا وكذا، قال وأنا أقوله الان من استعملناه منكم على عمل فليجيء بقليله وكثيرة فما أوتي منه أخذ وما نهى عنه» وهذا يدل على أن يد الموظف العام مقيدة بضوابط الشارع، وأنه لا ينفق إلا ما أذن فيه ولا يأخذ منه إلا ما أعطيه، وأما ما أخذه منه ولو كان قليلاً فيجب رده إلى موضعه.

ويوضح أن محاربة الفساد تقتضي من الدولة تنفيذ عدد من الإجراءات المهمة، لعل أهمها محاسبة الموظف والمسؤولين، خاصة أولئك الذين تظهر عليهم علامات الثراء الفاحش والسريع، وربما كان هذا المبدأ من أهم المبادئ التي قامت عليها الدولة الإسلامية، فقد وقف أحد الأعراب أمام الفاروق عمر بن الخطاب قائلاً: لا سمع ولا طاعة، من أين لك هذا الثوب الطويل وقد أعطيت كل واحد من الرعية ثوبا لا يكاد يكفيه من تلك الأثواب التي جاءت لبيت مال المسلمين؟!

فرد عليه الفاروق بأنه أخذ الزيادة من نصيب ابنه، ثم قال «لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها».

محاربة الفساد تنقذ الامم

إلى هنا يقول د. معاذ عبد الله، أستاذ الحديث بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، إن محاربة الفساد من أهم أسباب دفع العقوبات عن الأمم؛ لقوله عز وجل «فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين».

وقوله أيضا «وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون» ويرى أن محاربة الفساد لن تنقذ الأمم من عذاب الله فقط، وإنما أيضا ستدفعها إلى التقدم والنهضة، فبدلاً من ذهاب الملايين إلى جيوب عدد من الفاسدين والمسؤولين والمرتشين فإنها ستوجه إلى آفاق المشروعات المنتجة النافعة التي تعمل على توفير فرص العمل وتجفيف منابع الفقر والبطالة.

ويؤكد أن محاربة الفساد لن تكون بالحكم والمواعظ وإنما بتفعيل المبدأ الإسلامي، ومن أين لك هذا، وكذلك إشاعة العدل والتكافل بين أفراد المجتمع، وذلك حتى نمنع الرشوة والمحسوبية وكل صور الفساد الأخرى المرتبطة بغياب العدالة الاجتماعية، ويشير إلى ما روي عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه.

حيث قال:« بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اليمن فلما سرت أرسل في أثري فردني، فقال: أتدري لِمَ بعثت إليك؟!

من يصب شيئاً بغير إذني فهو غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، لهذا دعوتك فامض لعملك»، فهذا الحديث يدل على حرمة الأخذ من المال العام بغير إذن، لأنه يعد فوضى في مال الله بغير حق، وقد قال صلى الله عليه وسلم:«إن رجالاً يتصرفون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة».