أردنا القيام برحلة إلى اسبانيا، واخترنا لوحة «المسافر» للرسام بيكاسو، والتي تمثل مسافرا يستريح في مقهى، بعد أن شرب وشبع - كما يبدو- فنام، لتدلنا على أول الطريق. فكرنا ثم قفزنا إلى سؤال: أين ولد هذا الرسام المبدع.. بيكاسو، فقالت لنا المعلومات، إنه ولد في مدينة «برشلونة» إحدى ثاني أكبر المدن الإسبانية بعد مدريد.
فقلت لرفاق الرحلة: إذن، لماذا لا تكون برشلونة بوابتنا إلى تلك البلاد؟ وهكذا كان، إذ لو أننا اخترنا أية لوحة للفنان سلفادور دالي، وهو إسباني من برشلونة، لما كنا عرفنا بداية الرحلة من نهايتها، لسبب بسيط جدا، هو أن سلفادور فنان سريالي، والسريالية كمدرسة ليس لها علاقة بالواقع المرئي والملموس على الإطلاق، بل يتحدثون عنها كما لو كانوا يكررون «خراريف» الجدات أيام زمان.. فيها من الخيال والأحلام الشيء الكثير.
لماذا بكى عبد الله؟ لمن لا يعرف التفاصيل؛ فلقد سبق للمسلمين أن دخلوا تلك البلاد العام 711 للميلاد، أي منذ 1300 عام حينها كنا أعداءً، دخلوها عبر مضيق «جبل طارق»، وأقاموا فيها أندلسا استمر قرابة ثمانية قرون «781 عاما»، ثم أُخرجوا منها، هم واليهود معا، في واحدة من أغرب مفارقات التاريخ.. أخرجوا منها إلى المغرب العربي العام 1492م، تاركين خلفهم أشياء كثيرة قيمة، منها «الحب العذري والشعر، وعلم الفلك.
وأنظمة الري وهندسة الحدائق، وإدارة المدن، والفروسية، والحمامات الشرقية، وقيم التسامح». ذلك كله، جعل والدة القائد عبد الله الصغير «آخر حكام الأندلس»، ترفع صوتها تقرع أبنها، في لحظة إنسانية غاية في الحساسية: «لا تبكِ كالنساء على ملك لم تحافظ عليه كالرجال.. »، لكن الرجل بكى حين غيبت الجبال عن عينيه تخوم مملكة الأمس، غرناطة.
أمام تلك الجبال وخلفها، سرنا في الممر الذي سار فيه عبد الله الصغير على حصانه باتجاه المغرب، استحضرنا تلك اللحظات التي وقف فيها يلقي على ملكه نظرة أخيرة، لقد شعرنا بنوع من الألم سرعان ما استبعدناه، مرددين معا؛ لكل زمان دولة ورجال. لقد أطلق المؤرخون المنتصرون الأسبان، على ذلك الممر، اسما ممتلئا بكل ما قد يذهب إليه الخيال الخصب من إحالات.. أسموه «زفرة العربي الأخيرة».. إنه يصلح عنوانا لكونشرتو موسيقي هندي تلعب فيه آلة «الفلوت» دورا مؤثرا.
برشلونة.. في برشلونة، عندما دخلنا لمسنا أن الشعب الإسباني أمة ضخمة (45 مليون نسمة)، يحبون الحياة ويحتفون بها ليل نهار، وفي أشكال تتعدى الرقص ومصارعة الثيران، إلى أشكال غريبة عجيبة وخطرة، ليس أخرها ترك الثيران في الشوارع العامة واستفزازها للنطح والقتل. الأسبان شرهون للغذاء، يأكلون كثيرا وينتقون طعامهم، ويهتمون بأناقة الروح نهارا، أما الليل فلا وقت لأحدهم لترك مسرة مهما كانت.
وفي مدينة برشلونة، التي تقع في الجزء الشمالي الشرقي من اسبانيا، بين مصبي نهري «لبريجات وبيزيوس»، وتبعد عن جبال البرنس 160 كم، أقيمت الألعاب الأولمبية العام 1991، وحدث كذلك شكل مصدر دخل كبير لسكان المدينة، البالغ عددهم حسب آخر إحصاء، مليون وستمائة ألف نسمة. إنها مدينة ساحرة بحق، والشعب الأسباني مهووس بالرياضة، وتحديدا لعبة كرة القدم.
وعند دخولنا مطعما بحريا، أرشدنا إلى الدخول من المطبخ! وعرفنا أن الحكمة في ذلك «مشاهدة اللحوم والأسماك طازجة، وبقية الأدوات الموجودة نظيفة» من باب ليطمئن قلبي، لتأكل بثقة وهدوء ومتعة، وسكينة إن شئت. وفي الساحة الكبيرة، غير البعيدة، وسط المدينة، حيث الناس تمارس رياضة المشي والترويح عصرا، يوجد تمثال لرجل بكامل ملابسه، يؤشر إلى جهة الجنوب، قيل لنا إن هذا التمثال هو لكولومبس الشهير نفسه.
وسبابته تؤشر هنا إلى أميركا الشمالية (الولايات المتحدة حاليا)، التي اكتشفها بتمويل رسمي إسباني وقتذاك. يومها هو الذي أطلق على مواطني أميركا الشمالية اسم الهنود الحمر، لكونه كان ذاهبا في الأساس لاكتشاف الهند، كما جاء في بعض الروايات، لكنه لما رأى تلك القارة والناس فيها ليسوا ملونين، لم يشأ القول إنه ضل طريقه، فكتب قائلا إنه وصل الهند لكنه وجد هنودا حمرا..!
إسبانيا تستحق أكثر من زيارة وفي كل زيارة تجربة فريدة فيها معلومات وفوائد جمة.
ناصر محمد العمري ـ الإمارات
