الصحيح أن هنالك غلاء وبشكل رئيسي في الحبوب، وهنالك أسباب عديدة تقف وراء ذلك، فالغلاء عام ومنتشر في كل بلاد العالم بلا استثناء، وهذه أيضا حقيقة ثالثة.
إن الطاقة الحيوية ليست هي الوحيدة التي أسهمت في ذلك لكونها اعتمدت الحبوب مصدرا لها، ولا ارتفاع أسعار النفط ليس هو العامل الوحيد الذي أسهم في هذه الظاهرة الموجعة عبر وقود الشاحنات والسيارات (المواصلات عامة) وبالتالي أصبح كل ما ينقل على ظهرها مرتفعا وغاليا سعره.
هبوط الدولار وفقده لكثير من قيمته الشرائية في السوق ليس هو وحده من تسبب في الغلاء كوجه آخر للمجاعة. دعم الأوروبيين لمزارعيهم أيضا ليس هو السبب الوحيد المؤثر على أسواق البلدان الفقيرة، حيث السلعة الأوروبية الرخيصة تنافس السلع المحلية الوطنية وتبور رواجها وتفسدها في مخازنها. العالم، يتحدث اليوم عن ثورة زراعية ويراها حلا أمثل لوقف التدهور نحو مجاعة محتمة، وثورة خضراء كهذه إن حدثت ستكون حلا أو جزءا كبيرا من الحل خصوصا لبلدان العالم الثالث.
إن إيقاف المجاعة عند شبحها الذي يلوح ويختفي هو بحد ذاته أمر جيد وفي صالح الإنسان. لكن الحديث عن ثورة زراعية في عالمنا العربي أمرها ليس سهلا؛ فأولا قد قسم الاستعمار الجغرافية العربية بشكل أسهم في تقسيم اقتصادها الذي لم يعرف يوما تنسيقا ولا اتحادا ولا صلابة يمكن استخدامها في محن أو محل مما يدفع الإنسان إلى الخوف على أمنه الغذائي قبل أطفاله.
وهنا يجدر الحديث عن القانون البريطاني للملكية الزراعية الذي لم يتنبه له ربما حتى هذه الفترة التي تدق فيها الحالة المعسرة أبواب الجميع. ترى ما هو هذا القانون؟ ينص هذا القانون في جانب منه على أنه إذا توفي رب الأسرة وهو يمتلك قطعة أرض زراعية كبيرة منتجة إنتاجا جيدا فإنها تورث للأبناء، لكن لا تقسم بينهم ويستفيدوا جميعا من خيراتها.
في حالة طالب أحد الأبناء بنصيبه من الأرض فعلى الأخ الأكبر أن يشتري نصيب أخيه فيها، فإن لم يستطع عندها يطلب من القادر بينهم على الشراء، فإن لم يتوافر بينهم من يستطيع الشراء، تضع الحكومة يدها عليها وتبيعها لشخص من خارج العائلة وتقسم ثمنها على الأبناء الورثة، وتشترط على المشتري الجديد ألا يقسم الأرض إنما يستخدمها فلاحة وزراعة كقطعة واحدة.
وبهكذا تشريع فإن الأرض تبقى متماسكة وشاسعة ويستفاد منها على نحو أكثر إنتاجا، إضافة إلى توفير في الجهد والمال الذي ينتفي فيما لو قسمت الأرض إلى قطع صغيرة بين الأبناء. إن نظرة سريعة إلى هذا التشريع الذي يمثل جانبا من جوانب قانون ملكية الأرض الزراعية البريطاني ومقارنته بالواقع الزراعي العربي، تكفي لمعرفة مدى التردي في الأرض الزراعية.
وفي السياق نفسه، يحق لنا طرح السؤال التالي: هل لما نشهده من ظاهرة غلاء تعم البلاد كلها بلا استثناء علاقة بالعولمة خصوصا أنه ثبت أن لها وجها متوحشا لم يتجل للجميع بعد؟.
سالم احمد علي - الإمارات
