أصدرت محكمة أبو ظبي الابتدائية أمس الحكم بالإعدام على اسيوي بتهمة جلب مادة الهيروين والاتجار بها، وهي العقوبة الأشد وفق قانون العقوبات في دولة الإمارات، وهذه ليست المرة الأولى التي تقضي بها محكمة أبوظبي بالإعدام بحق من تثبت إدانتهم بجلب المخدرات والإتجار بها، إلا أنه ومنذ صدور القانون الذي ينص على عقوبة الإعدام في هذه الجريمة في العام 1995 لم تنفذ العقوبة بحق أي من تجار المخدرات .
وذلك لأن الحكم الصادر بالإعدام يتم استئنافه أو نقضه في درجتي التقاضي التاليتين،« وهذا للأسف، ولا نقول للأسف حباً بالقتل أو رغبة فيه» بل لأن هناك 17 شخصا قضوا نحبهم في الإمارات خلال العام الماضي جراء تعاطي المخدرات، والذين لو كانوا قد قتلوا بالوسائل التقليدية للقتل لكنا الآن نطالب بالقصاص من قتلتهم، فلماذا يجب أن نخجل الان من المطالبة بالقصاص لهم.
17 ضحية في عام
قد يكون من الغريب أن تصريح مدير عام شرطة الشارقة، رئيس اللجنة العليا لمكافحة المخدرات في وزارة الداخلية، اللواء حميد محمد الهديدي، بأن 16 مواطناً لقوا حتفهم نتيجة تعاطي المخدرات، من بين 17 ضحية للمخدرات على مستوى الدولة خلال العام الماضي، لم يحرك الرأي العام نحو ضرورة تفعيل العقوبة المشددة نحو قتلة هؤلاء ليس بدافع الانتقام بل بدافع حماية اخرين يمكن أن يكونوا الضحايا المقبلين، خاصة إذا علمنا أن ضحايا المخدرات هم من الفئة العمرية بين 23 إلى 48 سنة، أي أن الاستهداف يأتي نحو شباب الوطن ومستقبله.
وكانت محكمة أبو ظبي قد أصدرت خلال الأشهر القليلة الماضية حكم الإعدام بحق 6 أشخاص في ثلاث قضايا مختلفة، كما قضت بالسجن المؤبد على آخرين في قضايا أخرى، وأوضح القاضي سيد عبد البصير رئيس محكمة أبو ظبي الجنائية أن الحكم بالإعدام بحق المدانيين بتهم جلب المخدرات بهدف التعاطي والإتجار بها يتوقف بعد ثبوت الإدانة على عوامل عدة منها نوع المادة المخدرة التي يقوم المدان بتهريبها إلى الدولة والإتجار بها.
وقال أن الإتجار بالهيروين وفق وجهة نظر المحكمة يستحق العقوبة الأشد، لما تمثله هذه المادة من خطورة تتجاوز حدتها المواد المخدرة الأخرى، كون الهيروين هي المادة الأكثر تسببا بقتل المدمنين عليها ، كما أنها الأسرع والأسهل في جر المتعاطي نحو الإدمان عليها، بالإضافة إلى عدم إمكانية الشفاء التام من أثارها المتلفة لعقل المدمن، وبالتالي تكون الحكام في قضايا الهيروين في حال ثبوت الاتجار هي الإعدام، وهي عقوبة لا يمكن النزول عنها في هذه الحالة، أما الحالات التي تم الحكم فيها بالمؤبد فهي تتعلق بجلب والاتجار بموادة الكوكايين.
كما أوضح القاضي عبد البصير أن عددا كبيرا من الفقهاء وضعوا الاتجار بالمخدرات في درجة الإفساد في الأرض وهذه عقوبتها الإدمان، مؤكداً أن من يتابع القضايا التي ترد إلى المحاكم والتي يرتكبها مدمنو المخدرات يدرك عدالة هذا الحكم بحق المتاجرين بهذه المادة السامة، مشيراً إلى أنه قام ببحث حول أثر المخدرات، مستعيناً بخبرة أكثر من 30 عاماً في المحاكم المصرية بالإضافة إلى الفترة التي قضاها في الإمارات.
حيث أورد الكثير من الحالات حيث يبيع المرء كل مالديه من أجل جرعة مخدرات، ومن ضمنها حالة شاب حاكمه القاضي عبد البصير وكان يبيع عرض والدته ليحصل على ثمن المخدرات وأخر تاجر بعرض أخته وهذا غير الذي سرق والذي قتل، ومن ترك أبناءه بلا معيل ولا سند في الحياة، فتاجر المخدرات هو مجرم يقتل عائلات ويحطم مستقبل مجتمع.
خير من الخطأ بالعقوبة
وفي كتيب نشرته دائرة القضاء العام الماضي أوضح مؤلفه القاضي الصديق أبو الحسن محمد، نائب مدير (مجلس القضاء) وكبير قضاة في محكمة النقض، عددا من السوابق القانونية في نظر قضايا المخدرات في المحاكم العليا بين 1994-2005.
حيث لم تؤيد هذه المحاكم أي حكم بالإعدام في قضايا المخدرات الواردة في الكتاب. وأوضح القاضي الصديق أبو الحسن أن من الخير للمحكمة وللقضاة أن يخطئوا في العفو على أن يخطئوا في العقوبة، كما أشار في كتابه إلى ضرورة فهم القضاة في المحاكم الدنيا للمبادئ التي تحكم الجرائم ذات الصلة بالمخدرات بهدف تجنب القرارات المتضاربة.
وفي تصريح لمستشار قانوني في وزارة الداخلية قال ان عدم تأييد المحاكم العليا لأحكام الإعدام يعود إلى وجود خلل في عملية الاعتقال أو القبض أو جمع المعلومات، وفي قضية أعادتها محكمة النقض العليا إلى الاستئناف في أبو ظبي تبين أن المترجم الذي تولى الترجمة خلال تحقيقات النيابة لم يكن تحت القسم ما جعل كل تحقيقات النيابة وما ترتب عليها باطلاً لبطلان الترجمة أو صلاحية المترجم.
كما أن محكمة النقض لا تعتبر ضباط الشرطة أو المصدر السري للشرطة شهوداً محايدين، بل تعتبرهم أصحاب مصلحة معنوية ولا تأخذ بشهادتهم كدليل قطعي لإدانة المتهم إلا في في إطار عدد من الأدلة الأخرى.
تحري العدالة
من جهته أكد المستشار عبد العزيز الملا، المستشار بمكتب النائب العام لإمارة أبو ظبي أن المحاكمات في دولة الإمارات على درجتين هي الابتدائية أو الاستئناف فيما تختص المحاكم العليا بمحاكمة الحكم وليس موضوع القضية ولا تتصدى للحكم إلا في حالات خاصة ينص عليها القانون، ويأتي هذا التقسيم بهدف تحري العدالة ما أمكن.
مشيراً إلى أن الأحكام الصادرة عن المحكمة الابتدائية تكون عادة هي الأشد، وأوضح المستشار الملا أن قضايا المخدرات هي قضايا تعتمد في اثباتها على الاجراءات التي تتضمن العديد من التفاصيل وتحتمل أخطاء وتجاوزات وبما أن أحكام الاعدام في دولة الامارات تخضع للشريعة الاسلامية حصراً فهي تشترط العديد من النقاط لضمان العدالة وحتى لا تزهق روح بدون بينة كافية.
وهذا يجعل الاثبات وفق شروط الشريعة الاسلامية شبه مستحيل، لذلك ليس من السهولة تأييد أحكام الإعدام من قبل محكمة النقض مع الاشارة أن العديد من هذه الأحكام يتم تخفيضها من قبل محكمة الاستئناف وقبل رفعها إلى المحكمة العليا.
أبو ظبي - إيمان كلش