أكد خبراء أن منهاجية شركة دبي العالمية في التعاطي مع مشكلة المديونية تتميز بالتوازن والاعتدال. وأشاروا في هذا الصدد إلى أن الشركة لم تلجأ إلى الحلول السهلة ومن بينها المطالبة بشطب الديون، وذلك أسوة بالكثير من الحكومات والشركات التي مرت بظروف مماثلة وتبنت مثل هذا الخيار، كما أنها لم تستسغ فكرة البيع الفوري للاصول بالنظر إلى أن مثل هذا الخيار يعد غير منطقي في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها الأسواق العالمية.
وأضافوا أن الإجراءات التي اتخذتها إمارة دبي سواء على صعيد ترشيد الانفاق أو على صعيد تعزيز قصص النجاح التي سجلتها بعض شركاتها القوية كطيران الإمارات يعد ترجمة حقيقية لقدرة الإمارة على الصمود في مواجهة أزمات وقفت حيالها دول وحكومات قوية مشلولة اليدين، ورأى الخبراء أن معالجة سيولة القطاع العقاري عن طريق إصدار التشريعات المناسبة ستسهم في تخفيف قدر كبير من الاعباء المالية الملقاة على عاتق إمارة دبي.
من جانبه، قال عبد الرحمن فهد الحارثي الرئيس والعضو المنتدب لشركة مينا فينانشال جروب إن الخطة التي وضعت لإعادة هيكلة ديون شركة دبي العالمية ربما لا تتضمن بيعاً مباشراً في هذا الوقت للأصول، حيث تظهر التقارير المتسربة عن خطة هيكلة هذه الديون أن بيع بعض الاصول سيكون خلال فترات زمنية تصل إلى ثماني سنوات، كما أن شمول الخطة أصولا مميزة بالنسبة لإمارة دبي مثل المنطقة الحرة لجبل علي (جافزا) وشركة موانئ دبي العالمية يعد بمثابة إشارة إيجابية تعكس التزام حكومة دبي بوضع خطة عاجلة في التعاطي مع مشكلة مديونية شركة دبي العالمية.
خيار شطب الديون
ولفت الحارثي إلى أن حكومة دبي لم تختر الخيار الأسهل الذي تبنته الكثير من الحكومات التي مرت بظروف مماثلة وهو عدم الوفاء بالدين، وذلك على الرغم أن أغلب هذه الديون ليست ديونا مباشرة مستحقة على حكومة دبي، وإنما هي ديون مستحقة على شركات، ومن ثم، فإن مثل هذا الخيار لم يتم تبنيه رغم أنه خيار قد تم اعتماده من قبل حكومات أخرى لمعالجة ليس الدين الحكومي فحسب، وإنما كذلك بالنسبة للديون التجارية.
وتابع الحارثي شرحه لهذه النقطة بقوله: إن مشكلة المديونية التي تواجهها إمارة دبي قد واجهت اقتصادات أكبر حجما وأكثر قوة، على غرار الأرجنتين والبرازيل اللتين تمكنتا من معالجة مشكلة مديونيتيهما والعودة مجددا إلى أسواق الائتمان، ومن ثم استعادة عافيتهما مرة اخرى، وما تلا ذلك من عودة البنوك مجددا إلى إقراضهما.
وقدر الحارثي أن القرارات الخاصة بإعادة هيكلة المديونيات هي في المحك النهائي قرارات تجارية وليست سيادية، بيد أنه لفت إلى أن إمارة دبي تمزج بين البعدين السيادي والتجاري في مسعى من جانبها للحفاظ على المكتسبات التي حققتها نهضتها الاقتصادية في السنوات الماضية.
وتحدث الحارثي عن المخاطر التي تحيط بخيار المطالبة بشطب جزء من الديون بقوله: من المعتقد أن شطب جزء من الديون ربما يقلص خيارات الاقتراض على المدى القصير على الأقل، وربما كذلك يخفض التقييم الائتماني للشركات التابعة لإمارة دبي، بيد أن هناك دولا أكبر حجما من إمارة دبي من الناحية الاقتصادية تبنت هذا الخيار، وتمكنت من معالجة ما ينطوي عليه هذا الخيار من تحديات، وبالتالي، عدلت شركات التصنيف الائتماني تقييماتها لهذه الدول.
وقال الحارثي إنه على الرغم من أن التقارير المنشورة عن خطة إعادة هيكلة ديون شركة دبي العالمية قد كشفت عن أن حجم هذه الديون ربما يفوق توقعات الكثير من المراقبين في وقت سابق، ورغم أن الشفافية لم تكن في أعلى مستوياتها كما هو موجود في الوقت الحالي، إلا أنه من الجلي أن الدائنين يطالبون بشروط تفضيلية لكي يقدموا على التوقيع على خطة إعادة الهيكلة المستهدفة في أول أكتوبر المقبل.
انتعاش الاقتصاد العالمي
ونوه الحارثي إلى أن مطالبة شركة دبي العالمية بفترة زمنية تصل إلى ثماني سنوات لبيع الأصول تستند إلى واقع مؤداه أن مضاعفة قيم الأصول تعتمد على عودة الانتعاش الاقتصادي على الصعيدين الإقليمي والعالمي، وهو أمر لم يتم تلمس بوادره وعلاماته حتي الوقت الحالي.
وتحدث الحارثي عن قصص النجاح التي سجلتها الشركات القوية في إمارة دبي بإشارته إلى أن شركة طيران الإمارات قد وقعت على عقد شراء مائة طائرة في وقت تعجز فيه أي شركة طيران في العالم على التوقيع على عقد شراء طائرة واحدة.
واشار إلى أن قصص النجاح التي سطرتها شركات لن تسهم فحسب في تدعيم قاعدة الإيرادات، بل تسهم كذلك في تعميق الثراء المعرفي لإمارة دبي الذي مكنها من تحقيق الريادة في كثير من قطاعات الأعمال، ومن بينها طيران الإمارات وجبل علي ومدينة دبي الطبية ومدينة دبي الإعلامية .. وغيرها، وخلص إلى القول إن هذه النماذج هي في المحك النهائي ترجمة للثراء المعرفي الذي باتت إمارة دبي تمتلك زمام المبادرة والقيادة فيه، وهو وضع قابل للاستمرار والبقاء، وذلك بغض النظر عن طبيعة الخيارات التي ترغب إمارة دبي في سلوكها فيما يتعلق بمعالجة مشكلة المديونية .
خفض الإنفاق الحكومي
ورأى الحارثي أن خفض الإنفاق العام في إمارة دبي لن يؤدي إلى توفير أموال تكفي لتسديد الالتزامات المالية المستحقة، وذلك بالنظر إلى أن النشاط الاقتصادي في إمارة دبي يعتمد أساسا على القطاع الخاص، مشيرا إلى أن حكومة دبي قد وضعت بالفعل إجراءات لترشيد الإنفاق العام، وذلك بعد تفجر الأزمة مباشرة.
وهو ما يدل على أن إمارة دبي عملت بدأب وحيوية لمعالجة الأزمة، ولم تقف مشلولة الحركة، كما هو الحال في تجارب عديدة مرت بها الكثير من الدول، حيث قامت بإعادة هيكلة عمليات الكثير من الشركات التابعة لها بشكل أساسي، كما سرعت وتيرة الاندماجات لخفض النفقات وزيادة الإيرادات، وأجرت كذلك إعادة هيكلة العمليات الحكومية .
وخلص الحارثي إلى القول إن المبادرات التي اتخذتها حكومة دبي تعزز الإيمان بشكل جازم بأن إمارة دبي قادرة على الصمود حتى لو طال أمد مشكلة المديونية، فهي القادرة على الإمساك بزمام المبادرة حتى في الأوقات الصعبة.
موقف منطقي وعملي
ومن جانب آخر، رأى يزن عابدين مدير الصناديق الاستثمارية بشركة آي إن جي لإدارة الاستثمارات أن ما رددته التقارير الإعلامية عن مطالبة شركة دبي العالمية من دائنيها بأن تكون عملية بيع أصول على مدى فترة زمنية تصل إلى ثماني سنوات يعد موقفا منطقيا وعمليا، بالنظر إلى وجود المخاطر الكبيرة التي تحيط بعمليات بيع الأصول بشكل عام على مستوى الاسواق، وما قد يترتب على ذلك من إهدار قيمتها في ظل تدني تقييمات قيم الأصول على مستوى العالم في الوقت الحالي، حيث ان الوقت الحالي غير موات لبيع الأصول بشكل عام.
وقدر عابدين أن العامل الزمني يلعب دورا مهما في الحفاظ على قيم هذه الأصول، حيث ان الأسواق العالمية في الوقت الحالي متأثرة بموجة من الأحداث والتطورات السلبية، فضلا عن أن التقارير الإعلامية المغلوطة التي ترددها بعض وسائل الإعلام بشأن شركة دبي العالمية تحمل مردودا سلبيا على قيم أصول أي شركة أخرى، إذا ما جرى طرحها في الوقت الحالي، وذلك من زاوية التأثير النفسي على معنويات المستثمرين المحتملين.
وتحدث عابدين عن الخيارات المطروحة أمام شركة دبي لمعالجة أزمة المديونية في ظل التقلص الحالي لقيم الأصول على الصعيد العالمي من جهة، ووجود مستحقات مالية واجبة الدفع من جهة أخرى بقوله: يجب عدم الخلط بين التزامات شركة دبي العالمية كشركة تدير عملياتها على أسس تجارية واقتصادية من جانب، والتزامات إمارة دبي من جانب آخر، حيث ان الديون المستحقة على شركة دبي العالمية لا تشكل التزاما واقعا بشكل مباشر على عاتق حكومة دبي، وذلك على الرغم من أن حكومة دبي ربما تكون ضامنة لهذه الالتزامات.
وتابع عابدين بقوله: تمتلك إمارة دبي قاعدة قوية من الأصول والشركات المدرة للدخل، وهو ما يؤشر على أن إمارة دبي تمتلك في جعبتها الكثير من الاوراق الداعمة لموقفها، حيث تمثل شركات علي غرار طيران الإمارات وهيئة كهرباء ومياه دبي، والمنطقة الحرة لجبل على أصولا نفيسة وقوية، وتدر هذه الأصول إيرادات كبيرة.
قصص نجاح
ولفت عابدين إلى أنه رغم أن الظروف الحالية التي يمر يها الاقتصاد العالمي تجعل الإيرادات التي تحققها الشركات القوية التابعة لإمارة دبي غير كافية لتسديد كافة الالتزامات المالية الملقاة على عاتق الشركات والمؤسسات في دبي، إلا أنه من شأن تبني هذا الموقف أن يسهم في تخفيف مثل هذه الأعباء .
وتحدث عابدين عن القطاع العقاري في إمارة دبي كنموذح للقطاعات التي تحتاج لمبادرات حكومية لتعظيم قيم اصولها وتعزيز قدرتها على توليد الدخل والإيرادات قائلا : إن معظم الأعباء المالية مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالقطاع العقاري، ومن شأن تحريك عجلة الاستثمار في هذا القطاع أن يسهم في تخفيف مثل هذه الأعباء المالية.
اقتراحات
تعديل بعض التشريعات في القطاع العقاري يسهم في عودته إلى جذب الاستثمارات الأجنبية
قال يزن عابدين مدير الصناديق الاستثمارية بشركة آي إن جي لإدارة الاستثمارات إن تعديل بعض التشريعات في القطاع العقاري يسهم في جعل هذا القطاع جاذبا مرة أخرى للاستثمارات الأجنبية.
وأوضح: على سبيل المثال، إن إصدار تشريعات تسهل إمكانية الحصول على الإقامة لملاك الوحدات العقارية، فمن شأن إصدار مثل هذه التشريعات أن يسهم في تعزيز جاذبية الوحدات العقارية بالنسبة للمستثمرين الأجانب، كما أن تخفيض الرسوم سيكون له تأثير إيجابي بخصوص تعزيز جاذبية بيئة الاستثمار في إمارة دبي بشكل عام، وزيادة جاذبية القطاع العقاري بشكل خاص.
وخلص يزن عابدين إلى استنتاج مؤداه أن حل المشاكل التي تعترض القطاع العقاري من شأنه أن يخفف الاعباء المالية الملقاة على عاتق إمارة دبي، وشرح هذا المنطق بقوله: إن حل مشكلات مديونية القطاع العقاري يعني بشكل مباشر حل معظم المشاكل الخاصة بمديونية دبي، حيث انه من المتوقع أن تتدفق السيولة المالية لشركات التطوير العقاري ، وبالتالي، لن يتحرر أفق النمو الاقتصادي في إمارة دبي من هذه الضغوط فحسب، بل سيسلك كذلك الوضع الاقتصادي في الإمارة مسار النمو مرة أخرى اعتمادا على الايرادات المتحققة من الشركات القوية على غرار شركة طيران الإمارات.
استراتيجية
أهداف طويلة الأجل
أكدت تصريحات لمسؤولين في الدولة، أن إستراتيجية إدارة الدين في إمارة دبي لم تنشد تحقيق أهداف ضيقة وقصيرة الأجل، كتلك المتعلقة بتمديد آجال استحقاق التزامات الديون، بل بدا واضحا أن الإستراتيجية تسعى إلى أهداف تتميز بالشمولية والاتساع والتنوع.
وذلك إلى حد تحفيز المراقبين على الاقتناع بأن إستراتيجية إدارة الدين تمثل جوهر وقلب إستراتيجية كبرى تتعلق بإعادة هندسة الوضع الاقتصادي في إمارة دبي، لكي يكون مجهزا بالآليات والمؤسسات والإمكانيات التي تؤهله مجددا على الانطلاق بناء على أسس مستدامة، واشتملت هذه الأهداف على ما يمكن تسميته بالقيم العليا والسامية والتي تشكل ثوابت لأي انطلاقة اقتصادية، بحيث تكون هذه الانطلاقة امتدادا عضويا للمقومات التي أكسبت النهضة الاقتصادية في إمارة دبي طابعها المتميز والمتفرد .
دبي - مجدي عبيد



