تتأمل حديث ابنة الجيران ذات البشرة السمراء، تلك الصديقة التي رافقتها عهداً من الزمن بشكل يومي في الرحلة الصباحية إلى المدرسة، شاركتها الكتب والدفاتر والأقلام.. قاسمتها التنافس والتفوق، تُطيل التوقف أمام مسلسل كرتوني.. تظهر فيه صاحبة البشرة السمراء عاطلة عن العمل، مسترجلة، مستهترة، مظهرها الخارجي يدعو للسخرية والضحك، «يعني لازم تكون طقاقة وإنسانة فوضوية.. ما ينفع تكون إنسانة محترمة، وما ينفع تمثل هالدور وحدة بيضاء؟؟»..

في ظل تناول شخصيات تعيش بيننا وتقاسمنا الحياة، لا يمكن تجاهل مثل تلك التساؤلات ذات العلاقة المباشرة بالأخلاق والتربية، حيث يبقى الباب موارباً تجاه جدوى ذلك الطرح في برامج على مرأى ومسمع العائلة.

تُعرّف الكوميديا بأنها أحد الفنون الأدائية التي تعتمد وبشكل رئيسي على الأحداث المضحكة أو النهايات السعيدة والشخصيات التي تملك أدوات رسم الابتسامة على وجه المشاهد، وتتخللها النكات والمواقف الظريفة، الحد الفاصل بينها وبين تسطيح الحدث وتشويه الهدف من الكوميديا، عندما تعتمد الإحراج والتجريح وتبدأ في التكرار المُفلس.

تسطيح الشخصيات يطال العديد ممن يعيشون بيننا، فلا بد أن يكون البدوي جاهلاً أو ملقوفاً حتى يُثير الضحك.. أو ذات البشرة السمراء مسترجلة حتى تُعبر عن الواقع، أو ابن الوافدة الذي يعمل جاهداً حتى يتمكن من إتقان لهجته الأم ويفشل! كل تلك مشاهد تستدعي التأمل، قبل التصفيق.. المزيد من الابتكار المسؤول فقط لا أكثر، لا سيّما أنكم تُعرضون أمام الفضاء الشاسع!

* * *

تتسابق الشاشات لبث الجرعة الكوميدية بعد الإفطار مباشرةً، قليل منها كوميدي جاد، والكثير عبثي وسخيف، برامج الكاميرا الخفية تطرح تساؤلات عديدة، هل ما يزال الفنانون والإعلاميون يقعون في فخ الكاميرا بعد مرور عشرات السنين على بثها؟ وما الجديد فيها إن كانت الوجوه ذاتها تتكرر كل عام؟ يبدو أن ذلك أحد الوجوه البشعة للمهنة.

على الرغم من محاولات تأسيس دراما واقعية، إلا أنها تبدو وردية أكثر مما هي عليه، حتى عند تجسيد حقبة زمنية ما لا يستغني القائمون على العمل عن مبالغات غير دقيقة، فعندما ترسم بطلة المسلسل البدوي عينيها بالكحل الأوروبي وتحقن شفتيها بالبوتكس وتظهر بعباءة وحجاب، تصبح نسخة مشوهة من الشخصية الحقيقية.

كذلك الصبية القادمة من البيئة الشامية التي «تتفتل» بين أعمال المطبخ والغسيل بالكحل وأحمر الشفاة والشال المستورد.. تبدو مصطنعة عندما يظهر «الفرنش مانيكير» على أصابعها، تلك تفاصيل ولكنها تجعل العمل أكثر واقعية.

أما الخليجيون فهم يتربعون على عرش دراما النكد! فإما ثأر قديم أو إرث مُتنازع عليه، أو خيانات زوجية، طبعاً النساء أكثر من ينجذبن لتلك الأعمال، لأنهن يُدركن حجم المأساة التي ترتكبها حواء في حق الأخرى عندما تخطف زوجها، المهم سيبقى الخليجيون يدورون في فلك المشكلات العائلية دون رقيب داخلي، لأن التلفاز جهاز واسع الانتشار يجب التعامل معه بحذر.

تبقى جاذبية تلك الأعمال في أبطالها، الوسيم والحسناء، الثري والأنيقة، وتوليفة يُجيد طبخها صنّاع الدراما، فهم يجعلون من «ميّة الفسيخ شربات» عندما يُجمّلون أبطال الحكايات الحقيقية، ويبحثون عن النهايات السعيدة، رغم أن الحياة ليست ملوّنة دائماً.

aalfalasi@albayan.ae