عندما تقترب السينما من واقع الحروب ترتفع درجة الحساسية ويصبح الخوف من كشف المستور أمراً مفزعاً أو التورط وإغضاب أحد ما شيئاً وارداً باعتبار أن هذا الموضوع شائك ويشكل في كثير من الأحيان سياسة دولة، ويصبح التساؤل المطروح هل تستطيع السينما قول الحقيقة؟.
بالتأكيد الإجابة صعبة، فسينما هوليوود لها خبرة في هذا المجال حيث تصدت أعمالها للكثير من حروب أميركا في اليابان وفيتنام والعراق وأفغانستان وتصديها للإرهاب خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر، ولكن في الأسابيع القليلة الماضية لا حديث في الصحف والمواقع الإلكترونية والكتابات السينمائية إلا عن فيلم «بدونك يا بن لادن» الذي يعرض حالياً في صالات السينما المحلية وتعرضنا له بالنقد والتحليل على صفحات (الحواس الخمس)، لأنه يمثل مرحلة متطورة لسينما بوليوود في منهجية التصدي لموضوع في غاية الأهمية والتطرق لمعايير الحروب بوجهة نظر عكست المتغيرات على الناس والأرض.
وتزامن ذلك مع كشف صحيفة نيويورك تايمز عن المحنة الأميركية الجديدة في أفغانستان التي جعلت الرئيس باراك أوباما يحول القيادة العسكرية إلى الجنرال بترايوس بعد أن حل محل الجنرال ستانلي ماكريستال، وبالأخص حين وجد نفسه ملتزماً بموعد محدد للانسحاب في يوليو عام 2011 إلا أنه جعله موعداً مرناً وغامضاً ليواجه تحديات استعداد الأفغان للعمل بمفردهم ويضمن عدم عودة طالبان أو القاعدة بعد الانسحاب.
وهكذا أصبح هوس الانسحاب من أفغانستان والخوف من طالبان والقاعدة وتهديداتهما بالإرهاب، سخرية واضحة في خطابات الرئيس الأميركي وأمراً مطروحاً للنقاش في فيلم «بدونك يا بن لادن» الذي اعتمد طريق الضحك ليمرر رسائل كثيرة منها استخدام شبيه لزعيم القاعدة أسامة بن لادن وجعله خياراً وحيداً أمام بطل الفيلم لدخول الأراضي الأميركية، ورغم كلفة إنتاجه المنخفضة جاء معبراً عن توجهات بوليوود في السنوات الأخيرة من خلال تقديمها أعمالًا تتناول الهجمات التي أثرت في الجميع، ولكن من رؤية مختلفة وكان آخرها فيلما «نيويورك» و«اسمي خان».
وفيلم «نيويورك» ـ إنتاج 2009 ـ يثير قضية مهمة جداً هي الخوف الأميركي من أي مسلم باعتباره إرهابياً إلى أن يثبت العكس، حيث يرصد كيف يتحول الضحية إلى إرهابي بسبب الاستخدام المفرط للقسوة في التعامل مع المشتبه في أنهم إرهابيون، فيصبحون بالفعل إرهابيين وعلى درجة تدفعهم للهجوم على أهداف أميركية انتقاماً ممن يرون أنهم أهدروا إنسانيتهم.
خان على درب غاندي
أما فيلم «اسمي خان» ـ إنتاج 2010 ـ فيقدم شخصية وديعة ورائعة تشبه إلى حد كبير غاندي، حيث يجول في أميركا بعد أحداث 11 سبتمبر حاملًا راية بيضاء، وبالرغم من كل ما يتعرض له من كوارث وعواصف إلا أنه يواصل رحلته وكأنها رحلة روحانية لتوحيد الأعراق والأجناس تحت راية التسامح والمحبة، حتى يلتقي الرئيس باراك أوباما ليقول له: «اسمي خان ولست إرهابياً».
وهكذا تثبت بوليوود من خلال عملين مميزين وبإنتاج ضخم مختلف ـ حيث تم تصويرهما في أميركا ـ أن هناك قصصاً اجتماعية إنسانية مؤثرة ومحزنة أفرزتها مأساة (الحادي عشر) وتركت بصماتها على الجميع، خصوصاً «جيني» الأميركية في فيلم «اسمي خان» والتي يقتل زوجها مراسل القناة التلفزيونية في أفغانستان وتورث ابنه الكره والحقد تجاه كل ما يخص الإسلام والمسلمين.
وعلى النقيض، نجد هوليوود ومصنعها السينمائي الضخم (إمكانية وتمويل) يواصل تجميل البيت الأبيض ومن بداخله، في محاولة لصياغة صورة أسطورية عن قوة الولايات المتحدة واستخدام الأفلام لتأكيد ذلك وتهيئة الرأي العام في الشارع الأميركي لاستقبال كل شيء حتى الحروب.
ولا يخفى على أحد أن تلميع صورة أميركا أمام الرأي العام العالمي، مهمة تتعاون فيها الاستخبارات الأميركية والبنتاغون واستوديوهات لوس أنجلوس التي تصنع التوجهات وتمرر الرسائل لتؤكد أو تنفي ما تريده الإدارة الأميركية، وبالتالي أصبحت الأفلام الهوليوودية بحيلها ومؤثراتها شديدة الإبهار عنصراً دافعاً للشعب الأميركي لتقبل الحرب في الخليج وأفغانستان واتخاذ موقف تضامني مع الحكومة.
وكان من الطبيعي كما يقال ـ بعد أن تذهب الغفوة ـ أن تأتي أفلام أميركية ومن صنع هوليوود نفسها (بتوجه أو من دون) لتتناول الأمور بطرق أكثر واقعية وتنقل للمجتمع الأميركي وللعالم تفاصيل أكثر تكشف وتفضح الدوافع وتعكس حقيقة الموقف على الجانبين الخارجي الحربي والداخلي في الشوارع والبيوت الأميركية.
وكما احتاج الأمر من السينما الأميركية قرابة الخمس سنوات حتى تستوعب صدمة 11 سبتمبر لتعيد تقديمها في أفلام روائية مثل (الرحلة يونيتد 93) و(مركز التجارة العالمي).
الطريق إلى غوانتانامو
وعلى طريقة المخرج المتمرد مايكل مور صاحب فيلم (119 فهرنهايت) اختار وينتر بوتوم وزميله مات وايتكروس أبشع مظاهر الحرب الأميركية وهو معسكر غوانتانامو الشهير ليقدمان من خلال فيلم «الطريق إلى غوانتانامو» عام 2006، والذي يمزج التمثيل بالتوثيق خلال رحلة ثلاثة شبان من مدينة تريبتون البريطانية في عام 2002 إلى كراتشي في باكستان لحضور حفل زفاف أحدهم، في الوقت نفسه الذي تكون فيه القوات الأميركية قد بدأت حملتها العسكرية ضد أفغانستان.
ومن أحد المساجد ينطلق الشبان الثلاثة على متن شاحنة إلى قندهار لمساعدة الأفغان استجابة لنداء أحد الخطباء وتتعرض القافلة التي تقلهم للقصف فيقررون العودة من حيث انطلقوا لكن قوات تحالف الشمال تلقي القبض عليهم وتسلمهم للقوات الباكستانية والأميركية للاعتراف بعضويتهم المزعومة في القاعدة وعلاقتهم بأسامة بن لادن.
ورغم عدم وجود أدلة أو اعترافات يتم شحنهم إلى القاعدة العسكرية الأميركية في خليج غوانتانامو الكوبي ليستمر الاستجواب والتعذيب قبل أن يلقي بهم في زنزانات المعتقل الرهيب. ويستعين الفيلم بالشبان الثلاثة الحقيقيين الذين تعرضوا لهذه التجربة في إعادة تجسيدها ورواية فصولها، في الوقت الذي كان يتابع العالم كله يوميات ومصير سجناء غوانتانامو ومقارنتها بكل خطب الحرية والديمقراطية الأميركية.
أسود الحملان شاهد على أميركا
وفي عام 2007 يطرح المخرج والممثل الأميركي روبرت ريدفورد، المعروف بمواقفه السياسية المناهضة لحروب الإدارة الأميركية فيلمه الذي حمل عنوان «أسود للحملان» حيث يسرد موضوع الصحافية الأميركية المتشككة في الهدف الذي ذهبت من أجله بلادها إلى الحرب (قامت بدورها ميريل ستريب)، وهي تجري تحقيقاً صحافياً مع سيناتور طامح لتبوأ منصب الرئاسة (توم كروز) والذي يحاول إقناع الرأي العام بجدوى خطته الجديدة لمحاربة طالبان في أفغانستان عبر الدفع بمزيد من الجنود هناك بينما تحاول الصحافية مواجهته بعدم جدوى الحرب هناك.
وتتصاعد الأحداث في العام نفسه مع فيلم «القلب الرحيم» الذي لعبت بطولته أنجلينا جولي، وأدت دور «مارينا بيلز» زوجة الصحافي الأميركي «دانيال بيرل» الذي كان منشغلاً عام 2001 بإجراء مقابلات صحافية مع قادة مجموعات متطرفة في باكستان يستدرج إلى مقابلة وهمية ليختفي وتبقى زوجته الصحافية الأميركية من أصول فرنسية والحامل في شهرها الأخير، تتابع مع الأصدقاء والبوليس الباكستاني والمخابرات الأميركية العثور على زوجها قبل أن يرسل الخاطفون شريط إعدام رهينتهم كونه ذا أصول يهودية.
أحداث الفيلم لا تحمل الكثير من المفاجآت فالقصة سمع بها العالم كله وتم إذاعة نهايتها في نشرات الأخبار والصحف، لكن صناع العمل سعوا من خلال تناولها التعرض لظاهرة الإرهاب في المجتمعات المسلمة وماذا يحدث على أرض باكستان المجاورة لأفغانستان والتي تشكل مرتعاً حيوياً للجماعات المتطرفة.
أما مفاجأة عام 2007 فكان فيلم «حرب تشارلي ويلسون» المأخوذ عن كتاب (حرب تشارلي ويلسون: القصة الاستثنائية لأكبر عمل تغطية في التاريخ) الذي ألفه جورج كريل الذي مات في يونيو 2006، وتتناول أحداث الفيلم قصة عضو الكونغرس الذي أستطاع إقناع الولايات المتحدة بتمويل الأفغان، وهو تشارلي ويلسون زير النساء الذي لعب دوراً تاريخياً في حياة العالم ونقل الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة إلى مرحلة انتهت بانهيار الاتحاد السوفييتي.
ومن خلال تفاصيل درامية متشابكة وشديدة الحساسية، ندرك أن أميركا أرادت أن تبقى في الكواليس واقتصرت مساعداتها على تزويد المجاهدين الأفغان بأسلحة سوفييتية تم جمعها من مصر وإسرائيل.
وإذا كان الفيلم يتوقف طويلاً أمام الفضائح التي عاشها الشعب الأفغاني خلال حربه ضد الاتحاد السوفييتي، فإنه ينتهي بمرارة هائلة بالمقارنة بين قيام أميركا بتمويل الأفغان بمليار دولار لخوض الحرب بينما يعجز السيناتور تشارلي عن جمع مليون واحد من الدولارات بعد انتهاء الحرب من أجل بناء مدارس للشعب الأفغاني، وتظهر على الشاشة السوداء في نهاية الفيلم عبارة مقتبسة عن تشارلي ويلسون ذاته: (قمنا بأعمال جليلة غيرت وجه العالم، لكننا أفسدنا كل شيء عند نهاية اللعبة).
ومع ازدياد الأفلام الهوليوودية المناهضة للحرب في أفغانستان، جاءت أعمال أخرى لا تخلو من إشارة ذات معنى للأوضاع داخل الأسر الأميركية وما أفرزته الحرب من مآسٍ وويلات، ومن الأفلام المهمة التي تم تقديمها في عام 2009 فيلمي «الإخوة» و«الرسول»، فبينما أدار الأول ظهره للمعارك وغلف موضوعه الجريء بالسخرية من خلال حكاية بطل عاد ممزقاً إلى أسرته بعد تجربة مريرة في أفغانستان، ليفاجأ بعالم شديد التعقيد عن زوجته التي ترتبط بأخيه خلال فترة اعتقادها بموته.
وارتباط أطفاله بعمهم ما يشكل ضغطاً نفسياً عليه فيفجر العديد من ردود الأفعال تجاه الحرب وما تحدثه من تغيرات، سرد الفيلم الثاني فجيعة الأسر عندما يتم إبلاغها بموت (الأخ أو الزوج أو الابن) خلال الحرب، وشكلت الحكايات في مجملها نبض المجتمع تجاه صور جثامين الجنود المقتولين خلال عودتها لبلدهم ومشاعر الحزن والانهيار التي تكتنف هذه الأسر وترافق رحلتهم مع الحياة.
ويبقى التساؤل: هل تطرح سينما هوليوود خلال الفترات المقبلة أفلاماً تساعد الإدارة الأميركية على اتخاذ قرار فعلي بالانسحاب من أفغانستان؟
أسامة عسل


