شهد الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة المحاضرة الدينية التي استضافها مجلس سموه بقصره بمنطقة البطين بأبوظبي أمس الأول في إطار برنامج المحاضرات والأمسيات الفكرية التي ينظمها المجلس خلال شهر رمضان المبارك وقدم المحاضرة المفكر والباحث في الثقافة الإسلامية المستشار محمد بن صالح الدحيم بعنوان «قراءة في انحرافات التدين المعاصر: الأسباب، الانعكاسات، المخرج».

وتناول المحاضر خمسة محاور رئيسية في محاضرته وهي ضرورة النقد وتعدد القراءات والدين والتدين ومقاربة للفهم والدين والحضارة وجدل البناء والمجتمع الإسلامي تكون أم تكوم؟ والمعركة غلط. رؤية للانعكاسات وسؤال التصحيح.

وقال إن الأديان لم تكن مصدراً للأزمة بإطلاق بل كانت صمام الأمان ومنبع الاستقرار ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم «انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق»، «وإنما بعثت بالحنيفية السمحة»، مؤكداً ان الأديان شاركت في بناء الحضارات وانتاج المعارف.

محاولات إصلاح الخطاب الديني

وأضاف ان التدين بشكل خاطئ جعل المجتمعات والعالم أجمع يجني آثاراً سلبية تهدم البناء وتقوض النجاح وتهدد وتعيق التنمية، وأن الحل يجب أن ينفذ من السطح الى العمق برؤية شاملة تعتمد النظرية والمنظومية من خلال النقد الصحيح والصريح وان المعالجة السليمة لن تبدأ من محاولات لإصلاح الخطاب.

وتعدد وسائله وتنوع وسائطه ولكن بالمعالجة الفكرية التي تعي كيف تتشكل وتتشابك الأفكار المنتجة للخطاب والمفرزة للسلوك، مؤكداً ضرورة إقامة مراكز لبث الفكر الإسلامي الصحيح وليس الفكر المتشدد وان يتماشى الفكر مع روح الشريعة الاسلامية.

وأوضح أنه عندما يضعف الإنسان عن الوعي ويتراجع فيها الإدراك وتخفت فيها روح المبادرة والمشاركة والمفاعلة ينتج في هذه الحالة إنسان غير الإنسان مختلف في رؤيته وتفكيره ومختلف في سلوكه ومخرجاته يختار الدين كمنقذ لوضع هو يعيشه ولعقل هو يتمحور فيه فيقرأ أفكاره هو في الدين ولا يقرأ أفكار الدين ويبرر ولا يفسر سلوكيات هو يصنعها لا تمت للحياة بصلة وان الموت في سبيل الله افضل عنده من الحياة في سبيل الله، والعلاقة بين الله والانسان بمفهومه علة الوعد والوعيد لا علاقة الحب والرحمة.

مشيرا إلى أن الدين عند هؤلاء لم يكن إلا التدين وإن كانوا يراغمون ويمانعون في الفصل بين المفهومين حتى لا ينكشف الغطاء ويظهر المغطى.

فهم طبائع الأشياء

وذكر المستشار محمد الدحيم أن الأمر لم يكن يستدعي التدخل الجراحي لحالات التدين الغلط لو كان من الفاعل وإليه. لكن الأمر تحول وهو أمر حتمي إذا فهمنا طبائع الأشياء ـ إلى تدخل الغلط بالصواب. في قلب للمفاهيم وعكس للمعاني وتغييب للرؤية وإقصاء للمقاصد. وعندما يرى الغالط نفسه صواباً فالمحتم أن غيره على الباطل الذي يجب ازهاقه والمنكر الذي تجب ازالته، بكل الوسائل وبكل الطرائق.

وقال ان قراءة الأحداث والمركبات والتراكمات الحياتية سيما التدينية والسياسية والاجتماعية وحين يتداخل معها العلمي والمعرفي ليست بالبساطة بحيث يستطيع كل أحد قراءتها، مؤكداً اننا في حاجة الى فهم الواقع وتكوناته وتحولاته واستشرافاته وانه على الباحث والمفكر الذي ينتج الحقائق لا ينظر الى الواقع من عليائه او يقرأ المستقبل بعين التأريخ والماضي.

الدين ليس التدين بإطلاق

وأشار إلى أن الدين ليس التدين بإطلاق فقد يكون التدين ديناً وقد لا يكون، فالتدين الجاهل ليس ديناً، والتدين الذي يصادم التيسير بالتعسير ليس ديناً وان هذا الدين يسر ولن يشاد أحد إلا غلبه وان الدين هو دين الله وان الدين عند الله الإسلام وهو واضح في مقاصده وغاياته دين يكرم الانسان ويهيأه لرسالة الحياة في كل زمان ومكان يجد فيه الناس الامان مع الايمان دين العلم والمعرفة دين السلوك والاخلاق دين الحب والعظمة.

وأوضح الدحيم أن محاولة الدين مجافاة الطبيعة البشرية ومحاولة قهرها لن ينتج عنه إلا انسان مأزوم مهزوم مثقل بأتعابه النفسية التي يفرزها على مجتمعه وهي أشد في العدوى من أمراض الجسد، مؤكدا انه في كل حركة التدين الغلط كان انسان ذلك السلوك بعيداً عن فهم ذاته منساقاً وراء تصورات ذهنية لا يستقيم لها في الواقع وجود.

وقال من الجهل تبدأ قصة العلم، فآدم الأول لم يكن يعلم «وعلم آدم الأسماء كلها» ليخرج آدم الثاني إلى الحياة جاهلاً (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً)، إلا أن فطرة الخالق للمخلوق تحمل دوافع العلم وبواعث المعرفة ليكتشف إنسانيته ويشق طريق حياته (خلق الإنسان علمه البيان) وهنا إشارة إلى خلق من بعد خلق، خلق التكوين، ثم خلق المعرفة.

العلم أصل التكوين البشري

واضاف ان العلم هو في أصل التكوين البشري قبل التدينات، أي أنه إنساني والأديان لا تؤسس الفطرة وإنما تكملها، كما يعبر ابن تيمية وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

وأشار إلى أن التاريخ شهد محاولات لـ «ديننة» العلم «مسحنة أو أسلمة»، فغاليليو طولب من الكنيسة بمسحنة الفيزياء والرياضيات والفلك، وفي المعسكر الشرقي في القرن ال20 اعتمد النظام الشيوعي مرور العلم في مصفاة الدين كي لا يتسرب إلى العقول، ما يعارض الأفكار التي تمثل الخلفية الثقافية للنظام الشيوعي، وفي مشاريع «أسلمة» العلوم.

وأكد أن «ديننة العلم» استمرت بالتوسع الواعي عبر مشاريع مؤسساتية كمشاريع «أسلمة المعرفة» أو بعض مشاريع الإعجاز العلمي في القرآن والسنة أو غير ذلك. وتوسع لا واعٍ عبر مركبات فهمية ضيقة تخرج من وقائع بعض الافتاءات أو إطلاق التسميات؛ فصرت تسمع طباً إسلامياً وشعراً إسلامياً وعمارة إسلامية وزخرفة إسلامية وفناً وإنشاداً إسلامياً.

وأضاف انه لا يزال هناك من يغذي الفكرة ويدعمها، إلى درجة تختزل العلاقة مع الله لعالم الدين في فهم مخطئ لقوله تعالى «إنما يخشى الله من عباده العلماء» وهو الفهم الذي يصححه ابن تيمية قائلاً: «كل من خشي الله فهو عالم» ليس كل ذلك باطل بإطلاق، فهناك ما يمكن إضافته للإسلام فكراً إسلامياً أو مصرفية إسلامية، أي أنها تعتمد الإسلام مصدراً دلالياً لها، وهو أمر مغاير لعملية السطو على العلم وديننته، واستنقاص ما استعصى على الأسلمة.

ديننة الحضارة

ولفت إن محاولة ديننة العلم أنتجت ديننة الحضارة، فإذا كانت الحضارات إغريقية وهندية ويونانية وصينية فإن هناك حضارة منسوبة للديانة وهي الحضارة الإسلامية. وهذا ما يثير السؤال: هل الأديان تبني الحضارات؟ أم أن الحضارات نتاج الإنسان؟

وأوضح أن المسلمين كبشر كانت لهم حضارات رائدة ورائعة، ولا تزال مآثرها وأمجادها تزدهر في الأذهان وفي سجلات تواريخ البلدان لكنها ليست حضارة أديان وإنما هي حضارة إنسان مسلم.

مشيراً إلى أن مهمة الأديان هو بناء الإنسان «بناءً جسدياً وعقلياً معرفياً ونفسياً عاطفياً وروحياً» وهذا الإنسان هو المؤهل لبناء الحضارات، مؤكداً أن تراجعنا الحضاري ليس إلا بتراجعنا البشري والإنسان وليس هو تراجع الدين ولكنه تراجع التدين بمفاهيمه الغالطة، أو سلوكياته المنحرفة.

وقال إن فكرة المجتمع الإسلامي نشأت على الانكفاء والاكتفاء بالذات الإسلامية، مخالفة بذلك فكرة التجمع البشري. الذي لا يقوم على البعد الديني دون ما سواه من أبعاد القرابة والمصالح المشتركة والمواطنة وما إلى ذلك، مؤكداً أن المجتمعات الحضارية تتكون تكوناً والمجتمعات المتخلفة تتكوم تكوماً.

المفكر في سطور

المستشار محمد بن صالح بن علي الدحيم مفكر وباحث في الثقافة الاسلامية من مواليد 1966 في منطقة القصيم بالمملكة العربية السعودية تخرج من كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وتتلمذ على عدد من المشيخة الشرعية البارزة في الحقل الاكاديمي وخارجه.

تولى العديد من المناصب، حيث عمل محامياً ومستشاراً شرعياً وقانونياً والمؤسسة والمشرف العام على مركز التجديد الثقافي في جدة ومركز يهتم بتنمية الثقافة.

عمل قاضياً في وزارة العدل السعودية ومستشاراً اجتماعياً مرخصاً وكاتب مقال أسبوعي في جريدة الحياة ومحاضراً في النوادي الادبية السعودية ومعداً ومقدماً لعدة برامج اذاعية ومنها برنامج «أفكار وحوار» وبرنامج «قوة الوجود» وألف عدة كتب وله مقالات في الثقافة والفقه والفكر الاسلامي.

وله العديد من المؤلفات منها في سبيل الله والمعركة غلط ونقد الفقيه وتجديد الفكر الديني قراءة في تجربة ابن تيمية.

أبوظبي - ممدوح عبدالحميد