صديقي لا تكاد البسمة تفارق محياه حتى في أحلك المشاكل وأكثرها قتامة، وما كان صاحبي فليسوفا بيزنطيا ولا خطيبا مفوها يسبي القلوب رغم حكمته وفطنته وصبره وطلاقة لسانه وحواره المقنع، عاش مع الموت أياما وساعات حتى كاد الموت يفر منه. يحدثني عن بئر الشؤم الذي ذاع صيته حتى بلغ أقاصي المعمورة، وبيقين المؤمن الذي لم أدرك حقيقته.
وفي أحد الأيام بينما صاحبي يعد للإيقاع بالذئب الذي يطارده ويسفك دماء إخوانه، وبينما هو سائر ينظر في فضاء السماء فوق أرضه إذا بفخ من الغدر يدحرجه فيوقعه في البئر، لكنه أثناء السقوط المتدحرج بدأ شريط الذكريات يتسارع أمامه بشيء يدفعه للتحقيق في مأساته، لم يمتلك جوابا شافيا ينجده إلا انه تذكر خيانة من لا يؤتمن، لكن الصراخ لا يجدي بعد أن وقع القدر.
ارتطم بقاع البئر واحدث ضجة ترددت مسامعها في نواحي البئر لأنه لم يمت، تمالك نفسه واستنهض قواه وتغلب على جرح القلب والجسد، وبدأ يفكر بالخروج من البئر لأنه حر يعشق حرية الرجال، وبينما هو متأمل في جدران البئر إذا بأفعى عملاقة يظهر عليها عداء الحرية والولاء للذئب تدور حوله وتقرع نذير الشؤم، لم ترتعب فرائصه وتبسم في وجه القدر بعد أن فرضت عليه التحدي والنزال، هي لا تريده حرا طليقا، وإنما عبدا ذليلا لجبروتها ونزواتها وغرورها.
هي تريده أن يركع كما ركع من قبله، تريده أن يستسلم للخيانة والخنوع. وبعد فترة من الزمن اخذ سحر وشعوذة الأفعى يسري في جسده بعد أن عجز السم عن اختراق قلبه وعقله، إلا أن صاحبي تذكر العلاج، وبحكمة من لا يرهبه تنجيم المنجمين اخذ جرعات من العلاج فكتب الله له الشفاء.
ومن مفارقات القدر استعذاب بعض من ادعى صحبته ألمه وشدته، فقد وقف بعضهم على باب البئر مزخرفا للكلام يشده وهم البطولة التي يعيشها صاحبي وكأنهم يحسدونه، رغم أنهم لم يدركوا أن صاحبي لم يرد شهرة ولا تصفيقا، وكعادة صاحبي الذي يكفر بكل زيف لا يثمر خيرا فقد خلع هؤلاء من قلبه، لأنه أدرك أنهم يريدونه كقميص عثمان تركوه وحيدا يصارع الموت والنيران، لكن صاحبي لم ينقطع عن مسبب الأسباب ومجري السحاب.
وفي لحظة التعارك والصدام مع الأفعى بعد أن اعتلى الشرر محيط البئر.. قفز صاحبي على ظهر الأفعى وبرشاقة الغزال اعتلى رأسها الكبير فوقفت تريد إسقاطه وتحطيم عظامه وقتله، إلا انه قفز فوصل حافة باب البئر، والأفعى تحاول الانقضاض عليه وبخفة الصقور تسلق إلى باب البئر وخرج، فقد كان له موعد مع الحرية والفرج، كانت الجروح تكسوه عندما رأيته ولم أصدق هول ما قصه على رغم أني أدركت رجولة صاحبي، إلا أنني أيقنت أن الموت والحياة متصارعان، وأن الموت لن يكون إلا بقدر الله، وأصبحت على قناعة أن صاحبي لا يخاف الموت وانه صدوق.
فتح الله ابوسرور - الدوحة
