لا تعترف كثير من الأسر العربية والخليجية بوجود ظاهرة الاغتصاب والتحرش على الرغم من تعدد اشكالها، على الرغم من تفشي الظاهرة. ولعل غياب الأرقام الحقيقية التي تكشف عن فداحة هذه الجرائم ذات التبعات النفسية الجسيمة.

يسهم إلى حد كبير في عدم إيجاد حلول عملية تقي المجتمع من التحرش والاغتصاب وهتك العرض والاعتداء على الآخر، والذي يكون بمثابة فرصة ثانية للمجرمين ليضيفوا ضحايا جددا الى قائمتهم. التقت «البيان» عددا من الحالات التي كشفت تحت الحاح ما تعرضت له من تحرش واغتصاب، او هؤلاء الذين تحدثوا عن حالات لبعض المقربين منهم.

قصص واقعية لضحايا التحرش الجنسي

تروي إحدى الفتيات «رفضت ذكر اسمها» التي تعرضت لتحرش جنسي قصتها حيث تقول «أنا فتاة أبلغ من العمر 19 عاماً تعرضت للاعتداء الجنسي في عامي الثاني عشر من ابن أختي الذي يكبرني بثلاثة اعوام. وكان كلما رآني يتحرش بي وكان يأتي إلى منزلنا كثيراً وبخاصة في أوقات نومي ويعتدي علي وأنا نائمة! وإذا استيقظت أضربه .

وأبكي وأرتجف من الخوف وكان يقول لي إنني عشيقته وانه يحبني وكان يأتي لي بالأشياء التي أحبها دون مناسبة واستمر هذا الأمر حتى بلغت عامي السادس عشر.. لم أخبر أحداً، كنت دائماً أهدده بإخبار أمه ولكنني أتراجع في اللحظة الأخيرة، خوفا من أن أقع معه في العقاب، واستمر الأمر على هذه الحال حتى ذهب للخارج للدراسة وكنت فرحة جداً لأنني تخلصت منه وقد عاد حاليا وخطب فتاة من العائلة ولم يعد لعادته القديمة».

وتضيف الفتاة مشكلتي الآن أنني أكرهه كثيراً ولا أبقى معه في مجلس وإذا كلمني أجامله، ودائماً أقول لنفسي إنه ابن أختي ويجب أن أنسى ذلك الماضي لكنني لا أستطيع. وبحكم ديننا وعاداتنا فأنا لم أعرف من الرجال إلا أبي وابني أختي الاثنين وليس لدي إخوة وأخاف أن أتزوج فأكره الرجل الذي سأتزوجه.

مراكز الشرطة

يؤكد المقدم عارف أبوشقرا مدير مركز شرطة القصيص عدم وجود نص قانوني يجرم الأهل في حالة تعرض طفلهم للاغتصاب أو الاعتداء أو التحرش، مشيرا الى أن أقصى إجراء يمكن اتخاذه ضد الأهل هو تعهد بعدم تكرار الأمر، وهو الأمر الذي نادرا ما تستخدمه مراكز الشرطة حيث يكتفي المركز بمصيبة الاهل في طفلهم، ولا يحملون المسؤولية الا اذا كان الاهمال وهو امر صعب الإثبات.

ويؤكد هذا الكلام المقدم علي غانم مدير مركز شرطة بر دبي حيث يشير إلى أن كل قضية تختلف عن الأخرى، وان مراكز الشرطة ليست الجهة المخولة بتوجيه اتهام إهمال الأسرة من عدمه، مضيفا بأن الأهل شركاء لا محال في جزء من المسؤولية.

إلا انه لا يوجد نص قانوني يجرم الأهل ويدعو إلى اتخاذ أي إجراءات ضدهم بل بالعكس فغالبا ما يتعاطف المركز مع الأسر المنكوبة خاصة في حال وفاة الطفل.

ويشير المقدم غانم إلى أن غياب رقابة الأهل يعتبر عاملا أساسيا في ترك الحبل على الغارب للبعض من الذين يتحينون فرصة لممارسة بعض التصرفات غير الاخلاقية مع الأطفال دون خوف.

ومن جانبه، يؤكد المقدم جمال الجلاف مدير ادارة الرقابة الجنائية بشرطة دبي والمشرف على برنامج التواصل مع الضحية أن الخجل الاجتماعي يصعب من مهمة كشف المتهمين في هذه القضايا، مشيرا الى ان اشكال الجرائم التي يتعرض لها الاطفال اما هتك العرض او الاغتصاب بالاكراه.

الخجل = التستر

ويشير الجلاف الى ان الاتصالات التي ترد الى البرنامج تعامل بسرية تامة لضمان الاستمرار، مؤكدا ان اغلب الاسر لا تبلغ عن الاعتداء الجنسي الذي يتعرض له احد افراد الاسرة خاصة اذا كان من داخل العائلة، خوفا من الفضيحة وحفاظا على السمعة، وينوه بان الخجل والتستر على المتهمين في هذا النوع من الجرائم يعطيان فرصة للمتهم بتكرار فعلته مع آخرين سواء كان داخل الدولة او خارجها.

ومن جانبه، شدد الدكتور محمد مراد مدير مركز دعم اتخاذ القرار بشرطة دبي على ضرورة تكثيف حملات التوعية للأسر وإصدار دليل تعليمي لتدريب الأطفال على كيفية مقاومة ورفض أي محاولة للتحرش بهم ورفض الإغراءات كافة التي تقدم لهم، لافتًا إلى أن الدراسة يجب ان تكون على مستوى الدولة وليس إمارة معينة.

ويفيد مراد بأن شرطة دبي لم تسجل سوى 21 حالة تحرش جنسي خلال العام الماضي من حالات التحرش بالأطفال، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الأسر تتجنب الإبلاغ عن هذا النوع من الجرائم، لذا يحاول المركز استكشاف الحجم الحقيقي للمشكلة حتى لو بشكل تقديري والخروج بنتائج وتوصيات تقدم للجهات المعنية بوضع التشريعات والضوابط والتوصيات للأسر والقطاع التعليمي.

صعوبة الاحصاء

ويشير إلى أن التحرش بالأطفال لا يكون بالضرورة من جانب الخدم ولكن يحدث أحيانًا في محيط الأسرة والمدرسة، موضحًا أنه من جرائم الظل التي لا يتم الإبلاغ عنها ويصعب تقدير حجمها الحقيقي بسبب خجل الأسرة أو خوفها على سمعة الأطفال، لذا فإن الدراسة ستعتمد على جمع البيانات بشكل غير مباشر من خلال استخدام أسلوب الإسقاط كأن يطلب من الشخص الحديث عن حالة رأها أو سمع بها لتشجيعه على الكلام.

ويضيف ايضا أنه يجب الحرص على عدم وجود الطفل في خلوة مع الغرباء حتى لو كانوا الخدم، كما أن على الأسر تدريب الأطفال من الصغر على الإبلاغ في حالة تعرضهم لأي محاولات تحرش وتثقيفهم بأساليب الرفض والمقاومة إذا تعرضوا لأي اعتداء في محيط الأسرة أو خارجها.

وقال الدكتور مراد: «ان الدراسة التي يجري العمل بها حسب الخطة تقوم على أسباب رئيسية منها زيادة الحديث عن هذه المشكلة في الدولة، حيث ورد عدد من حالات التحرش الجنسي من جانب الخدم إلى مراكز الشرطة والمستشفيات ومراكز الدعم الاجتماعي، فضلاً عن أن هذه الظاهرة تعد مشكلة عالمية وسجلت دراسات حديثة للأمم المتحدة تعرض 150 مليون فتاة و73 مليون صبي لأشكال مختلفة من العنف الجسدي على مستوى العالم».

من ناحية اخرى، وافق مجلس إدارة جمعية رعاية وتوعية الأحداث برئاسة الفريق ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي على إجراء دراسة ميدانية للمرة الأولى في الدولة بعنوان «التحرش الجنسي بالأطفال في مجتمع الإمارات»، حيث تستغرق مدة الدراسة 9 أشهر، ومن المقرر إجراؤها على عينة من الأسر الإماراتية في إمارة دبي يقدر حجمها بنحو 100 حالة بالإضافة إلى الحصر الشامل لجميع الأسر التي أبلغت عن حالة من حالات التحرش الجنسي لأطفالها وخاصة من قبل الخدم وتم الإبلاغ عنها في أقسام الشرطة أو في المستشفيات في إمارة دبي.

دراسة ميدانية

من ناحية اخرى، تقول الدكتورة موزة أحمد العبار رئيسة لجنة البحوث والدراسات بجمعية رعاية وتوعية الأحداث والتي تقدمت بمشروع الدراسة الميدانية ان الهدف من الدراسة محاولة التعرف الى حجم مشكلة التحرش الجنسي بالأطفال في الأسر الإماراتية بواسطة الخدم، ومعرفة أشكاله، ورصد الأسباب أو العوامل المؤدية والمهيئة والمسهلة للمشكلة، ورصد النتائج المترتبة على ممارسة التحرش الجنسي بالأطفال في الأسر الإماراتية، وتقديم المقترحات والتوصيات التي يمكن أن تقي الأطفال من تلك الظاهرة ومواجهتها والحد منها وعلاجها بالأسلوب العلمي السليم.

وتحدد الدكتورة العبار الأسباب التي دفعتها إلى تقديم اقتراح الدراسة في زيادة الحديث عن المشكلة في الدولة واستقبال العديد من حالات التحرش ضد الأطفال إلى أقسام الشرطة والمستشفيات ومراكز الدعم الاجتماعي، وتشير إلى أن دراسة لمنظمة الأمم المتحدة كشفت أن العنف ضد الأطفال مازال مستمرا وأن هناك حوالي 150 مليون فتاة و73 مليون صبي حول العالم يعانون من عدة أشكال من العنف الجنسي.

وتلفت إلى أن هناك ندرة شديدة في البحوث والدراسات المتعلقة بالظاهرة على مستوى الوطن العربي، فيما ركزت الدراسات التي أجريت على العنف ضد الأطفال بصفة عامة، مشيرة إلى قلة الدراسات والبحوث السابقة أيضا في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية والبرازيل، ومن المقرر إعداد استمارة بيانات للعينة، إضافة إلى استمارة مقابلة للأسر التي قامت بالإبلاغ عن حالات التحرش الجنسي لأحد أطفالها من الخدم.

بطاقة خضراء

وتؤكد البسطي ان 80% من الاسر المواطنة لا تبلغ عن المجرم خاصة اذا كان احد افراد العائلة خوفا على سمعة الفتاة، والعائلة، مشيرة الى ان هناك حالات اعتداء من اخ على اخته من اب او ام اخرى، او بين الاشقاء في حالة تدني مستوى المعيشة ونوم الاسرة باكملها في غرفة واحدة او اثنتين، الامر الذي لا يمكن اكتشافه بسهولة.

وتنوه البسطي بان عدم الابلاغ عن هذه الحالات يعتبر تسترا على المجرم، كما انه «بطاقة خضراء» له لتكرار فعلته مع آخرين، خاصة اذا تعرضت الضحية للتهديد من قبل الجاني بعدم الافصاح عما يحدث معها.

وتشير وداد لوتاه المستشارة الأسرية في هيئة تنمية المجتمع في دبي الى تفشي ظاهرة التحرش بالاطفال وغياب رقابة الاهل الذين انشغلوا باعمالهم ووظائفهم منذ الصباح وحتى الليل وتركوا الاطفال في ايدي السائقين، والخدم، مطالبة بتغليظ العقوبات وتعديل بعض نصوص القانون بحيث تتضمن امكانية نزع الاطفال من اسرهم اسوة بالدول الاوروبية وايداعهم في مؤسسات خاصة ترعاهم في حالة ثبوت اهمال الاهل في رعاية ابنائهم.

وتقول لوتاه: «منذ اكثر من 30 سنة ونحن نعاني كمواطنين من التحرش من الجنسيات الاخرى، الا ان الامر لم يكن يتعدى بعض الممارسات غير الاخلاقية من العمال والآسيويين الذين يسكنون بالقرب من بيوت المواطنين والتي لم تخرج عن نطاق عرض بعض من هؤلاء العمال لعوراتهم أمام الأطفال خاصة الفتيات، إلا أن الأمر تطور هذه الأيام ووصل الى حد استباحة هؤلاء لاعراض الأطفال، وقاموا بالاعتداء عليهم لحد وصل إلى القتل مثلما تابعنا في قضية طفل العيد».

تغليظ العقوبات

وتؤكد لوتاه ان الاسرة تلعب دورا كبيرا في حماية الاطفال، الا ان بعض الاسر لا تستفيق الا بعد وقوع المصيبة والبعض الآخر يفضل الصمت خوفا من المجتمع وتلويث السمعة، خاصة إذا كان الاعتداء من قبل احد أفراد العائلة أو الأهل.

وتؤكد لوتاه ضرورة تغليظ العقوبات وإضافة عقوبات جديدة تطال الأسرة، إذا ثبت إهمالها في حماية أبنائها مهما كانت الأسباب، داعية إلى تكاتف الجهود المجتمعية التي تتمثل في الأسرة والمدرسة والإعلام لهذه الظاهرة بكشف هؤلاء المعتدين.

كما طالبت لوتاه بتغليظ العقوبات على المتحرشين والمعتدين على الأطفال علها تكون رادعا لكبح جماح هذه الظاهرة، مشيرة إلى أن القانون الحالي عاجز عن تحقيق الردع الكافي حيث شهدت بعض قضايا الاعتداء عقوبة المعتدى سنتين أو ثلاث سنوات مع إبعاد عن الدولة، وهو الأمر المخزي حيث يسجن هذا المعتدى في سجون خمس نجوم ويستمتع بحياته طوال فترة العقوبة، وبعد الإبعاد يعاود دخول الدولة مرة أخرى بطريقة ما، ويعيث فسادا في المجتمع من جديد.

وتروي لوتاه قصة إحدى الفتيات التي عاينتها عن قرب، والتي بدأت بتسكين الأهل لبعض الغرباء في ملاحق داخل البيت لزيادة الدخل، ومن ثم تعرضت الفتاة للتحرش من قبل هؤلاء الغرباء، خاصة بعد أن تطلقت الأم من الأب وتزوجت من آخر لتترك الفتاة تواجه مصيرا مظلما وسط انشغال الأب بعمله، وتركها وحدها في البيت، والذي كانت تداعياته اعتداء احد العمال على الفتاة برضاها وحملها منه وهي في الرابعة عشرة من عمرها.

مفهوم

مظاهرالتحرش الجنسي بالاطفال

الاعتداء الجنسي على الطفل هو استخدام الطفل لإشباع الرغبات الجنسية لبالغ أو مراهق. ويشمل تعريض الطفل لأي نشاط أو سلوك جنسي ويتضمن غالبا التحرش الجنسي بالطفل من قبيل ملامسته أو حمله على ملامسة المتحرش جنسيا.

ومن الأشكال الأخرى للاعتداء الجنسي على الطفل المجامعة وبغاء الأطفال والاستغلال الجنسي للطفل عبر الصور الخلاعية والمواقع الإباحية. وللاعتداء الجنسي آثار عاطفية مدمّرة بحد ذاتها، ناهيك عما يصحبه غالبا من أشكال سوء المعاملة، وهو ينطوي أيضاً على خذلان البالغ للطفل وخيانة ثقته واستغلاله لسلطته عليه.

إحصائيات

75% من المعتدين معروفون للضحايا

تشير بعض الإحصاءات التي أوردتها وسائل إعلام ومراكز اجتماعية عديدة، الى أن انتشار هذه الجريمة في المجتمعات العربية بات أمراً متزايداً، وأن معظم الحالات تمّت على يد أقارب أو جيران أو معارف.

وتبين تلك الاحصائيات أن هناك 77% من هؤلاء المعتدين «آباء» للأطفال الضحايا، و11% من أقاربهم، وأن أكثر من 75% من المعتدين هم أشخاص معروفون للضحية تربطهم بالطفل علاقة قربى أو معرفة والتحرش الجنسي أحد أنواع هذا الإيذاء.

موقف

الدين الاسلامي امر بالتفريق بين الاولاد في المضاجع

قال الشيخ جمال الشيخ الداعية الديني ان التحرش بالاطفال قضية مهمة جدا وليس صحيحا أن نتجاهل قضايانا (الحساسة والهامة) بدعوى أنها لم تصل بعد إلى درجة الظاهرة إذ من الواجب تجاه مشاكلنا التربوية أن ندق ناقوس الخطر لأدنى خطر يمكن أن يقع.

مؤكدا أن الخطأ التربوي تكمن خطورته بكونه يتحول تلقائيا إلى خطأ تراكمي وهذا هو سر الخطورة فيه، فالتحرش يمكن أن يقع فعله من المحارم أو من الأقارب وهذا هو الكثير ويمكن أن يقع من الغرباء الأجانب، وقد جاءت شريعة الإسلام بسد الذرائع المفضية إلى هذا المزلق وخاصة من الأقارب ولذا أمر الإسلام بالتفريق بين الأولاد في المضاجع.

وهذا بالتأكيد له دلالة مهمة وهو أن التحرش يمكن أن يقع حتى بين الاخوة مع أخواتهم أو بين كل جنس مع جنسه. ويشير الشيخ جمال الى أن من أهم الوسائل في صيانة الطفل من التعرض لهذا الخطر هو سد الذرائع المفضية للوقوع في هذا المنزلق، ومن أهم الوسائل التي نُص عليها التفريق بين الأطفال في مراقدهم ويلتحق بها الحذر من تمكين ضعيف الديانة ـ حتى ولو كان من المحارم ـ من الخلوة بالولد سواء كان ذكرا أو أنثى وليس معنى هذا الدعوة إلى نزع الثقة من الجميع إنما المراد الكياسة والحذر مع التعقل.

ومن الوسائل أيضا تشييد الجسور العالية من الثقة بين الولد ووالديه وغياب هذه الرؤية عند كثير من الآباء، هو في اعتقادي السبب الرئيسي في كثير من أزماتنا التربوية. إن بناء الثقة بين الولد ـ ذكرا أو أنثى ـ وبين والديه هو صمام أمان للولد من الاستجابة لكل وسائل الهدم والإغراء لأن الولد إذا أدرك أن صدر والديه أو أحدهما هو الصدر الرحب الرحيم الذي سيمتص كل أخطائه مهما كانت فلن يرضخ للابتزاز والضغط من أي شخص كان والولد بطبعه كإنسان يبحث عن الأمان دائما فمتى ما وجد هذا الأمان عند أبويه أو أحدهما لم يحتج معه إلى غيره.

دبي ـ شيرين فاروق