شهد الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في مجلس سموه بقصر البطين أول أمس محاضرة بعنوان «من الأخضر إلى الذهب: الاستدامة البيئية في عالم متغير» قدمها البروفيسور دانييل إستي رئيس مركز جامعة «ييل» الأميركية للقانون والسياسة البيئية.
وحضر المحاضرة معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي ومعالي الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان رئيس هيئة أبوظبي للسياحة وعدد من كبار المسؤولين ولفيف من السفراء العرب والأجانب المعتمدين لدى الدولة ورجالات المجتمع المحلي.
وأكد البروفيسور دانييل سي. إستي خلال المحاضرة التي حضرها كبار الشخصيات والسفراء ورجال الأعمال والمهتمين بحماية البيئة في الدولة على ضرورة تبني قواعد ومعايير تسمح بتحقيق مستقبل بيئي مستدام بصورة مشابهة للخطوات التي يتم اتخاذها لوضع الأسس اللازمة لاقتصاد أكثر استدامة.
كما أكد أهمية إصلاح الأسلوب التقليدي المتبع فيما يتعلق بالتشريعات البيئية وحماية البيئة والذي يتيح تقديم «تراخيص» تسمح بإلحاق مستوى معين من الضرر البيئي، مشيراً إلى أهمية زيادة التوجه لإجبار الجهات المتسببة بالتلوث على دفع تعويضات عن الأضرار التي تتسبب بها، وبالتالي التحفيز على العناية بالبيئة والمحافظة عليها وتحفيز الفعالية وإنتاجية الموارد.
وعبر البروفيسور إستي عن سعادته بزيارة دولة الإمارات وقال إن الجولة التي قام بها في دبي وأبوظبي وإطلاعه على المشاريع البيئية الضخمة والشركات التي تعمل بالطاقة النظيفة ولاسيما مدينة «مصدر» التي تعد المشروع الرائد في مجال الإبداع والابتكار في مجال الطاقة المتجددة كونت لديه قناعة بأن دولة الإمارات وأبوظبي طرقت باب طاقة المستقبل قبل غيرها وتسعى لأن تصبح لاعباً رئيساً ومحفزاً في مجال الطاقة النظيفة لضمان تلبية هذا الطلب المتزايد على الطاقة في المستقبل.
الرؤى الجديدة
وأرجع البروفيسور إستي نجاح «مصدر» إلى الرؤى الجديدة التي تمتلكها وتسير على منهجها في مجال الطاقة النظيفة وكذلك العمل على مواجهة التحديات البيئية ووضع الإطار الصحيح لمواجهتها والعمل على تطوير التقنيات والحلول الخاصة بالطاقة المتجددة والنظيفة ومن ثم توظيفها واستخدامها تجارياً.
مؤكداً أنها فرصة نادرة لأبوظبي ودولة الإمارات في أن تشارك الآخرين نجاحاتها في هذا المجال ويمكن أن تتقدم بتنفيذ أول مبادرة في القرن الحادي والعشرين فيما يخص السياسة البيئية والنظام البيئي.
وأكد أن عامل الاستدامة البيئية سيشكل مستقبلاً جوهر السياسات الاقتصادية سواء على مستوى الحكومات أو على مستوى الشركات وهو ما يتوافق حالياً مع التطورات السريعة والإجراءات الحكيمة التي تتخذ في الإمارات وفي أبوظبي في هذا المجال، حيث أصبحت تلك التوجهات تشكل هيكلية المجتمعات خلال المئة عام المقبلة ومما لا شك فيه أن تلك الخيارات هي التي ستساعد في تعزيز حالة الاستدامة البيئية وتعود على المجتمع بالخير والازدهار.
وفي هذا الصدد طالب البروفيسور دانييل إستي دولة الإمارات بالتركيز على السياسة التعليمية فيما يخص حماية البيئة والعمل على تأسيس أول مدرسة أو كلية على مستوى العالم تعنى بتدريس الاستدامة البيئية تمنح التعليم الأساسي والشهادات العليا على مستوى البكالوريوس والدكتوراه وتلتزم أيضاً بدراسة الإدارة والاقتصاد والعلوم السياسية.
الموجة الخضراء
وقال «إنه لا شك ان الموجة الخضراء آخذة في الامتداد على عالم الشركات بكامله وإن الشركات التي تتعلم كيف تركب هذه الموجة وتنشر التفكير البيئي في جميع نواحي الشركة ستحقق الأرباح، في حين أن الشركات التي تفشل في التأقلم مع هذه الموجة في اعتبارها من المحتمل أن تنهار تحت ضرباتها».
وقد استندت المحاضرة إلى كتاب «كيف نجني الذهب من السياسات الخضراء» حيث استعرض البروفيسور إيستي ما ينبغي لجميع المديرين معرفته من أجل إدارة التحديات البيئية التي تواجه الشركات والمجتمع وناقش كيف تحرز الشركات قيمة دائمة وتتمكن من خفض النفقات والتقليل من المخاطر وتحقيق عائدات جديدة وخلق هويات مرئية ناجحة من خلال إدخال التفكير البيئي إلى استراتيجياتها المؤسسية.
وقدم البروفيسور إستي ـ الذي يعد من أكبر مؤيدي الاستدامة البيئية وصناعة القرار على أساس معلوماتي ـ قدم نصائح عملية واضحة وأمثلة ملموسة من الشركات المنتشرة في العالم والتي تعتبر ناجحة على الصعيدين البيئي والمؤسسي، وبين كيف تحرز هذه الشركات «أفضلية بيئية» في السوق، منوهاً إلى الاستراتيجيات والأدوات التي ينبغي للشركات استخدامها كي تتمكن من أن تسلك طريقها في عالم مقيد الموارد ومليء بالضغوط.
وتحدث إيستي عن قواعد الإبلاغ وإعداد التقارير الفعالة والتي تسهل تحديد المخاطر الخارجية وتجعل من الصعوبة بمكان إخفاء التجاوزات، كما تحدث عن المقاييس المتاحة على نطاق واسع والتي تسهل المقارنة المرجعية بين الشركات. كما توفر هذه القواعد والمقاييس آلية لتقييم الأداء وإبراز الشركات الرائدة والشركات المتدنية الأداء وحفز التنافسية التي تدفع الجميع إلى تحقيق نتائج أفضل.
ويؤيد إيستي دراسة الشركات الرائدة في هذا المجال بما يمكننا من الوقوف على أفضل الممارسات المتبعة بدءاً من الاستراتيجية المؤسسية وحتى مراقبة التلوث، وبالطريقة نفسها فإن الشركات التي تقع خارج هذا النطاق (والتي تحقق عائدات سنوية بنسبة 10% على الدوام) يمكن عزلها وإخضاعها للدراسة والتمحيص.
التحديات البيئية
وقال إن التوجهات البيئية التي تسند على أسس علمية ومعرفية ويتم تنفيذها على أرض الواقع والتي عرضت علينا من شركات إماراتية كبرى مثل شركة أدنوك وأدما العاملة ومصدر وغيرها من الشركات العاملة في مجال النفط والغاز تؤكد أنها تسير في الاتجاه الصحيح في مواجهة التحديات البيئية.
والعمل على تحقيق الفرص والأخذ بآليات السوق الجديدة ومن ثم الوصول إلى الأهداف وتحقيق الأرباح المرجوة، لافتاً إلى أن ذلك يعد فرصة لا مثيل لها في دولة الإمارات في بناء نظام ومنهجية لتنظيم عملية الاستدامة البيئية ومراقبتها.
وأضاف.. انه من خلال ما أنجزته دولة الإمارات في مجال حماية البيئة ليس فقط من خلال هيئة البيئة ولكن من خلال ما تم إنجازه في مجال طاقة المستقبل وتحسين جودة الحياة نستطيع أن نقول ان الإمارات أصبح لديها سياسات واضحة ومحددة لإرساء أسس قوية للاستدامة البيئية.
وشدد إيستي على أن المخاوف البيئية أصبحت تحتل أهمية أكبر بالنسبة للجمهور على مستوى العالم وان العوامل البيئية أصبحت تدخل في لب استراتيجية الشركات ويرى انه لا توجد شركة أو صناعة تستطيع تجاهل ارتفاع أسعار الطاقة ومتطلبات وتكاليف مراقبة التلوث وضغوطات إدارة الموارد الطبيعية.
ناقش البروفيسور إيستي حقيقة تتعلق بالشركات التي بدأت تنظر إلى البيئة ليس من منظور إدارة المخاطر وحسب بل كفرصة ينبغي عدم تفويتها، حيث ان هناك تغيراً كبيراً طرأ على موقف الشركات من البيئة خلال السنة الماضية ويرى إيستي بأن الشركات ؟الكبيرة منها والصغيرة وسواء أكانت شركات تصنيع أم خدمات ؟
قد بدأت تنظر إلى البيئة ليس فقط كتشريعات ينبغي إتباعها أو نفقات يجب احتواؤها أو مخاطر يجب إدارتها بل أصبحت تدرك ان الفرص الكبرى في الأسواق هي من نصيب الشركات التي تستطيع تقديم الحلول لمشكلات مثل التغير المناخي ونقص المياه والتعرض للمواد الكيماوية وتلوث الهواء ونضوب الموارد الطبيعية بدءاً من الثروة السمكية وانتهاءً بالغابات.
أبوظبي ـ مصطفى خليفة
