ترددت كثيراً هذه المرة قبل أن تطلب قيمة الهدية من زوجها، هل تأخذ معها نقوداً للمولودة الجديدة أم هدية عينية للأم؟ «تراها ما تلبس إلا ألماس .. لا اتعبين عمرج وتاخذين هدية أي كلام».. في آخر مرة زارتها بمناسبة الانتقال للمسكن الجديد بدت هديتها متواضعة جداً .. مقارنة بما رأت هناك. حتى اليوم لم تدر ما كان مصير أحواض الزهور تلك .. هل اعتنت بها ؟ أم ذبلت تحت شمس الخليج.

استكانت حينها لأوامر والدتها، وابتاعت قطعة مجوهرات.. وهي تدرك أن صاحبة الهدية لم تكلف نفسها يوماً عناء مجاملتها بهدية أخرى.. بالرغم من مرور أكثر من مناسبة تستدعي ذلك.

في جدول التزامات هذا الشهر، هديتان، الأولى لمولودة جديدة، والأخرى لصديقتها التي تهم بدخول القفص الذهبي، وكلتاهما من العيار الثقيل ما يعني «طيران» ثلثي الراتب الشهري، «لازم تاخذين شي غالي ..

تذكري هديتها يوم انتي عرستي، البنت ما قصرت وياج.. لا تفشلينا وياها».. أصبح من اللازم أن ترد الهدية، ومن باب الذوق أن تكون بمستوى ما أهدتها العروس ذات يوم، ستستعرض الصديقة الهدايا على الملأ، ولا بد أن تظهر العائلة بما يليق بسمعتها.

تجاذبتها الأفكار طويلا حول مغزى الهدية ومعناها، دوافعها.. والرغبة في ممارسة ذلك السلوك، حينها بدأت تمل تلك الدوران في فلك المجاملات والمظاهر.. تذكرت أولى هدايا جارتها الأجنبية، صينية الكعك الصغيرة التي حملتها إليها بيديها، كانت كافية لبث السرور في نفسها، وبدء علاقة وطيدة استمرت لسنوات.. متناسية ما قالته إحدى الصديقات «هذي شو عرفها بالذوق.. محد يطرش صحين فيه كمن حبه»..

بينما لا يزال ذلك الشال المطرز الذي جلبته لها الجارة بعد زيارتها الأخيرة لبلدها يلقى استحسان كل من رآه، وهي لا تزال حتى اليوم تحرص على تبادل الهدايا مع تلك الجارة في كل مناسبة، ببساطة.. هي لا تشعر بعبء التكلف أو التباهي.. بل تفعل كل ذلك بفرح وتلقائية.

للهدية كما لأي سلوك آخر آداب، وفنون، فاختيارها لا بد أن يكون دقيقاً، بعيداً عن التكلف أو التباهي، وللهدية مغزى أعمق بكثير مما يكلف ثمنها، فهي إن كانت بمناسبة أو من دون مناسبة لا بد أن تعبر بصدق عن دوافعها، ولعل افتقادها للصدق.. أفقدها فرح شرائها واستقبالها ..

كان الكتاب عبر الأزمان هدية ثمينة، تُورث عبر الأجيال محتفظة بقيمته كلما اصفرت أوراقه، اللوحات كذلك .. تُعتبر هدايا ذات قيمة فنية عالية، فرُبما نُقشت عليها آية كريمة أو حديث شريف كقطعة فنية نادرة، «عالأقل أحسن من قرقعة الجدور والمواعين اللي إذا انكسرت منهن قطعة راح فيها الطقم كله»..

لا يدرك أصحاب الذوق ممن يتفحصون الهدايا بعين ناقدة، أنه ليس من الذوق نقد الهدية أو التقليل من قيمتها أمام أياً كان ..

فالشكر أول رد فعل متوقع على بادرة طيبة دافعها إنساني بحت، حتى وإن باتصال هاتفي متأخر، لا تجاهل أصحابها أو تجريحهم .. بل رد الهدية واجب في أقرب فرصة. . وعليكم التذكر دائما أنها بادرة ذاتية.. فلا يجوز ترقبها من باب «اللقافة»..

يبدو حتى الهدية فقدت حلاوتها وأصبحت عبئا مادياً .. بعد أن كانت سلوكاً حضارياً.

أمل الفلاسي

aalfalasi@albayan.ae