هناك أفلام محظوظة، يأتي موعد عرضها مواكبا لأحداث ساخنة تتشابه مع موضوعها فتكتسب تلك الأفلام أهمية مزدوجة، ومن هذه النوعية فيلم «سولت» الذي بدأت عروضه في صالات السينما المحلية هذا الأسبوع وتدور أحداثه حول جاسوسة روسية متخفية كعميلة أميركية يطلب منها أن تقوم بقتل الرئيس الأميركي، وقد جاء عرض هذا الفيلم بعد أسابيع قليلة من أكبر صفقة تبادل للجواسيس منذ الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا والتي تمت عبر العاصمة النمساوية فيينا حيث نقلت إليها روسيا أربعة جواسيس، كما نقلت الولايات المتحدة إلى العاصمة نفسها عشرة جواسيس روس اعتقلتهم في وقت سابق من الشهر الجاري.

ويأتي فيلم «سولت» في هذا التوقيت ليضرب على الوتر الجريح، عندما فتح ملف الجاسوسية في ظل مناخ ظن الجميع فيه أن هذا الموضوع أغلق، ليعيد إلى الأذهان صورا اختفت منذ سنوات وأصبحت سجلا موثقا في تاريخ البلدين.

تعتمد فكرة «سولت ـ Saltz (تُكتب مثل كلمة «ملح» بالإنجليزية لكنه اسم البطلة في الفيلم) على سيناريو من تأليف كيرت ويمر وبرايان هيلغلاند، تم تقديمه إلي النجم توم كروز ـ الذي كان الاختيار الأول للفيلم ـ لكنه قرر العزوف عنه لأنه لا يريد تمثيل عمل قريب الشبه من سلسلة «المهمة مستحيلة»، وتذكرت رئيسة الإنتاج آمي باسكال المسؤوله عن الفيلم في شركة كولومبيا أن الممثلة أنجلينا جولي كانت عبرت لها من قبل عن رغبتها في تمثيل فيلم يكون أقرب إلى «جيمس بوند على هيئة امرأة»، فأمرت بإعادة كتابة الموضوع (المقتبس من أحداث حقيقية) مأخوذة عن سلسلة روايات لكورنويل يصل عددها إلى 16 قصة، مع تغيير دور البطولة من ذكر إلى أنثى، وهو ما يعني أن أنجلينا جولي قد ترتبط بسلسلة جديدة من الأفلام بعد نجاحها في سلسلة أفلام «غزاة القبور» التي جسدت فيها شخصية «لارا كروفت».

يقدم الفيلم قصة «إيفلين سولت» التي نتعرف عليها في المشاهد الأولى من خلال سجون كوريا الشمالية، حيث تم اعتقالها وتعذيبها باعتبارها جاسوسة أميركية وفي صفقة تبادل يطلق سراحها وتعود إلي العاصمة واشنطن لتأخذنا المشاهد بعد ذلك إلي حقيقة زواجها من أستاذ في علم العناكب وعملها في المقر الرئيسي ل«السي آي إيه» تكريما لتاريخها المشرف، وخلال جلسة استجوابها لعميل روسي يقوم بكشف حقيقتها كجاسوسة روسية تخطط لقتل الرئيس الروسي أثناء زيارته لأميركا لحضور مراسم دفن نائب الرئيس الأميركي ولإفساد العلاقة بين البلدين، ويسمع ويشاهد ذلك «تيد وينتر ـ ليف شريبير» و»بيابودي ـ شيويتيل إيجوفور» زميليها في وكالة الاستخبارات الأميركية، وفي محاوله منهما لمعرفة الحقيقة يهرب العميل الروسي وكذلك «سولت» لتبدأ سلسلة من المطاردات للقبض عليها ومعرفة هويتها وتتوالى المعلومات التي تزيد من سخونة المشاهد واللقطات.

في إطار يشبه الخلفية الوثائقية نتعرف على «وينتر» ـ العميل الروسي الذي تم استجوابه سابقا في مركز السي آي إيه ـ ويتضح أنه المعلم الروحي لسولت والذي صنع منها عميلة للكي جي بي «الاستخبارات الروسية» متخصصة في التفجيرات وبارعة في التدمير والتخريب، وهي واحده ضمن عناصر كثيرة خاملة تم تجنيدها وتدريبها وزرعها في أماكن ووظائف عديدة داخل أميركا، ويشكلون مفاجآت متوالية عندما يتم الإعلان عنهم مع تصاعد الأحداث لتنفيذ مخطط (اليوم المشهود) الذي يهدف إلى اغتيال الرئيس الأميركي والسيطرة على الأسلحة النووية وتوجيهها وإطلاقها على «مكة وطهران» لتأليب المسلمين سنة وشيعة على الولايات المتحدة لإحداث بلبلة عالمية تضعف أميركا وتستعيد روسيا خلالها مكانتها التي اختفت بعد الحرب الباردة.

هذا الفيلم يكتسب أهميته من زاويتين الأولى لما تتمتع بها أفلام الجاسوسية من جاذبية خاصة وجماهيريه ضخمة فقضايا الجاسوسية في العادة تشغل الناس، وتحتوي حبكتها علي خطط ومكائد واستراتيجيات ومعلومات تستثير الأفكار هذا بخلاف توابل وبهارات السينما التجارية (تصوير سريع وحركة مثيرة ومطاردات وقتل) تجعل من تلك الأعمال ناجحة، وشهدت السنوات الأخيرة العديد من هذا النوع من الأفلام منها سلسلة «بورن» لمات ديمون و»المهمة المستحيلة» لتوم كروز.

أما الثانية لأن بطلته هي أنجلينا جولي التي أصبحت من أكثر النجمات مقدرة على تقديم أفلام الأكشن بأداء مبهر، فبعد تقديم «السيد والسيدة سميث» عام 2006 قدمت عام 2008 «المطلوب» الذي بلغت إيراداته 132 مليون دولار في أميركا فقط.

والملفت أيضا في هذا الفيلم أن مخرجه فيليب نويس يلتقي للمرة الثانية مع انجلينا جولي بعد عام 1999 عندما قدما فيلم «جامع العظام «من بطولة دنزيل واشنطن، وتظهر براعته في «سولت» من خلال التميز الواضح في الصورة والمؤثرات وقطع اللقطات في اللحظة المناسبة والاستدراك من خلال الفلاش باك لتأكيد معلومة أو إعطاء خلفية مطلوبة دون التأثير على الإيقاع السريع للأحداث.

ورغم براعة المخرج في قيادة طاقم التمثيل واستخدامه اللغة الروسية من قبل انجلينا وآخرين تعلموها باعتبارهم عملاء روسا، جاءت مشاهد المطاردات غير مقنعة خصوصا من أنثى تقفز وتتنقل فوق أسطح السيارات الضخمة التي تسير في شوارع مزدحمة ومتقاطعة، كما كان مشهد نزولها أعلى المصعد الكهربائي الذي تطارد فيه رئيس أميركا غير قابل للتصديق وطريقة تنفيذه تحتاج إلي الواقعية بدلا من استخدام الكمبيوتر في إظهار القفز لأسفل وكأننا نشاهد لعبة كرتون.

ويبقى اللغز الكبير في سيناريو فيلم «سولت» سببا يدعو إلي أجزاء مقبله، وهو معرفة السر الحقيقي وراء عثور الروس عليها طفلة صغيرة حيث تم تجنيدها وتدريبها في الوقت الذي قام فيه الأميركيون بترشيحها لتكون عميلة للسي آي إيه، ولم يكن وفاة والدها ووالدتها في حادث بموسكو بعد أن التحقا كمدرسين لأبناء الموظفين في السفارة الأميركية دافعا كافيا لاختيارها من كلا الجانبين، لكن يحسب للسيناريو دلالاته من خلال شخصية «بيابودي» ضابط المخابرات الأسود الذي أداه شيويتيل إيجوفور (رمز إلى فترة حكم الرئيس أوباما)، وهي المرة الثانية بعد فيلم (2012) التي تظهر الرئيس شخصا مثاليا يفضل التضحية بنفسه مع شعبه أمام الكوارث أو يسعى من خلال «سولت» إلي تطهير المجتمع الأميركي من الدخلاء الذين يحيكون الدسائس لتفكيكه والقضاء عليه.

رسالة واضحة أراد صناع هذا الفيلم التنبيه إليها، أن أعداء أميركا يستخدمون الرموز الإسلامية (أماكن وشخصيات) شعارا لمواجهتها المقبلة، فهل يفطن قادتها لذلك أم يبقى إبداع السينما مجرد بوق تحذير في الهواء ؟!.

أسامة عسل