لا يكاد قرص الشمس ينحسر ويسدل الليل ستارا على العاصمة الكورية الجنوبية سيؤول، حتى تزحف حشود من الشباب على اختلاف أعمارهم إلى الأندية والمطاعم ومقاهي الانترنت، ويباشر كل واحد بحجز مقعد لنفسه أمام الحاسوب، كي يهرب من العالم الواقعي إلى الافتراضي.

«جي يو تاي» شاب كوري مولع في المكوث فترات طويلة أمام الشبكة العنكبوتية، ولا يرافقه سوى زجاجة مشروب الطاقة وشاشة الحاسوب التي يستعرض عليها لعبة «آيون» الأشهر على الانترنت في كوريا الجنوبية.

ليس هناك ما يوقف «تاي» عن مواصلة اللعب، ربما ليومين متواصلين، سوى شعوره بوخز البطن من الجوع لكي يتناول شيئا من المعكرونة. يقول «تاي»، البالغ من العمر 27 عاما ويعمل كمطور لبرمجيات الهاتف المحمول، إنه يواظب على هذه اللعبة منذ نحو عامين، معترفا بأنه يفعل ذلك حتى أثناء ساعات عمله مما يشعره بالراحة النفسية. إلا أنه يستبعد أن يتحول عشقه للعبة إلى إدمان للانترنت، مشيرا إلى أنه فقط يشعر بالاطمئنان النفسي خاصة عندما يشعر بالملل أثناء وقت الفراغ.

ويضيف: «ليس عندي صديقة، ولا أتوقع أنني سوف أقابل إحداهن هنا في مقهى الانترنت». الإحصاءات الرسمية الصادرة من الحكومة الكورية تشير إلى أن هناك مليوني شخص في كوريا الجنوبية يصنفون على أنهم مدمنو انترنت، بما يعادل شخص واحد لكل 10 مستخدمين للانترنت. وتقول الحكومة الكورية إنها أنفقت ملايين الدولارات من أجل تنظيم حملات توعية بمخاطر إدمان الانترنت بالنسبة للمراهقين والشباب.

فقد أصدرت قرارا بمنع الشباب دون التاسعة عشرة من الدخول على 19 مليون موقعا على الانترنت بداية من سبتمبر المقبل، وذلك خلال الفترة ما بين الثانية عشرة وحتى الثامنة صباحا. القرار يحمل بين طياته عددا من النقاط الإيجابية، أهمها أن باقي الفئة من الشباب لن يجدوا منافسين بصورة كافية، مما سيحد من ظاهرة إدمان الانترنت تدريجيا.

إلا أن الحكومة الكورية سوف تجد نفسها أمام مشكلة أخرى، تتمثل في ارتفاع عدد مدمني الانترنت من الفئات العمرية الأعلى (العشرينات

والثلاثينات).

فالإحصاءات الرسمية تشير إلى أنه في الوقت الذي تراجعت أعداد المراهقين المستخدمين للشبكة العنكبوتية من أكثر من مليون إلى 938 ألف مستخدم، ارتفعت في المقابل أعداد المستخدمين للانترنت إلى 975 ألف شخص، بالنسبة للفئات العمرية الأكبر.

ولعل مكانة كوريا الجنوبية ضمن أكثر دول العالم اتصالا بالشبكة العنكبوتية قد أسهمت بشكل كبير في تعميق مشكلة إدمان الانترنت بين الشباب، ودفع في بعض الحالات إلى كوارث اجتماعية.

فلم تنس أبدا ما حدث للرضيعة ذات الأشهر الثلاثة «سا رانغ» عندما أهملها والدها وتركها تصرخ لأكثر من 12 ساعة قضاها أمام الانترنت حتى ماتت. ولقي الأب في مايو الماضي عقوبة السجن لمدة عامين. أما الأم التي تنتظر وليدها القادم، فقد حكم عليها بعقوبة السجن عامين مع إيقاف التنفيذ.

هشام فتحي